الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي جَعَلَ الزَّمَانَ خِزَانَةً لِلْأَعْمَالِ، وَشَاهِداً عَلَى مَصَائِرِ الْعِبَاد، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ ﷺ، الَّذِي عَلَّمَنَا أَنَّ الْعُمْرَ لَحْظَةٌ تُغْتَنَمُ، وَأَنَّ الْغَدَ غَيْبٌ لَا يُكْتَمُ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَهْلِ الْهِمَمِ.
أَيُّهَا السَّادَةُ الْكِرَامُ..هَا نَحْنُ نَطْوِي صَفْحَةَ عَامٍ، وَنَنْشُرُ أُخْرَى، وَالزَّمَانُ يَجْرِي بِنَا جَرْياً حَثِيثاً نَحْوَ مَوْعِدٍ لَا خُلْفَ فِيهِ. إِنَّ اسْتِقْبَالَ الْعَامِ الْجَدِيدِ لَيْسَ بِمَحْضِ الِاحْتِفَالِ أَوْ تَبَادُلِ الْأَمَانِيِّ، بَلْ هُوَ "وَقْفَةُ مُحَارِبٍ" يُعِيدُ تَرْتِيبَ أَوْرَاقِهِ لِيَنْجُوَ بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ.
الْمَاضِي.. (دَفْتَرُ الِاعْتِبَارِ): إِنَّ مَنْ مَضَى عَلَيْهِ عَامٌ دُونَ أَنْ يُحَاسِبَ نَفْسَهُ حِسَابَ الشَّرِيكِ لِشَرِيكِهِ، فَقَدْ غَبَنَ نَفْسَهُ.
- رْوَى فِي كِتَابِ "الزُّهْدِ" لِلْإِمَامِ أَحْمَدَ، أَنَّ سَيِّدَنَا الْحَسَنَ الْبَصْرِيَّ (رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ) كَانَ يَقُولُ: "يَا ابْنَ آدَمَ، إِنَّمَا أَنْتَ أَيَّامٌ، كُلَّمَا ذَهَبَ يَوْمٌ ذَهَبَ بَعْضُكَ". وَيُحْكَى أَنَّ سَيِّدَنَا عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ (رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ) كَانَ يَمْشِي فِي اللَّيْلِ وَيَضْرِبُ قَدَمَيْهِ بِالدِّرَّةِ وَيَقُولُ لِنَفْسِهِ: "مَاذَا عَمِلْتِ الْيَوْمَ؟". هَذَا هُوَ الْعُمُقُ الَّذِي نَحْتَاجُهُ؛ أَنْ نُفَتِّشَ فِي نِيَّاتِنَا، وَفِي أَمْوَالِنَا، وَفِي صِلَاتِنَا، قَبْلَ أَنْ تُنْشَرَ الصُّحُفُ.
الْمُسْتَقْبَلُ.. (مِيثَاقُ التَّجْدِيدِ):الْعَامُ الْجَدِيدُ هُوَ "بَعْثٌ" لِلْأَمَلِ. الْوَاجِبُ فِيهِ أَنْ نَضَعَ خُطَّةً لِلرُّوحِ كَمَا نَضَعُ خُطَّةً لِلْأَرْزَاقِ.
- صِدْقِ التَّوَجُّهِ: يُحْكَى أَنَّ عَابِداً مِنَ السَّلَفِ كَانَ يَكْتُبُ فِي بِدَايَةِ كُلِّ عَامٍ: "مَا هِيَ السَّيِّئَةُ الَّتِي سَأَهْجُرُهَا هَذَا الْعَامَ؟ وَمَا هِيَ الطَّاعَةُ الَّتِي سَأَلْتَزِمُهَا؟". فَلَمَّا سُئِلَ: لِمَ لَا تَكْتُبُ كُلَّ شَيْءٍ؟ قَالَ: "الْقَلِيلُ الدَّائِمُ يَبْنِي الْجِبَالَ، وَالْكَثِيرُ الْمُنْقَطِعُ غُبَارٌ تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ".
أَيُّهَا السَّادَةُ الْكِرَامُ، إِنَّ الدَّقَائِقَ الَّتِي تَمُرُّ عَلَيْكَ وَأَنْتَ تَقْرَأُ هَذِهِ الْكَلِمَاتِ لَنْ تَعُودَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، فَاجْعَلْ لَكَ فِي كُلِّ نَفَسٍ طَاعَةً، وَفِي كُلِّ لَحْظَةٍ نِيَّةً.
يَقُولُ الشَّاعِرُ فِي مَعْنَى اغْتِنَامِ الْعُمْرِ:
خَارِطَةُ طَرِيقٍ لِلْعَامِ الْجَدِيدِ:
- جَرْدُ الْمَظَالِمِ: ابْدَأْ عَامَكَ بِتَصْفِيَةِ حِسَابَاتِكَ مَعَ الْخَلْقِ؛ رُدَّ الْحُقُوقَ، وَاعْتَذِرْ عَنِ الْخَطَأِ، وَصِلْ مَنْ قَطَعَكَ.
- خَلْوَةُ الْمُحَاسَبَةِ: خَصِّصْ سَاعَةً وَاحِدَةً لِلتَّأَمُّلِ فِي عَامِكَ الْمَاضِي؛ أَيْنَ تَعَثَّرْتَ؟ وَأَيْنَ أَصَبْتَ؟ وَاجْعَلْ مِنْ تَعَثُّرِكَ دَرْساً لِلنُّهُوضِ.
- عَهْدُ الِاسْتِقَامَةِ: لَا تَكُنْ "مُوسِمِيَّ الطَّاعَةِ"، بَلِ اجْعَلْ هَدَفَكَ هَذَا الْعَامَ هُوَ "الثَّبَاتَ" عَلَى الصَّلَاةِ فِي وَقْتِهَا، وَبِرِّ الْوَالِدَيْنِ، وَطَهَارَةِ اللِّسَانِ.
وَبِاللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ.