صِيَامُ الشَّاشَاتِ: رِحْلَةُ الْقَلْبِ إِلَى رَبِّ السَّمَاوَاتِ
الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي جَعَلَ الصِّيَامَ لِلْأَرْوَاحِ جِلَاءً، وَلِلْقُلُوبِ مِنْ كَدَرِ الدُّنْيَا شِفَاءً، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ، إِمَامِ الذَّاكِرِينَ، وَقُدْوَةِ الْمُتَبَتِّلِينَ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَهْلِ الْيَقِينِ.
أَيُّهَا السَّادَةُ الْكِرَامُ.. إِنَّ رَمَضَانَ مَيْدَانٌ لِتَرْبِيَةِ "الْإِرَادَةِ"
وَالْإِرَادَةُ مَلَكَةٌ لَا تَقْوَى إِلَّا بِالْفِطَامِ؛ فَكَمَا نَفْطِمُ الْأَبْدَانَ عَنِ الطَّعَامِ، وَجَبَ أَنْ نَفْطِمَ الْأَرْوَاحَ عَنْ صَخَبِ الْأَنَامِ. وَفِي زَمَنِنَا هَذَا، صَارَتِ الْهَوَاتِفُ وَالشَّاشَاتُ هِيَ "الْقَاطِعَ" الَّذِي يَسْرِقُ مِنَّا جَمْعِيَّةَ الْقَلْبِ، وَيُحَوِّلُ الْعِبَادَةَ مِنْ "حَالٍ" يُعَاشُ إِلَى "مَظْهَرٍ" يُعْرَضُ. فَالصَّائِمُ الْحَقُّ هُوَ مَنْ صَامَ بَصَرُهُ عَنِ الْفُضُولِ، لِيَبْقَى قَلْبُهُ مَعَ الْحَقِّ فِي قَبُولٍ.
(الْمِيزَانُ النَّبَوِيُّ لِصَوْمِ الْجَوَارِحِ): لَقَدْ نَبَّهَنَا الْمُصْطَفَى ﷺ إِلَى أَنَّ الْعِبْرَةَ بِالثَّمَرَةِ لَا بِالصُّورَةِ، فَقَالَ ﷺ: «رُبَّ صَائِمٍ لَيْسَ لَهُ مِنْ صِيَامِهِ إِلَّا الْجُوعُ» (رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ). وَهَذَا الْجُوعُ الرُّوحِيُّ يَقَعُ حِينَمَا تَمْتَلِئُ الْعَيْنُ بِمَا لَا يَنْفَعُ، فَيَثْقُلُ الْقَلْبُ عَنِ الِارْتِقَاءِ.
إِنَّ الْإِرَادَةَ فِي الْمَنْهَجِ الصَّحِيحِ هِيَ أَنْ تَمْلِكَ جَوَارِحَكَ فَلَا تَمْلِكَكَ، وَأَنْ تَقُودَ هَوَاكَ فَلَا يَقُودَكَ.
قِصَّةُ مِحْرَابِ الدَّمْعِ وَعَدَسَةِ الْهَاتِفِ: يُحْكَى أَنَّ أَحَدَ الصَّالِحِينَ رَأَى شَابًّا فِي لَيْلَةٍ رَمَضَانِيَّةٍ مُبَارَكَةٍ، وَقَدْ تَنَزَّلَتِ الرَّحَمَاتُ، وَارْتَفَعَتْ أَصْوَاتُ الْبُكَاءِ فِي الْمَسْجِدِ، فَإِذَا بِالشَّابِّ يَجْتَهِدُ فِي الْتِقَاطِ "صُورَةٍ" لِنَفْسِهِ وَهُوَ يَبْكِي، ثُمَّ يَنْشَغِلُ بِمُتَابَعَةِ إِعْجَابِ النَّاسِ بِتِلْكَ الدُّمُوعِ! فَدَنَا مِنْهُ الشَّيْخُ وَهَمَسَ فِي أُذُنِهِ: "يَا بُنَيَّ، الدَّمْعَةُ سِرٌّ بَيْنَكَ وَبَيْنَ اللَّهِ، فَإِذَا أَعْلَنْتَهَا لِلْخَلْقِ فَقَدْ جَفَّ مَعْنَاهَا فِي السَّمَاءِ. إِنَّ الصَّدَقَةَ بِالْخُشُوعِ أَخْفَى مِنْ صَدَقَةِ الْمَالِ، فَلَا تَجْعَلْ عَدَسَةَ الْهَاتِفِ حِجَاباً بَيْنَكَ وَبَيْنَ الْقَبُولِ".
(كَيْفَ تُحَقِّقُ "الْعُزْلَةَ الرَّقَمِيَّةَ"؟):
لَيْسَ الْمَقْصُودُ حِرْمَانَ النَّفْسِ مِنَ الِاتِّصَالِ، بَلْ تَحْقِيقُ "الِانْفِصَالِ لِلِاتِّصَالِ":
كَرَمُ الْوَقْتِ لِلَّهِ: أَنْ تَجُودَ بِسَاعَاتِ صَفَائِكَ لِلْمُنَاجَاةِ، بَدَلًا مِنْ تَبْدِيدِهَا فِي "تَصَفُّحٍ" لَا يَنْتَهِي.
إِرَادَةُ الْكَفِّ: أَنْ تَكُفَّ نَفْسَكَ عَنْ تَتَبُّعِ أَخْبَارِ الْعَالَمِ الصَّاخِبَةِ، لِتَسْمَعَ رَسَائِلَ اللَّهِ فِي كِتَابِهِ.
صَوْمُ الْبَصَرِ الرَّقَمِيِّ: فَكُلُّ مَشْهَدٍ تَرَاهُ فِي "الشَّاشَةِ" يَتْرُكُ نُكْتَةً فِي الْقَلْبِ، وَرَمَضَانُ شَهْرُ التَّطْهِيرِ لَا التَّكْدِيرِ.
قِصَّةُ "الْعَارِفِ وَبِضَاعَةِ السَّمَاءِ": يُرْوَى أَنَّ أَحَدَ الْعِبَادِ دَخَلَ عَلَيْهِ صَاحِبُهُ فِي رَمَضَانَ، فَوَجَدَهُ قَدْ أَوْقَفَ جَمِيعَ اتِّصَالَاتِهِ وَاعْتَكَفَ بَيْنَ كُتُبِهِ وَمُصْحَفِهِ، فَقَالَ لَهُ: "أَلَا تَخْشَى أَنْ يَفُوتَكَ مِنَ الدُّنْيَا خَبَرٌ؟". فَنَظَرَ إِلَيْهِ الْعَارِفُ بِسَكِينَةٍ وَقَالَ: "يَا هَذَا، إِنَّ لِي مَعَ اللَّهِ تِجَارَةً تَحْتَاجُ إِلَى صَمْتِ الْأَلْسِنَةِ وَسُكُونِ الْجَوَارِحِ. إِنَّ بِضَاعَةَ السَّمَاءِ لَا تُعْرَضُ فِي سُوقِ الضَّجِيجِ، وَإِنَّمَا تُنَالُ فِي مَحَارِيبِ الْخَلْوَةِ".
نَصَائِحُ لِلْمُرِيدِينَ:
لَا تَكُنْ "مُتَابَعاً" بَلْ كُنْ "مُتَابِعاً" لِقَلْبِكَ: انْظُرْ كَمْ رَحَلَ مِنْ رَمَضَانَ، وَكَمْ رَحَلْتَ أَنْتَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ؟
اجْعَلْ لِهَاتِفِكَ "إِحْرَاماً": كَمَا أَنَّ لِلْحَجِّ إِحْرَاماً، فَاجْعَلْ لِصَلَاتِكَ وَأَوْرَادِكَ إِحْرَاماً تَتْرُكُ فِيهِ كُلَّ مَخِيطٍ رَقَمِيٍّ.
جُودُ "الْمُجَالَسَةِ": كُنْ كَرِيماً مَعَ أَهْلِ بَيْتِكَ بِحُضُورِكَ الْقَلْبِيِّ، فَالْبُخْلُ الْحَقِيقِيُّ هُوَ أَنْ تَجْلِسَ مَعَهُمْ وَجَسَدُكَ عِنْدَهُمْ وَرُوحُكَ خَلْفَ الشَّاشَةِ.
خِتَامًا: يَا أَيُّهَا الْمُسَافِرُ إِلَى اللَّهِ فِي رَمَضَانَ..
اجْعَلْ صِيَامَكَ هَذَا الْعَامَ "مِعْرَاجاً" لِلرُّوحِ، وَطَهِّرْ قَلْبَكَ مِنْ كُلِّ صُورَةٍ لِغَيْرِهِ.
فَاللَّهُمَّ ارْزُقْنَا إِرَادَةً تَقْمَعُ الْهَوَى، وَكَرَماً يَسَعُ الْوَرَى، وَاجْعَلْ رَمَضَانَنَا شُهُوداً لَكَ، لَا لِأَهْلِ الدُّنْيَا.
وَبِاللَّه تَعَالَى التَّوْفِيقُ.