عُلُوُّ الهِمَّةِ إِلَى نُجُومِ الجَنَّةِ: أَسْرَارُ الغُرَفِ الشَّاهِقَةِ وَكَيْفَ تَنَالُهَا

بقلم: فضيلة الشيخ أحمد إسماعيل الفشني
عودة إلى المقالات

الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي رَفَعَ لِأَهْلِ طَاعَتِهِ الدَّرَجَاتِ، وَجَعَلَ لِلْمُخْلِصِينَ فِي جَنَّاتِهِ غُرُفَاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ مُقِيمَاتٍ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، الْمُنْفَرِدُ بِالْعِزَّةِ وَالْجَلَالِ، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى رَحْمَةِ اللَّهِ لِلْعَالَمِينَ، سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ ﷺ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ الطَّيِّبِينَ الطَّاهِرِينَ، وَبَعْدُ؛

أَيُّهَا السَّادَةُ الْكِرَامُ.. هَلْ وَقَفْتُمْ يَوْمًا فِي لَيْلَةٍ صَافِيَةٍ، تَرْمُقُونَ نَجْمًا بَعِيدًا يَتَلَأْلَأُ فِي كَبِدِ السَّمَاءِ؟ إِنَّ هَذَا الْمَشْهَدَ السَّاحِرَ لَيْسَ مُجَرَّدَ جَمَالٍ كَوْنِيٍّ، بَلْ هُوَ "بَيَانٌ نَبَوِيٌّ" لِمَا يَنْتَظِرُ أَهْلَ الْهِمَمِ الْعَالِيَةِ. فَالْجَنَّةُ لَيْسَتْ طَبَقَةً وَاحِدَةً، بَلْ هِيَ مَقَامَاتٌ يَنْظُرُ فِيهَا الْمُؤْمِنُ إِلَى مَنْ فَوْقَهُ بِدَهْشَةٍ وَإِجْلَالٍ.

الْمَشْهَدُ النَّبَوِيُّ: نُورٌ فَوْقَ نُورٍ

يَنْقُلُ لَنَا سَيِّدُنَا أَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيُّ (رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ) عَنْ سَيِّدِنَا رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بَشَارَةً تَخْطَفُ الْأَنْفَاسَ، حَيْثُ قَالَ: «إِنَّ أَهْلَ الْجَنَّةِ لَيَتَرَاءَوْنَ أَهْلَ الْغُرَفِ مِنْ فَوْقِهِمْ، كَمَا تَتَرَاءَوْنَ الْكَوْكَبَ الدُّرِّيَّ الْغَابِرَ فِي الْأُفُقِ، مِنَ الْمَشْرِقِ أَوِ الْمَغْرِبِ، لِتَفَاضُلِ مَا بَيْنَهُمْ».

تَخَيَّلْ ذَلِكَ الْقَصْرَ الشَّاهِقَ الَّذِي يَبْدُو لِسُكَّانِ الْجَنَّةِ كَالنَّجْمِ الْبَعِيدِ لِعُلُوِّ مَكَانِهِ وَسُطُوعِ نُورِهِ! وَلَمَّا دُهِشَ الصَّحَابَةُ (رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ) وَظَنُّوا أَنَّ هَذِهِ مَنَازِلُ الْأَنْبِيَاءِ فَقَطْ، طَمْأَنَهُمْ سَيِّدُنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِأَنَّ الطَّرِيقَ مَفْتُوحٌ لِكُلِّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ (عَزَّ وَجَلَّ) وَصَدَّقَ الْمُرْسَلِينَ بِالْعَمَلِ وَالْيَقِينِ.

سَيِّدُنَا رَبِيعَةُ.. وَثَمَنُ الْمُرَافَقَةِ الْعَالِيَةِ

لَمْ يَكُنِ الصَّحَابَةُ يَرْضَوْنَ بِمُجَرَّدِ النَّجَاةِ، بَلْ كَانُوا عُشَّاقًا لِلْقِمَمِ. يُحْكَى أَنَّ سَيِّدَنَا رَبِيعَةَ بْنَ كَعْبٍ الْأَسْلَمِيَّ (رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ) كَانَ يَخْدِمُ سَيِّدَنَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، فَقَالَ لَهُ ﷺ يَوْمًا: «سَلْنِي». فَلَمْ يَطْلُبْ رَبِيعَةُ مَالًا وَلَا دَارًا، بَلْ قَالَ بِيَقِينِ الْمُشْتَاقِ: "أَسْأَلُكَ مُرَافَقَتَكَ فِي الْجَنَّةِ".

فَقَالَ لَهُ ﷺ: «أَوَ غَيْرَ ذَلِكَ؟» -أَيْ هَلْ لَدَيْكَ طَلَبٌ آخَرُ؟- فَقَالَ رَبِيعَةُ: "هُوَ ذَاكَ". فَقَالَ ﷺ: «فَأَعِنِّي عَلَى نَفْسِكَ بِكَثْرَةِ السُّجُودِ». لَقَدْ عَلَّمَنَا ﷺ هُنَا أَنَّ "الْغُرَفَ الْعَالِيَةَ" تُبْنَى بِسَجَدَاتِ الْخَفَاءِ، وَبِتِلْكَ الدُّمُوعِ الَّتِي تَسْقُطُ حِيَالَ جَلَالِ اللَّهِ (عَزَّ وَجَلَّ) فِي جَوْفِ اللَّيْلِ.

أَوْلِيَاءُ الْخَفَاءِ.. نُجُومٌ تَمْشِي عَلَى الْأَرْضِ

إِنَّ الْوُصُولَ إِلَى مَقَامِ "النَّجْمِ" يَتَطَلَّبُ أَنْ تَكُونَ مَجْهُولًا فِي الْأَرْضِ مَعْرُوفًا فِي السَّمَاءِ. كَانَ سَيِّدُنَا عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ -زَيْنُ الْعَابِدِينَ- (رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا) يَحْمِلُ أَحْمَالَ الدَّقِيقِ عَلَى ظَهْرِهِ لَيْلًا وَيُوَزِّعُهَا عَلَى فُقَرَاءِ الْمَدِينَةِ، وَلَا يَعْرِفُهُ أَحَدٌ. فَلَمَّا مَاتَ، وَجَدُوا عَلَى ظَهْرِهِ آثَارًا سَوْدَاءَ مِنْ حَمْلِ الْأَكْيَاسِ، فَعَلِمُوا أَنَّهُ كَانَ "سَاقِي الْمَدِينَةِ" الْخَفِيَّ.

هَذَا هُوَ "فِقْهُ الْغُرُفَاتِ"؛ أَنْ تَجْعَلَ بَيْنَكَ وَبَيْنَ اللَّهِ (عَزَّ وَجَلَّ) خَبِيئَةً لَا يَعْلَمُهَا بَشَرٌ، لِيَجْعَلَ اللَّهُ مَقَامَكَ بَيْنَ الْخَلَائِقِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَالْكَوْكَبِ الدُّرِّيِّ.

رِسَالَةٌ إِلَى الْمُرِيدِينَ: كَيْفَ تَحْجِزُ غُرْفَتَكَ؟

إِنَّ سُكَّانَ تِلْكَ الْغُرَفِ لَمْ يَصِلُوا إِلَيْهَا بِالتَّمَنِّي، بَلْ بِثَلَاثٍ:

1. صِدْقُ الْيَقِينِ: أَنْ تَعْبُدَ اللَّهَ (عَزَّ وَجَلَّ) كَأَنَّكَ تَرَاهُ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ فَإِنَّهُ يَرَاكَ.

2. جَبْرُ الْخَوَاطِرِ الْمُنْكَسِرَةِ فَكُلُّ خَاطِرٍ تَجْبُرُهُ فِي الدُّنْيَا، يَبْنِي اللَّهُ لَكَ بِهِ لَبِنَةً فِي قَصْرِكَ الْمُعَلَّقِ.

3. طَهَارَةُ الصَّدْرِ: فَالْغُرَفُ لَا يَدْخُلُهَا إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ، لَا غِلَّ فِيهِ وَلَا حَسَدَ.

خِتَامًا

يَا مَنْ تَتُوقُ نَفْسُهُ لِلْأَعَالِي، لَا تَرْضَ بِدُونِ نُجُومِ السَّمَاءِ مَقَامًا. اجْعَلْ حَيَاتَكَ رِحْلَةً نَحْوَ تِلْكَ "الْغُرَفِ" الَّتِي وُصِفَتْ بِأَنَّهَا نُورٌ لَامِعٌ، وَتَذَكَّرْ أَنَّ كُلَّ رَكْعَةٍ، وَكُلَّ كَلِمَةٍ طَيِّبَةٍ، وَكُلَّ صَدَقَةٍ خَفِيَّةٍ، هِيَ خُطْوَةٌ تَرْفَعُكَ دَرَجَةً نَحْوَ ذَلِكَ الْأُفُقِ الْبَعِيدِ.

وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ، وَبِاللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ وَالهِدَايَةُ - كَتَبَهُ فَضِيلَةُ الشَّيْخِ أَحْمَدُ إِسْمَاعِيلَ الفَشْنِيُّ.