كلمة في وداع الراحلين

موعظة الموت والقبر
بقلم: فضيلة الشيخ أحمد إسماعيل الفشني
عودة للمكتبة

الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي كَتَبَ عَلَى عِبَادِهِ الْفَنَاءَ، وَتَفَرَّدَ سُبْحَانَهُ بِالْبَقَاءِ، قَهَرَ الْعِبَادَ بِالْمَوْتِ وَالْبِلَى، وَجَعَلَ مَصِيرَهُمْ إِلَى التُّرَابِ، ثُمَّ إِلَى الْحِسَابِ وَالْجَزَاءِ.

وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى مَنْ وَقَفَ عَلَى شَفِيرِ الْقَبْرِ وَبَكَى حَتَّى بَلَّ الثَّرَى، وَقَالَ: «يَا إِخْوَانِي.. لِمِثْلِ هَذَا فَأَعِدُّوا»، سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.

أَمَّا بَعْدُ.. يَا مَعْشَرَ الْمُسْلِمِينَ، يَا مُشَيِّعِي الْجَنَائِزِ:

نَحْنُ الْآنَ فِي مَكَانٍ يَعِظُ الصَّامِتَ فِيهِ النَّاطِقَ.. هُنَا تَنْتَهِي الْأَلْقَابُ، وَتَسْقُطُ الرُّتَبُ، وَلَا يَبْقَى إِلَّا "عَبْدُ اللَّهِ".

لَقَدْ جِئْنَا لِنُوَدِّعَ أَخًا لَنَا، كَانَ بِالْأَمْسِ مِثْلَنَا، يَأْكُلُ وَيَشْرَبُ، وَيَضْحَكُ وَيَأْمُلُ، وَالْيَوْمَ صَارَ خَبَرًا بَعْدَ عَيْنٍ، وَأَثَرًا بَعْدَ ذَاتٍ.

يَقُولُ اللَّهُ جَلَّ جَلَالُهُ فِي وَصْفِ هَذِهِ اللَّحْظَةِ الَّتِي لَا بُدَّ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنَّا أَنْ يَذُوقَهَا:

﴿وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ۖ ذَٰلِكَ مَا كُنتَ مِنْهُ تَحِيدُ * وَنُفِخَ فِي الصُّورِ ۚ ذَٰلِكَ يَوْمُ الْوَعِيدِ﴾.

"تَحِيدُ".. أَيْ تَهْرُبُ! كُنْتَ تَهْرُبُ مِنْ ذِكْرِ الْمَوْتِ، تَهْرُبُ إِلَى الطَّبِيبِ، تَهْرُبُ إِلَى الْأَمْوَالِ، وَلَكِنْ جَاءَكَ الْحَقُّ الَّذِي لَا مَفَرَّ مِنْهُ.

أَيُّهَا الْأَحِبَّةُ،

وَقَفَ سَيِّدُنَا عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَلَى قَبْرٍ، فَبَكَى حَتَّى ابْتَلَّتْ لِحْيَتُهُ، فَقِيلَ لَهُ: تَذْكُرُ الْجَنَّةَ وَالنَّارَ فَلَا تَبْكِي، وَتَبْكِي مِنْ هَذَا؟!

فَقَالَ كَلِمَةً تَخْلَعُ الْقُلُوبَ: «سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: إِنَّ الْقَبْرَ أَوَّلُ مَنَازِلِ الْآخِرَةِ، فَإِنْ نَجَا مِنْهُ فَمَا بَعْدَهُ أَيْسَرُ مِنْهُ، وَإِنْ لَمْ يَنْجُ مِنْهُ فَمَا بَعْدَهُ أَشَدُّ مِنْهُ».

يَا لَهُ مِنْ مَشْهَدٍ!

تَخَيَّلْ أَخِي الْكَرِيمَ، أَخُوكَ الرَّاحِلُ هَذَا، لَوْ أُذِنَ لَهُ الْآنَ أَنْ يَخْرُجَ مِنْ كَفَنِهِ، وَأَنْ يَقِفَ بَيْنَنَا دَقِيقَةً وَاحِدَةً.. مَاذَا تَظُنُّهُ سَيَفْعَلُ؟

هَلْ سَيَطْلُبُ مَالًا؟ هَلْ سَيَسْأَلُ عَنْ مِيرَاثٍ؟ هَلْ سَيَبْحَثُ عَنْ مَنْصِبٍ؟

كَلَّا وَاللَّهِ!

لَوْ نَطَقَ لَصَرَخَ فِينَا وَقَالَ: ﴿رَبِّ ارْجِعُونِ * لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ﴾.

سَيَقُولُ لَكُمْ: "رَكْعَةً.. دَعُونِي أَرْكَعُ رَكْعَةً وَاحِدَةً، دَعُونِي أَقُولُ (سُبْحَانَ اللَّهِ) مَرَّةً وَاحِدَةً". لَكِنْ هَيْهَاتَ!

﴿كَلَّا ۚ إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا ۖ وَمِن وَرَائِهِم بَرْزَخٌ إِلَىٰ يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾.

قِصَّةٌ لِلِاعْتِبَارِ:

مَرَّ أَحَدُ الصَّالِحِينَ بِجَنَازَةٍ، وَكَانَ مَعَهُ رَجُلٌ غَافِلٌ، فَقَالَ الصَّالِحُ لِلْغَافِلِ:

"يَا هَذَا، لَوْ كُنْتَ مَكَانَ هَذَا الْمَيِّتِ، مَاذا كُنْتَ تَتَمَنَّى؟".

قَالَ الرَّجُلُ: "كُنْتُ أَتَمَنَّى أَنْ يَرُدَّنِي اللَّهُ إِلَى الدُّنْيَا لِأَتُوبَ وَأَعْمَلَ صَالِحًا".

فَقَالَ لَهُ الصَّالِحُ: "يَا أَخِي، مَا دَامَتْ أُمْنِيَتُهُ قَدْ فَاتَتْ، فَلَا تُضَيِّعْ أَنْتَ أُمْنِيَتَكَ مَا دُمْتَ فِي دَارِ الْمُمْكِنَاتِ".

أَنْتَ الْآنَ فِي الْأُمْنِيَةِ! أَنْتَ فِي الدُّنْيَا الَّتِي يَتَمَنَّاهَا أَهْلُ الْقُبُورِ! فَمَاذَا أَنْتَ فَاعِلٌ؟

رِسَالَةٌ مِنَ الْمَيِّتِ إِلَى الْحَيِّ:

يَقُولُ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: "شَيَّعْتُ جَنَازَةً، فَلَمَّا دُفِنَ الْمَيِّتُ، جَلَسْتُ عِنْدَ قَبْرِهِ أَتَفَكَّرُ، فَتَخَيَّلْتُ أَنَّ الْأَرْضَ تُكَلِّمُنِي وَتَقُولُ:

يَا ابْنَ آدَمَ، مَشَيْتَ عَلَى ظَهْرِي ضَاحِكًا، وَسَتَصِيرُ فِي بَطْنِي بَاكِيًا..

مَشَيْتَ عَلَى ظَهْرِي آكِلًا، وَسَتَصِيرُ فِي بَطْنِي مَأْكُولًا..

مَشَيْتَ عَلَى ظَهْرِي مُذْنِبًا، وَسَتَصِيرُ فِي بَطْنِي مُعَذَّبًا".

يَا مَنْ تُشَيِّعُونَ الْجَنَازَةَ، لَا تَظُنُّوا أَنَّكُمُ الْمُوَدِّعُونَ فَقَطْ، بَلْ أَنْتُمُ الْمُوَدَّعُونَ غَدًا.

الْمَوْتُ كَأْسٌ، وَكُلُّ النَّاسِ شَارِبُهُ.. وَالْقَبْرُ بَابٌ، وَكُلُّ النَّاسِ دَاخِلُهُ.

هَذَا الرَّاحِلُ تَرَكَ أَهْلَهُ، وَتَرَكَ مَالَهُ، وَتَرَكَ دُورَهُ وَقُصُورَهُ، وَدَخَلَ الْآنَ وَحِيدًا فَرِيدًا، لَيْسَ مَعَهُ إِلَّا عَمَلُهُ.

قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «يَتْبَعُ الْمَيِّتَ ثَلَاثَةٌ: أَهْلُهُ وَمَالُهُ وَعَمَلُهُ، فَيَرْجِعُ اثْنَانِ وَيَبْقَى وَاحِدٌ؛ يَرْجِعُ أَهْلُهُ وَمَالُهُ، وَيَبْقَى عَمَلُهُ».

انْظُرُوا بِمَاذَا دَخَلَ؟ هَلْ دَخَلَ بِمَالِهِ؟ لَا. هَلْ دَخَلَ بِجَاهِهِ؟ لَا.

إِنْ كَانَ خَيْرًا فَخَيْرٌ، وَإِنْ كَانَ شَرًّا فَشَرٌّ.

فَيَا أَيُّهَا الْغَافِلُ عَنِ الْمَوْتِ، وَهُوَ يَطْلُبُكَ!

يَا مُؤْثِرَ الدُّنْيَا، وَالْقَبْرُ يَحْبِسُكَ!

صَالِحْ رَبَّكَ قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا بَيْعٌ فِيهِ وَلَا خِلَالٌ.

نَقِّ قَلْبَكَ مِنَ الشَّحْنَاءِ وَالْبَغْضَاءِ، فَإِنَّ "الْمُشَاحِنَ" لَا يُرْفَعُ لَهُ عَمَلٌ.

تُبْ إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحًا وَأَنْتَ وَاقِفٌ الْآنَ عَلَى شَفِيرِ هَذَا الْقَبْرِ، لَعَلَّ اللَّهَ يَنْظُرُ إِلَى قُلُوبِنَا فَيَرْحَمَنَا.

الدُّعَاءُ لِلْمَيِّتِ:

وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ.