📘 شَرْحُ الْأَرْبَعِينَ النَّوَوِيَّةِ

مجالس متجددة في شرح الأحاديث النبوية — يُحدَّث هذا الكتاب باستمرار
لفضيلة الشيخ أحمد إسماعيل الفشني

التَّعْرِيفُ بِصَاحِبِ الْمَتْنِ (سَيِّدِنَا الْإِمَامُ النَّوَوِيُّ)

أيُّها السادةُ الكرامُ...

نَبدَأُ دَرسَنَا بالتعريفِ بِالإمامِ الذي جَمَعَ لَنَا هذهِ الدُّرَرَ النبويَّةَ في كِتابِهِ "الْأَرْبَعِينَ"، وهوَ سَيِّدُنَا الإمامُ يَحْيَى بْنُ شَرَفِ الدِّينِ النَّوَوِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى.

مَن هُوَ سَيِّدُنَا الْإِمَامُ النَّوَوِيُّ؟

هُوَ شَيخُ العُلَماءِ والمُتَّقِينَ في عَصرِهِ، وُلِدَ سَنَةَ (631هـ) في "نَوَى" بالقُربِ مِنْ دِمَشقَ، وإليها يُنسَبُ. اشْتَهَرَ رَحِمَهُ اللَّهُ بِـ:

  • الْوَرَعِ والزُّهْدِ: كانَ مَضرِبَ المَثَلِ في تَقشُّفِهِ، وعِزوفِهِ عن الدُّنيا، وتَركِ المَلابِسِ الثَّمِينةِ.
  • الرِّحْلَةِ فِي الْعِلْمِ: رَحَلَ سَيِّدُنَا الإمامُ مُبَكِّراً إلى دِمَشقَ، وأَقَامَ بِها مُلازِماً لِشُيوخِها، حتَّى شَهِدَ لَهُ شُيُوخُهُ بالبَراعَةِ والحِفظِ في أَيَّامٍ قَلِيلةٍ.

مُؤَلَّفَاتُهُ الْخَالِدَةُ:

على الرَّغمِ مِنْ قِصَرِ عُمرِهِ (أقل من 46 سنة)، فقد بَارَكَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ في وَقتِهِ، فَخَلَّفَ لَنا مُؤَلَّفَاتٍ هي عُمُدُ الدِّينِ، مِثلَ:

  • شَرْحُ صَحِيحِ مُسْلِمٍ: وهُوَ مِنْ أَعظَمِ شُروحِ الحديثِ.
  • رَوْضَةُ الطَّالِبِينَ: في فِقهِ سَيِّدِنَا الإمامِ الشافِعِيِّ.
  • رِيَاضُ الصَّالِحِينَ: وهوَ كِتابٌ تَرْبَوِيٌّ عظيمٌ في الأخلاقِ والآدابِ.

لِمَاذَا أَلَّفَ "الْأَرْبَعِينَ النَّوَوِيَّةَ"؟

لَمْ يُؤلِّفْ سَيِّدُنَا الإمامُ النَّوَوِيُّ هذا الكِتابَ لِيَجمَعَ أَحاديثَ في فَنٍّ واحِدٍ، بَلْ جَمَعَهَا لِتَكونَ دُسْتُوراً مُخْتَصَراً لِقَوَاعِدِ الدِّينِ. فقد اختارَ الأحاديثَ التي تَمثِّلُ أَسَاساً لِلشَّرِيعَةِ، وَتَدورُ على جَوامِعِ الكَلِمِ لِسَيِّدِنَا رسولِ اللَّهِ ﷺ، حتَّى يَتَسَنَّى لِلعَامَّةِ وَالخَاصَّةِ حِفظُها والفَهمُ عنها، فجَاءَتْ أَحاديثُ الكِتابِ تَتَنازَعُ الأُصولَ كُلَّها: (العَقائِدَ، العِباداتِ، المُعامَلاتِ، الأَخلاقَ).

1. التَّعْرِيفُ بِرُوَاةِ الْحَدِيثِ (أَئِمَّةُ الصِّحَاحِ)

أيُّها السادةُ الكرامُ...

إِنَّ هذا الحديثَ الشريفَ اتَّفَقَ على روايتِهِ أَعْظَمُ إِمَامَيْنِ مِنْ أَئِمَّةِ الحديثِ، وهُما سَيِّدُنَا الإمامُ البُخاريُّ وسَيِّدُنَا الإمامُ مُسلمٌ.

أ. سَيِّدُنَا الْإِمَامُ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ الْبُخَارِيُّ (رَحِمَهُ اللَّهُ)

هُوَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ الجُعفِيُّ، وُلِدَ سَنَةَ (194هـ). كانَ إمامَ الحُفَّاظِ وأَمِيرَ المُؤمِنينَ في الحديثِ. بَدَأَ سَيِّدُنَا الإمامُ رِحْلَتَهُ لِطَلَبِ العِلمِ فِي سِنٍّ مُبَكِّرَةٍ، فَجَابَ الأَقطارَ لِيَجمَعَ الأحاديثَ. إنَّ كِتابَهُ "الجامِعُ الصَّحِيحُ" هو أَصحُّ كِتابٍ بعدَ القُرآنِ الكريمِ، وقد جَعَلَهُ أَوَّلَ حديثٍ في كِتابِهِ، مُعلِناً بذلكَ أنَّ الإخلاصَ والنِّيَّةَ هما مِفتاحُ بَدءِ كُلِّ عَمَلٍ.

ب. سَيِّدُنَا الْإِمَامُ مُسْلِمُ بْنُ الْحَجَّاجِ (رَحِمَهُ اللَّهُ)

هُوَ مُسلِمُ بْنُ الحَجَّاجِ القُشَيْرِيُّ، وُلِدَ سَنَةَ (204هـ). كانَ عالِماً مُدقِّقاً وتِلميذاً مُلازِماً لِـ سَيِّدِنَا الإمامِ البُخاريِّ. اشتُهِرَ مَنهجُهُ في كِتابِهِ "الصَّحِيحُ" بِالدِّقَّةِ في سَردِ طُرُقِ الحديثِ، وهُما مَعاً يُؤَسِّسَانِ لَنَا العَمَلَ الصَّحِيحَ على صِحَّةِ السَّنَدِ وَصِدقِ المَقْصَدِ.

2. التَّعْرِيفُ بِالصَّحَابِيِّ الْجَلِيلِ (رَاوِي الْحَدِيثِ)

رَاوِي هذا الحديثِ الشريفِ هو سَيِّدُنَا عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ.

هُوَ عُمَرُ بْنُ الخَطَّابِ الْقُرَشِيُّ الْعَدَوِيُّ، وَأَسلَمَ في السَّنَةِ الخامِسةِ للبعثةِ، وكانَ إسلامُهُ فَتْحاً وَعِزّاً لِلمُسلمينَ، حتَّى سُمِّيَ "الْفَارُوقَ". كانَ سَيِّدُنَا عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ مِثالاً للقُوَّةِ والشِّدَّةِ في الحَقِّ، والعَدلِ الذي يَشملُ القَرِيبَ والبَعيدَ. وبِمَا أنَّهُ كانَ مِثالاً لِـ صَراحَةِ النِّيَّةِ وَجَلَاءِ المَقصَدِ، كانَ لائِقاً أنْ يَرويَ هذا الحديثَ الذي يَتحدَّثُ عن صِدقِ الباطِنِ.

3. شَرْحُ الْحَدِيثِ (إنَّمَا الأَعمَالُ بِالنِّيَّاتِ)

أ. الْمَعْنَى الْعَامُّ:

هذا الحديثُ هو مِيزَانُ الأَعْمَالِ الْبَاطِنَةِ، فَقَدْ وَضَعَ سَيِّدُنَا رسولُ اللَّهِ ﷺ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قاعِدةً أُصولِيَّةً عُظمَى تَقضِي بِأنَّ صِحَّةَ الأَعْمالِ، ومَقبُولِيَّتَها، وَثَوابَها، مُرْتَبِطَةٌ بِالْقَصْدِ الْبَاطِنِ الَّذِي يَحْمِلُهُ الفاعِلُ.

فَـ "الْأَعْمَالُ" هُنا تَشمَلُ جَمِيعَ أَفعالِنا؛ مِنَ العِباداتِ والمُعامَلاتِ وحتَّى العاداتِ. فَالعَمَلُ الظاهِرُ يَنقَلِبُ إلى مُجَرَّدِ حَرَكاتٍ إِنْ غابَتْ نِيَّةُ التَّعبُّدِ والوُقوفِ بينَ يَدَيِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ. ولهذا قالَ سَيِّدُنَا الإمامُ الشافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: "هَذَا الْحَدِيثُ ثُلُثُ الْعِلْمِ".

ب. سَبَبُ ذِكْرِ سَيِّدِنَا الرَّسُولِ لِلْحَدِيثِ:

يُذكَرُ أنَّ هذا الحديثَ قِيلَ في سِياقِ قِصَّةِ رَجُلٍ هاجَرَ مِنْ مَكَّةَ إلى المَدينةِ، لا طَلَباً لِلأَجرِ الإلهيِّ، بَلْ لِيَتَزَوَّجَ امرأةً تُدعَى "أُمَّ قَيسٍ".

فَـ سَيِّدُنَا رسولُ اللَّهِ ﷺ لَمَّا عَلِمَ ذلكَ، جَاءَ بِهذا الحُكمِ الجامِعِ لِيَضبِطَ المَقصِدَ: فَمَن كَانَتْ هِجرَتُهُ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ فَهِيَ خالِصَةٌ، ومَنْ كَانَتْ لِغَايَةٍ دُنيَويَّةٍ، فَلا يَنالُ مِنَ الآخِرَةِ إلَّا ما نَوَاهُ. فَجاءَ الحَديثُ لِيَضَعَ حاجِزاً إِلهِيّاً بينَ مَقاصِدِ الدُّنيا ومَقاصِدِ الآخِرَةِ.

ج. شَوَاهِدُ الْحَدِيثِ وَقَصَصُ الْيَقِينِ:

هذا المَفهومُ ليسَ مُجرَّدَ فَرعٍ مِنَ الفُروعِ، بَلْ هُوَ أَصلُ الأُصولِ، ويُؤيِّدُهُ واقِعُ الصَّادِقينَ:

  • مِنَ القُرآنِ الكريمِ: قَولُهُ تَعَالَى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ (البينة: 5). فهذهِ الآيةُ تُؤَكِّدُ أنَّ الإخلاصَ (وهو حقيقةُ النِّيَّةِ) شَرطٌ لِصِحَّةِ العِبادَةِ والقَبُولِ.
  • قِصَّةُ سَيِّدِنَا مُعَاذٍ وَنَوْمِهِ: رُوِيَ أَنَّ سَيِّدَنَا مُعَاذَ بْنَ جَبَلٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ كَانَ يَقُولُ: "إِنِّي لَأَحْتَسِبُ نَوْمَتِي كَمَا أَحْتَسِبُ قَوْمَتِي". هذهِ الكَلِمَةُ لِـ سَيِّدِنَا مُعاذٍ مِفتاحٌ عَظيمٌ؛ فَنَومُ الإنسانِ طَبِيعِيٌّ، لكِنْ إذا نَوَى بهِ أَنْ يَقوَى على طاعةِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ بَعدَ الاستيقاظِ، أَصبَحَ نَومُهُ عِبادَةً يُؤجَرُ عليها.
  • قِصَّةُ حَاجَةِ سَيِّدِنَا أَيُّوبَ السَّخْتِيَانِيِّ: كانَ سَيِّدُنَا أَيُّوبُ السَّخْتِيَانِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ إِذا ذَكَرَ الحديثَ، وَخَافَ أَنْ يُظهِرَ بَعضُ دُموعِهِ الرِّيَاءَ، كانَ يَمْسَحُ أنْفَهُ بِعُنْفٍ وَيَقُولُ: مَا أَشَدَّ الزُّكَامَ! فيُوهِمُ جُلَساءَهُ أَنَّ بُكاءَهُ لِعِلَّةٍ جَسَدِيَّةٍ، لَا لِتَأثُّرٍ روحِيٍّ، خَشْيَةَ أَنْ تَفسُدَ نِيَّتُهُ. وهذا دَليلٌ على أَنَّ أَهْلَ البَصَائِرِ يُعالِجونَ النِّيَّةَ ويُخفُونَها.

د. مَا يُسْتَفَادُ مِنَ الْحَدِيثِ:

هذا الحديثُ هو مَنهجُ تَهذيبٍ لِلقَلبِ، ويُمكنُ أَنْ نَستَخلِصَ منهُ العِبَرَ التاليةَ:

  • الإِخْلَاصُ رُوحُ الْعِبَادَةِ: الأَساسُ ليسَ في كَمِّ العملِ، بَلْ في صِفَتِهِ وقَصدِهِ. فَرُبَّ عَمَلٍ صَغِيرٍ تُعظِّمُهُ النِّيَّةُ، ورُبَّ عَمَلٍ كَبِيرٍ تُصَغِّرُهُ النِّيَّةُ.
  • تَحْوِيلُ الْعَادَاتِ إِلَى عِبَادَاتٍ: يُمكِنُ للمُسلِمِ أَنْ يُحوِّلَ أَفعالَهُ المُباحَةَ إلى طاعاتٍ، بِمُجرَّدِ أَنْ يَقْصِدَ بِها التَّقَوِّيَ على طاعةِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ.
  • مَنْزِلَةُ أَهْلِ الْبَصَائِرِ: النِّيَّةُ الصَّادِقةُ تُبلِغُ صاحِبَها مَنازِلَ الأَبرارِ حتَّى إِنْ حَالَ بينَهُ وبينَ العَمَلِ عُذرٌ، لِقولِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "إِذَا مَرِضَ الْعَبْدُ أَوْ سَافَرَ، كُتِبَ لَهُ مِثْلُ مَا كَانَ يَعْمَلُ مُقِيمًا صَحِيحًا" (رواهُ البخاريُّ).
  • تَرْبِيَةُ الْقَلْبِ: يُعَلِّمُنا الحديثُ أَنَّ الأَولوِيَّةَ في المُحاسَبَةِ يَجِبُ أَنْ تَكونَ لِتَنقِيَةِ البَاطِنِ قبلَ تَزْيِينِ الظاهِرِ، فَهذا هُوَ مِفتاحُ الوُصولِ إلى اللَّهِ.

المَجْلِسُ الثَّانِي: شَرْحُ حَدِيثِ جِبْرِيلَ (أُمُّ السُّنَّةِ)

الموضوع: مراتب الدين (الإسلام، الإيمان، الإحسان).

عَنْ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ أقَال : بَيْنَمَا نَحْنُ جُلُوْسٌ عِنْدَ رَسُولِ اللهِ ذَاتَ يَوْمٍ إَذْ طَلَعَ عَلَيْناَ رَجُلٌ شَدِيْدُ بَيَاضِ الثّياب شَدِيْدُ سَوَادِ الشَّعْرِ لاَ يُرَى عَلَيهِ أَثَرُ السَّفَرِ وَلاَ يَعْرِفُهُ مِنا أحَدٌ حَتى جَلَسَ إلَى النبِي فَأَسْنَدَ رُكْبَتَيْهِ إلَى رُكْبَتَيْهِ وَوَضَعَ كَفيْهِ عَلَى فَخِذِيْهِ وَقَالَ : يَا مُحَمَّدُ أَخْبِرْنِي عَنِ الإِسْلاَم ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " الإِسْلاَمُ أَنْ تَشْهَدَ أَنْ لاَ إلَه إلاَّ اللهُ وَأَنَّ مُحَمَّدَاً رَسُولُ الله ، وَتُقِيْمَ الصَّلاَة ، وَتُؤْتِيَ الزَّكَاةَ ، وَتَصُوْمَ رَمَضَانَ ، وَتَحُجَّ البيْتَ إِنِ اِسْتَطَعتَ إِليْهِ سَبِيْلاً " قَالَ: صَدَقْتَ. فَعجِبْنَا لَهُ يَسْأَلُهُ وَيُصَدِّقُهُ، قَالَ: فَأَخْبِرِنيْ عَنِ الإِيْمَانِ، قَالَ: " أَنْ تُؤمِنَ بِالله، وَمَلاِئكَتِه، وَكُتُبِهِ ، وَرُسُلِهِ ، وَالْيَومِ الآَخِر ، وَتُؤْمِنَ بِالقَدَرِ خَيْرِهِ وَشَرِّهِ " قَالَ: صَدَقْتَ، قَالَ فَأخْبِرْنِيْ عَنِ الإِحْسَانِ، قَالَ: " أَنْ تَعْبُدَ اللهَ كَأَنَكَ تَرَاهُ، فَإِنْ لمْ تَكُنْ تَرَاهُ فَإِنَّهُ يَرَاكَ " . قَالَ: فَأَخْبِرْنِي عَنِ السَّاعَةِ ، قَالَ : " مَا الْمَسئُوُلُ عَنْهَا بِأَعْلَمَ مِنَ السَّائِلِ " قَالَ : فَأخْبِرْنِيْ عَنْ أَمَارَاتِها ، قَالَ : " أَنْ تَلِدَ الأَمَةُ رَبَّتَهَا ، وَأَنْ تَرى الحُفَاةَ العُرَاةَ العَالَةَ رِعَاءَ الشَّاءِ يَتَطَاوَلُوْنَ فِي البُنْيَانِ " ثْمَّ انْطَلَقَ فَلَبِثتُ مَلِيَّاً ثُمَّ قَالَ : " يَا عُمَرُ أَتَدْرِي مَنِ السَّائِلُ؟ " قُلْتُ اللهُ وَرَسُوله أَعْلَمُ قَالَ : " فَإِنَّهُ جِبْرِيْلُ أَتَاكُمْ يُعَلَّمُكُمْ دِيْنَكُمْ " .رواه مسلم

أولاً: مُقَدِّمَةُ التَّشْوِيقِ (الدُّخُولُ فِي الْمَشْهَدِ)

(ابدأ المجلس برسم المشهد للناس وكأنهم يرونه)

"تخيلوا يا كرام أننا الآن جلوسٌ في مسجد النبي ﷺ، الصحابة هادئون، والنور يملأ المكان، وفجأة! يدخل "رجل غريب" لا يشبه أهل المدينة، ولا يشبه المسافرين!

يقول عمر بن الخطاب واصفاً المشهد بدقة مذهلة:

  • شَدِيدُ بَيَاضِ الثِّيَابِ: ليس عليها غبار السفر.
  • شَدِيدُ سَوَادِ الشَّعْرِ: ليس شعثاً ولا مُغبراً.
  • لَا يُرَى عَلَيْهِ أَثَرُ السَّفَرِ: (فكيف جاء من الصحراء نظيفاً هكذا؟).
  • وَلَا يَعْرِفُهُ مِنَّا أَحَدٌ: (إذن هو ليس من أهل المدينة!).

هذا الغموض جعل الصحابة يشرئبون بأعناقهم.. من هذا؟

ثم يفعل العجب: يجلس أمام النبي ﷺ، ويُسند ركبتيه إلى ركبتي النبي (لشدة القرب)، ويضع كفيه على فخذيه (جلسة المتعلم المتأدب).. ويبدأ الحوار الذي لخص الدين كله."

ثانياً: الوَقْفَاتُ وَالدُّرُوسُ (مَعَ القِصَصِ)

الوَقْفَةُ الأُولَى: أَدَبُ طَالِبِ العِلْمِ

  • الشرح: هذا الرجل (جبريل) علمنا "الإتيكيت" قبل "العلم". جاء نظيفاً، متعطراً (بياض الثياب)، وجلس قريباً، وسأل بأدب.
  • فائدة: العلم لا يُنال براحة الجسم، ولا بسوء الأدب. "من لم يحترم المجلس، حُرم الفائدة".

الوَقْفَةُ الثَّانِيَةُ: الإِسْلَامُ (البِنَاءُ الظَّاهِرُ)

  • الشرح: سأله عن الإسلام، فأجابه النبي ﷺ بالأركان الخمسة العملية (الشهادتان، الصلاة، الزكاة، الصوم، الحج).
  • الغرابة: عندما أجاب النبي، قال له السائل: "صَدَقْتَ".

فعجب الصحابة! (كيف يسأله كأنه جاهل، ثم يصدقه كأنه عالم؟!). هذا زاد من غموض الشخصية، وجعل الانتباه في ذروته.

الوَقْفَةُ الثَّالِثَةُ: الإِيمَانُ (البِنَاءُ البَاطِنُ) وَقِصَّةُ ابْنِ عُمَرَ

  • الشرح: الإيمان محله القلب (أن تؤمن بالله.. والقدر خيره وشره).
  • قصة عن أهمية الإيمان بالقدر (سبب رواية الحديث):

أصل هذا الحديث رواه عبد الله بن عمر لما جاءه رجلان من العراق وقالا له: "يا أبا عبد الرحمن، إنه قد ظهر قِبَلَنَا ناس يقرؤون القرآن.. ويزعمون ألا قَدَرَ، وأن الأمر أُنُف (أي يحدث صدفة دون تقدير سابق)".

فغضب ابن عمر وقال: "إذا لقيت أولئك فأخبرهم أني بريء منهم، وأنهم برآء مني، والذي يحلف به عبد الله بن عمر، لو أن لأحدهم مثل أحد ذهباً فأنفقه ما قبل الله منه حتى يؤمن بالقدر". ثم ساق هذا الحديث [صحيح مسلم: 1].

(هذا يوضح للجمهور أن الإيمان بالقدر ركن ركين، لا يقبل العمل بدونه).

الوَقْفَةُ الرَّابِعَةُ: الإِحْسَانُ (لُبُّ الدِّينِ) وَقِصَّةُ الرَّاعِي

  • الشرح: "أن تعبد الله كأنك تراه..". هذه هي المراقبة (الكاميرا الإلهية التي لا تنطفئ).
  • قصة مشوقة (الراعي الأمين):

مر عبد الله بن عمر (راوي الحديث) براعٍ للغنم، فأراد أن يختبر "إحسانه".

قال له: "بعني شاة من هذه الغنم".

قال الراعي: "إني مملوك (عبد) والغنم لسيدي".

قال ابن عمر (مختبراً): "قل لسيدك أكلها الذئب".

فنظر الراعي للسماء وقال كلمة هزت ابن عمر: "فَأَيْنَ اللَّهُ؟".

بكى ابن عمر، وذهب لسيده فاشترى الراعي وأعتقه، وقال له: "كلمة أعتقتك في الدنيا، وأرجو أن تعتقك يوم القيامة".

[رواها البيهقي في شعب الإيمان، وصححها الألباني في السلسلة الصحيحة: 3161].

(هذا هو معنى الإحسان: أن تخاف الله في الخلوة).

الوَقْفَةُ الخَامِسَةُ: السَّاعَةُ وَعَلَامَاتُهَا (انْقِلَابُ الموَازِينِ)

  • الشرح:
  • متى الساعة؟ "ما المسؤول عنها بأعلم من السائل". (لا يعلمها إلا الله، حتى جبريل ومحمد لا يعلمانها).
  • أماراتها:
  • أن تلد الأمة ربتها: (إشارة لكثرة العقوق، البنت تعامل أمها كأنها خادمة، أو كثرة الفتوحات والتسري).
  • الحفاة العراة يتطاولون في البنيان: (الفقراء تنفتح عليهم الدنيا فجأة فيتنافسون في الأبراج والعمارات). ونحن نرى هذا بأعيننا اليوم!

ثالثاً: الخَاتِمَةُ (المُفَاجَأَةُ)

بعد أن انصرف الرجل، سكت النبي ﷺ قليلاً (لِيُمَكِّنَ المشهد من نفوسهم)، ثم سأل عمر: "أتدري من السائل؟".

قال: "الله ورسوله أعلم".

قال: "فَإِنَّهُ جِبْرِيلُ، أَتَاكُمْ يُعَلِّمُكُمْ دِينَكُمْ".

الدروس المستفادة (لتختم بها المجلس):

  • الدين مراتب: ابدأ بالإسلام (العمل)، لترتقي للإيمان (القلب)، لتصل للإحسان (المراقبة).
  • السؤال مفتاح العلم: جبريل سأل ليعلمنا، فلا تخجل من السؤال عما لا تعرف.
  • التواضع: النبي ﷺ قال "لا أدري" في موعد الساعة، ومن قال لا أدري فقد أفتى.

مَجْلِسُ شَرْحِ الأَرْبَعِينَ النَّوَوِيَّةِ

(الحَدِيثُ الرَّابِعُ: رِحْلَةُ الخَلْقِ.. وَخَطَرُ النِّهَايَاتِ)

الافْتِتَاحِيَّةُ:

"الحَمْدُ للهِ الَّذِي خَلَقَ الإِنْسَانَ مِنْ طِينٍ، وَجَعَلَهُ فِي قَرَارٍ مَكِينٍ، وَكَتَبَ الآجَالَ وَالأَرْزَاقَ وَهُوَ العَلِيمُ الخَبِيرُ. وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ الصَّادِقِ المَصْدُوقِ، الَّذِي لَا يَنْطِقُ عَنِ الهَوَى، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَمَنِ اهْتَدَى".

أَوَّلًا: التَّعْرِيفُ بِالرَّاوِي (عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْعُودٍ)

مَنْ هُوَ؟

هُوَ حَبْرُ الأُمَّةِ، وَصَاحِبُ سِوَاكِ رَسُولِ اللهِ ﷺ وَنَعْلَيْهِ، سَادِسُ سِتَّةٍ فِي الإِسْلَامِ (أَيْ كَانَ سَادِسَ شَخْصٍ يَدْخُلُ الإِسْلَامَ عَلَى وَجْهِ الأَرْضِ). هُوَ أَوَّلُ مَنْ جَهَرَ بِالقُرْآنِ فِي مَكَّةَ أَمَامَ الكُفَّارِ، وَهُوَ الَّذِي قَالَ عَنْهُ النَّبِيُّ ﷺ: "مَنْ أَحَبَّ أَنْ يَقْرَأَ القُرْآنَ غَضًّا كَمَا أُنْزِلَ، فَلْيَقْرَأْهُ عَلَى قِرَاءَةِ ابْنِ أُمِّ عَبْدٍ".

قِصَّةٌ عَنْهُ (المِيزَانُ الحَقِيقِيُّ):

كَانَ ابْنُ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ نَحِيفَ الجِسْمِ، دَقِيقَ السَّاقَيْنِ.

ذَاتَ يَوْمٍ صَعِدَ شَجَرَةَ أَرَاكٍ لِيَجْتَنِيَ سِوَاكًا لِرَسُولِ اللهِ ﷺ، فَحَرَّكَتِ الرِّيحُ الشَّجَرَةَ فَانْكَشَفَتْ سَاقَاهُ لِدِقَّتِهِمَا، فَضَحِكَ بَعْضُ الصَّحَابَةِ مِنْ دِقَّةِ سَاقَيْهِ.

فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ مُعَلِّمًا وَرَافِعًا لِقَدْرِهِ: "مِمَّ تَضْحَكُونَ؟ وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَهُمَا فِي الْمِيزَانِ أَثْقَلُ مِنْ أُحُدٍ".

(نَأْخُذُ مِنْهَا عِبْرَةً: أَنَّ العِبْرَةَ عِنْدَ اللهِ لَيْسَتْ بِالأَجْسَامِ وَلَا بِالظَّوَاهِرِ، وَإِنَّمَا بِحَقَائِقِ الإِيمَانِ، وَهَذَا يُنَاسِبُ مَوْضُوعَ حَدِيثِنَا عَنِ الخَوَاتِيمِ).

ثَانِيًا: شَرْحُ الحَدِيثِ التَّفْصِيلِيُّ

1. لِمَاذَا قَدَّمَ بـ "الصَّادِقُ المَصْدُوقُ"؟

قَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: "حَدَّثَنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ وَهُوَ الصَّادِقُ المَصْدُوقُ".

  • الصَّادِقُ: فِي قَوْلِهِ، فَلَا يَكْذِبُ أَبَدًا.
  • المَصْدُوقُ: فِيمَا يَأْتِيهِ مِنَ الوَحْيِ (صَدَقَهُ جِبْرِيلُ وَصَدَّقَهُ رَبُّ العِزَّةِ).

قَدَّمَ بِهَذِهِ العِبَارَةِ لِأَنَّ الحَدِيثَ يَتَحَدَّثُ عَنْ "الغَيْبِ" (مَا يَحْدُثُ فِي بَطْنِ الأُمِّ، وَمَا كُتِبَ فِي اللَّوْحِ المَحْفُوظِ)، وَهَذِهِ أُمُورٌ لَا تُدْرَكُ بِالعَقْلِ وَلَا بِالعَيْنِ فِي زَمَنِهِمْ، فَنَحْنُ نُصَدِّقُهَا لِأَنَّ قَائِلَهَا هُوَ رَسُولُ اللهِ.

2. مَرَاحِلُ التَّكْوِينِ (رِحْلَةُ الإِنْسَانِ):

  • 40 يَوْمًا نُطْفَةً: يَكُونُ الجَنِينُ مَاءً يَجْمَعُهُ اللهُ فِي الرَّحِمِ.
  • 40 يَوْمًا عَلَقَةً: يَتَحَوَّلُ إِلَى قِطْعَةِ دَمٍ جَامِدَةٍ تَعْلَقُ بِجِدَارِ الرَّحِمِ (لِذَلِكَ سُمِّيَتْ عَلَقَة).
  • 40 يَوْمًا مُضْغَةً: يَتَحَوَّلُ إِلَى قِطْعَةِ لَحْمٍ صَغِيرَةٍ بِقَدْرِ مَا يَمْضُغُهُ الإِنْسَانُ.

(الإِجْمَالِيُّ 120 يَوْمًا = 4 أَشْهُرٍ).

  • نَفْخُ الرُّوحِ: بَعْدَ الأَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ، يُرْسَلُ المَلَكُ فَيَنْفُخُ فِيهِ الرُّوحَ، وَهُنَا يَصِيرُ إِنْسَانًا كَامِلًا، وَلِذَلِكَ أَجْمَعَ العُلَمَاءُ عَلَى تَحْرِيمِ الإِجْهَاضِ بَعْدَ هَذِهِ المُدَّةِ لِأَنَّهُ قَتْلٌ لِنَفْسٍ.

3. كِتَابَةُ المَقَادِيرِ (دُسْتُورُ العُمُرِ):

يُؤْمَرُ المَلَكُ بِكِتَابَةِ أَرْبَعِ كَلِمَاتٍ لَا تَتَبَدَّلُ:

  • رِزْقُهُ: كَمْ سَيَأْكُلُ، وَكَمْ سَيَمْلِكُ. (فَاطْمَئِنَّ، لَنْ تَمُوتَ نَفْسٌ حَتَّى تَسْتَوْفِيَ رِزْقَهَا).
  • أَجَلُهُ: مَتَى سَيَمُوتُ، وَبِأَيِّ أَرْضٍ.
  • عَمَلُهُ: مَاذَا سَيَفْعَلُ فِي حَيَاتِهِ.
  • شَقِيٌّ أَمْ سَعِيدٌ: هَلْ هُوَ مِنْ أَهْلِ الجَنَّةِ أَمْ مِنْ أَهْلِ النَّارِ.

(تَنْبِيهٌ عَقَدِيٌّ: كِتَابَةُ اللهِ هِيَ كِتَابَةُ "عِلْمٍ" وَلَيْسَتْ كِتَابَةُ "إِجْبَارٍ". اللهُ يَعْلَمُ مَاذَا سَتَخْتَارُ أَنْتَ بِإِرَادَتِكَ، فَكَتَبَ مَا سَتَفْعَلُهُ، وَلَمْ يُجْبِرْكَ عَلَيْهِ).

4. المُفَاجَأَةُ الكُبْرَى (الخَوَاتِيمُ):

"فَوَاللهِ الَّذِي لَا إِلَهَ غَيْرُهُ إِنَّ أَحَدَكُمْ لَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ الجَنَّةِ حَتَّى مَا يَكُونَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا إِلَّا ذِرَاعٌ فَيَسْبِقُ عَلَيْهِ الكِتَابُ فَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ النَّارِ فَيَدْخُلُهَا...".

هَذَا هُوَ الجُزْءُ الَّذِي كَانَ يُطَيِّرُ النَّوْمَ مِنْ أَعْيُنِ الصَّالِحِينَ. كَيْفَ يَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ الجَنَّةِ ثُمَّ يَنْتَكِسُ؟!

جَاءَ فِي رِوَايَةٍ أُخْرَى تُفَسِّرُ هَذَا: "إِنَّ الرَّجُلَ لَيَعْمَلُ عَمَلَ أَهْلِ الْجَنَّةِ فِيمَا يَبْدُو لِلنَّاسِ".

أَيْ أَنَّ ظَاهِرَهُ صَلَاحٌ، وَلَكِنَّ بَاطِنَهُ فِيهِ آفَةٌ (رِيَاءٌ، عُجْبٌ، نِفَاقٌ خَفِيٌّ)، فَلَمَّا دَنَا المَوْتُ غَلَبَ البَاطِنُ الفَاسِدُ عَلَى الظَّاهِرِ الصَّالِحِ، فَخُتِمَ لَهُ بِالسُّوءِ.

وَالعَكْسُ صَحِيحٌ: قَدْ يَكُونُ الرَّجُلُ مُسْرِفًا عَلَى نَفْسِهِ، لَكِنَّ فِي قَلْبِهِ صِدْقٌ وَانْكِسَارٌ للهِ (خَبِيئَةُ خَيْرٍ)، فَيُوَفِّقُهُ اللهُ لِتَوْبَةٍ قَبْلَ مَوْتِهِ فَيَدْخُلُ الجَنَّةَ.

ثَالِثًا: مَوْقِفٌ يُوَضِّحُ المَعْنَى (قِصَّةُ قُزْمَان)

فِي غَزْوَةِ أُحُدٍ، كَانَ هُنَاكَ رَجُلٌ يُدْعَى "قُزْمَانُ"، قَاتَلَ مَعَ المُسْلِمِينَ قِتَالًا شَدِيدًا، حَتَّى قَالَ الصَّحَابَةُ: "مَا أَجْزَأَ عَنَّا أَحَدٌ كَمَا أَجْزَأَ فُلَانٌ".

فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: "أَمَا إِنَّهُ مِنْ أَهْلِ النَّارِ".

تَعَجَّبَ الصَّحَابَةُ! كَيْفَ وَهُوَ يُقَاتِلُ المُشْرِكِينَ؟!

فَرَاقَبَهُ أَحَدُ الصَّحَابَةِ، فَوَجَدَهُ حِينَ اشْتَدَّتْ بِهِ الجِرَاحُ وَالآلَامُ، لَمْ يَصْبِرْ، فَأَخَذَ سَيْفَهُ وَوَضَعَهُ بَيْنَ ثَدْيَيْهِ وَتَحَامَلَ عَلَيْهِ فَقَتَلَ نَفْسَهُ (انْتَحَرَ جَزَعًا لَا شَهَادَةً).

فَصَدَقَ قَوْلُ رَسُولِ اللهِ ﷺ. ظَاهِرُهُ كَانَ "جِهَادًا"، وَلَكِنَّ خَاتِمَتَهُ كَشَفَتْ حَقِيقَتَهُ.

رَابِعًا: الدُّرُوسُ المُسْتَفَادَةُ وَالرِّسَالَةُ العَمَلِيَّةُ

  • عَدَمُ الاغْتِرَارِ بِالعَمَلِ: لَا تَقُلْ "أَنَا صَلَّيْتُ وَصُمْتُ"، بَلْ قُلْ: "يَا رَبِّ تَقَبَّلْ وَثَبِّتْ". فَالْعِبْرَةُ بِالخَوَاتِيمِ لَا بِالبِدَايَاتِ.
  • أَهَمِّيَّةُ إِصْلَاحِ السَّرِيرَةِ: اللهُ يَنْظُرُ إِلَى قَلْبِكَ قَبْلَ عَمَلِكَ. حَافِظْ عَلَى "خَبِيئَةٍ صَالِحَةٍ" بَيْنَكَ وَبَيْنَ اللهِ لِتَنْفَعَكَ عِنْدَ الخِتَامِ.
  • عَدَمُ الحُكْمِ عَلَى النَّاسِ: لَا تَحْكُمَ عَلَى عَاصٍ بِأَنَّهُ مِنْ أَهْلِ النَّارِ، فَرُبَّمَا يَسْبِقُ عَلَيْهِ الكِتَابُ فَيَتُوبُ، وَلَا تَحْكُمَ لِنَفْسِكَ بِضَمَانِ الجَنَّةِ.
  • الاطْمِئْنَانُ عَلَى الرِّزْقِ: رِزْقُكَ مَقْسُومٌ وَأَنْتَ فِي بَطْنِ أُمِّكَ، فَلَا تَطْلُبْهُ بِمَعْصِيَةِ اللهِ، فَإِنَّ مَا عِنْدَ اللهِ لَا يُنَالُ إِلَّا بِطَاعَتِهِ.

الخَاتِمَةُ وَالدُّعَاءُ

"أَيُّهَا الأَحِبَّةُ، إِنَّ القُلُوبَ بَيْنَ إِصْبَعَيْنِ مِنْ أَصَابِعِ الرَّحْمَنِ يُقَلِّبُهَا كَيْفَ يَشَاءُ. وَقَدْ كَانَ أَكْثَرُ دُعَاءِ النَّبِيِّ ﷺ: (يَا مُقَلِّبَ القُلُوبِ ثَبِّتْ قَلْبِي عَلَى دِينِكَ).

اللَّهُمَّ يَا رَبَّ الأَرْبَابِ، يَا مُسَبِّبَ الأَسْبَابِ، نَسْأَلُكَ حُسْنَ الخَاتِمَةِ.

اللَّهُمَّ اجْعَلْ خَيْرَ أَعْمَالِنَا خَوَاتِيمَهَا، وَخَيْرَ أَيَّامِنَا يَوْمَ نَلْقَاكَ.

اللَّهُمَّ طَهِّرْ سَرَائِرَنَا مِنْ كُلِّ مَا لَا يُرْضِيكَ، وَاجْعَلْ بَوَاطِنَنَا خَيْرًا مِنْ ظَوَاهِرِنَا.

الدرس الرابع : "حراسة العبادة وفهم الاتباع"

من سلسلة شرح الأربعين النووية

بقلم فضيلة الشيخ أحمد إسماعيل الفشني

أولاً: نص الحديث وتوثيقه

  • عن أم المؤمنين عائشة -رضي الله عنها- قالت: قال رسول الله ﷺ: «مَنْ أَحْدَثَ فِي أَمْرِنَا هَذَا مَا لَيْسَ مِنْهُ فَهُوَ رَدٌّ».
  • تخريجه: أخرجه الإمام البخاري في "صحيحه" (كتاب الصلح)، والإمام مسلم في "صحيحه" (كتاب الأقضية).
  • قيمة الحديث: يقول الإمام النووي -رحمه الله-: "هذا الحديث قاعدة عظيمة من قواعد الإسلام، وهو من جوامع كلمه ﷺ".

ثانياً: شرح الحديث في نقاط مركزة

  • الدين أمانة ومكتمل: الله سبحانه قال: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ}؛ لذا لا يحتاج الدين لزيادة في أصوله أو فرائضه.
  • ميزان القبول: العمل لكي يقبله الله يحتاج لشرطين: "الإخلاص" (ميزانه حديث النيات)، و"المتابعة للشرع" (ميزانه هذا الحديث).
  • معنى "الرد": أي أن العمل غير مقبول، وصاحبه لا يُثاب عليه إذا كان مخالفاً لأصل الشرع.
  • الفرق بين "أصل العبادة" و"الذكر": * أصل العبادة: (كالصلاة والحج) هي "توقيفية" لا يجوز التغيير في هيئتها أو عددها (مثلاً: زيادة ركعة في الفجر).
  • باب الأذكار والأوراد: باب واسع ومفتوح؛ فمن زاد في الصلاة على النبي ﷺ أو ذكر الله بأوراد لم تخالف الشرع، فهو داخل في عموم قوله تعالى: {اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا}.

ثالثاً: قصص ومواقف من حياة السلف والصحابة

  • موقف سيدنا بلال وركعتي الوضوء: سأل النبي ﷺ بلالاً: «يا بلال، حدثني بأرجى عمل عملته في الإسلام؛ فإني سمعت دف نعليك بين يدي في الجنة». قال بلال: "ما توضأت ساعة من ليل أو نهار إلا صليت ما كُتب لي أن أصلي".
  • الشاهد: سيدنا بلال استنّ لنفسه "قربة" (صلاة بعد كل وضوء) لم يأتِ فيها أمر بخصوصها، فأقره النبي ﷺ ولم يقل له هذه بدعة؛ لأن أصل الصلاة مشروع. (رواه البخاري ومسلم).
  • موقف الصحابي في الرفع من الركوع:

كان الصحابة يصلون خلف النبي ﷺ، فلما رفع من الركوع قال رجل: "ربنا ولك الحمد حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه". فلما انصرف النبي قال: «من المتكلم؟» قال الرجل: أنا. فقال ﷺ: «رأيت بضعة وثلاثين ملكاً يبتدرونها أيهم يكتبها أولاً».

  • الشاهد: زاد الصحابي في "الذكر" بما يوافق تعظيم الله، فكان مقبولاً ومباركاً. (رواه البخاري).
  • الإمام مالك والرجل الذي أراد الإحرام من المسجد:

جاء رجل للإمام مالك وقال: "أريد أن أحرم من المسجد النبوي (بدل الميقات)". فقال له الإمام: "لا تفعل، إني أخشى عليك الفتنة". قال الرجل: "وأي فتنة في زيادة أميال؟". قال الإمام: "وأي فتنة أعظم من أن ترى أنك سبقت إلى فضيلة قصر عنها رسول الله ﷺ؟! إني سمعت الله يقول: {فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ}". (رواه الخطيب البغدادي في الفقيه والمتفقه).

رابعاً: تطبيقات عملية للمصلين (منهجنا في الفهم)

  • الاتباع هو الحب: الحب الحقيقي للنبي ﷺ ليس بالادعاء، بل بأن نفعل كما فعل، وأن نلتزم بحدود ما رسم لنا من فرائض.
  • سعة الذكر: لا تضيقوا على الناس في أذكارهم وأورادهم وصيغ صلواتهم على النبي ﷺ طالما أنها لا تخالف عقيدة ولا تشرع حكماً جديداً في أصل الدين.
  • الفرق بين "الوسيلة" و"العبادة": استخدام المسبحة، أو الاجتماع على ذكر الله، أو استخدام التقنيات الحديثة في الدعوة، هي "وسائل" مشروعة تعين على العبادة، وليست "إحداثاً" في أصل الدين المذموم.

خاتمة ودعاء

"اللهم إنا نسألك فقهاً في الدين، وحبّاً في اتباع سيد المرسلين. اللهم اجعل أعمالنا كلها صالحة، ولوجهك خالصة، ولا تجعل لأحد غيرك فيها نصيباً."