الحَمْدُ للهِ الَّذِي لَمْ يَشْغَلْهُ شَأْنٌ عَنْ شَأْنٍ، وَلَمْ يَمْنَعْهُ عَنْ سَمَاعِ الأَصْوَاتِ اخْتِلَافُ اللُّغَاتِ، وَجَعَلَ ذِكْرَهُ حِصْنًا لِعِبَادِهِ المُؤْمِنِينَ. وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى إِمَامِ الذَّاكِرِينَ، سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.
أَيُّهَا السَّادَةُ الكِرَامُ: إِنَّ الإِنْسَانَ فِي هَذِهِ الدُّنْيَا مُسَافِرٌ، وَالأَخْطَارُ حَوْلَهُ كَثِيرَةٌ، وَلَيْسَ لَهُ حِصْنٌ يَأْوِي إِلَيْهِ أَقْوَى مِنْ "ذِكْرِ اللهِ".
إِنَّ الذِّكْرَ لَيْسَ مُجَرَّدَ كَلِمَاتٍ، بَلْ هُوَ الفَاصِلُ بَيْنَ الحَيَاةِ وَالمَوْتِ. أَلَمْ يَقُلِ الصَّادِقُ المَصْدُوقُ ﷺ:
فَالغَافِلُ -وَإِنْ مَشَى عَلَى الأَرْضِ- هُوَ فِي حُكْمِ الأَمْوَاتِ رُوحِيًّا، أَمَّا الذَّاكِرُ فَهُوَ الحَيُّ وَلَوْ وَارَاهُ التُّرَابُ.
فِي هَذِهِ الصَّفَحَاتِ، نَبْحَثُ فِي كُنُوزِ السُّنَّةِ الصَّحِيحَةِ، لِنُؤَسِّسَ لِأَنْفُسِنَا حِصْنًا مِنَ الذِّكْرِ يَكُونُ لَنَا نُورًا فِي الدُّنْيَا وَذُخْرًا فِي الآخِرَةِ.
أَيُّهَا المُحِبُّ لِرَبِّهِ: إِذَا أَرَدْتَ أَنْ تَعْرِفَ مَقَامَكَ عِنْدَ اللهِ، فَانْظُرْ فِيمَا أَقَامَكَ. فَإِذَا أَقَامَكَ فِي الذِّكْرِ، فَقَدْ أَعْطَاكَ مَنْشُورَ الوَلَايَةِ.
كُلُّ العِبَادَاتِ لَهَا أَوْقَاتٌ مُحَدَّدَةٌ، إِلَّا الذِّكْرَ، فَقَدْ أَمَرَ اللهُ بِهِ بِلَا حَدٍّ. قَالَ تَعَالَى:
يَكْفِي فِي فَضْلِ الذِّكْرِ قَوْلُهُ تَعَالَى:
وَفِي الحَدِيثِ القُدْسِيِّ الصَّحِيحِ، يَقُولُ اللهُ تَعَالَى:
بَيْنَمَا كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَسِيرُ مَرَّ بِجَبَلٍ يُقَالُ لَهُ "جُمْدَانُ"، فَقَالَ: "سِيرُوا، هَذَا جُمْدَانُ، سَبَقَ المُفَرِّدُونَ". قَالُوا: وَمَا المُفَرِّدُونَ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ:
"المُفَرِّدُونَ": أَيِ الَّذِينَ انْفَرَدُوا بِذِكْرِ اللهِ، وَأُولِعُوا بِهِ حَتَّى خَفَّتْ عَنْهُمْ ذُنُوبُهُمْ.
قَالَ تَعَالَى فِي وَصْفِ المُنَافِقِينَ:
فَمَنْ أَكْثَرَ الذِّكْرَ، فَقَدْ بَرِئَ مِنَ النِّفَاقِ.
أَيُّهَا السَّادَةُ الكِرَامُ : إِنَّ الذِّكْرَ هُوَ مُجَالَسَةٌ لِلْمَلِكِ سُبْحَانَهُ، وَلِهَذِهِ المُجَالَسَةِ آدَابٌ:
أَيُّهَا السَّادَةُ: لَقَدْ تَرَكَ لَنَا نَبِيُّنَا ﷺ لِكُلِّ حَالٍ ذِكْرًا صَحِيحًا. وَهَذِهِ أَهَمُّهَا مُخَرَّجَةً مِنْ مَصَادِرِهَا:
أَيُّهَا السَّادَةُ الكِرَامُ: قَدْ يَتَبَادَرُ إِلَى الذِّهْنِ سُؤَالٌ مَنْهَجِيٌّ: هَلْ يَقِفُ المُؤْمِنُ عِنْدَ حُدُودِ مَا سَمِعَ، أَمْ يَجُوزُ لَهُ أَنْ يُنْشِئَ مِنْ عِنْدِ نَفْسِهِ ثَنَاءً عَلَى اللهِ بِمَا هُوَ أَهْلُهُ؟
الجَوَابُ يَأْتِينَا مِنْ وَاقِعِ الصَّحَابَةِ الكِرَامِ. لَقَدْ كَانُوا يَعِيشُونَ مَعَ اللهِ بِقُلُوبِهِمْ، فَكَانَتْ تَنْبَجِسُ عَلَى أَلْسِنَتِهِمْ يَنَابِيعُ الحِكْمَةِ وَالثَّنَاءِ دُونَ سَابِقِ تَعْلِيمٍ، فَيُقِرُّهَا النَّبِيُّ ﷺ وَيُبَشِّرُهُمْ بِقَبُولِهَا.
وَهَذَا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ "إِلْهَامَ الذِّكْرِ" هُوَ نَوْعٌ مِنَ الرِّزْقِ الخَاصِّ. وَإِلَيْكُمْ بَعْضَ مَا وَقَفْتُ عَلَيْهِ مِنَ النُّصُوصِ الصَّحِيحَةِ فِي هَذَا البَابِ:
هَذَا الحَدِيثُ هُوَ "عُمْدَةُ البَابِ". عَنْ رِفَاعَةَ بْنِ رَافِعٍ الزُّرَقِيِّ قَالَ: كُنَّا يَوْمًا نُصَلِّي وَرَاءَ النَّبِيِّ ﷺ، فَلَمَّا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ الرَّكْعَةِ قَالَ: «سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ»، قَالَ رَجُلٌ وَرَاءَهُ: «رَبَّنَا وَلَكَ الحَمْدُ، حَمْدًا كَثِيرًا طَيِّبًا مُبَارَكًا فِيهِ»، فَلَمَّا انْصَرَفَ، قَالَ: «مَنِ المُتَكَلِّمُ؟» قَالَ الرَّجُلُ: أَنَا ، قَالَ ﷺ:
وَجْهُ الدَّلَالَةِ: الرَّجُلُ زَادَ مِنْ عِنْدِهِ كَلِمَاتٍ (حَمْدًا كَثِيرًا طَيِّبًا...) لَمْ يَتَعَلَّمْهَا مِنَ النَّبِيِّ ﷺ قَبْلَ ذَلِكَ، بَلْ جَاشَتْ بِهَا مَشَاعِرُهُ، فَأَقَرَّهُ النَّبِيُّ ﷺ وَأَخْبَرَهُ بِمُسَارَعَةِ المَلَائِكَةِ لِكِتَابَتِهَا لِعَظَمَتِهَا. قَالَ الحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ: "يُسْتَدَلُّ بِهِ عَلَى جَوَازِ إِحْدَاثِ ذِكْرٍ فِي الصَّلَاةِ غَيْرِ مَأْثُورٍ إِذَا كَانَ غَيْرَ مُخَالِفٍ لِلْمَأْثُورِ".
عَنْ أَنَسٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، أَنَّ رَجُلًا مِنَ الأَنْصَارِ كَانَ يَؤُمُّهُمْ فِي مَسْجِدِ قُبَاءَ، وَكَانَ كُلَّمَا افْتَتَحَ سُورَةً يَقْرَأُ بِهَا لَهُمْ فِي الصَّلَاةِ مِمَّا يَقْرَأُ بِهِ، افْتَتَحَ بِـ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ حَتَّى يَفْرُغَ مِنْهَا، ثُمَّ يَقْرَأُ سُورَةً أُخْرَى مَعَهَا، وَكَانَ يَصْنَعُ ذَلِكَ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ ، فَكَلَّمَهُ أَصْحَابُهُ فِي ذَلِكَ، فَقَالَ: إِنْ أَحْبَبْتُمْ أَنْ أَؤُمَّكُمْ بِذَلِكَ فَعَلْتُ، وَإِنْ كَرِهْتُمْ تَرَكْتُكُمْ ، فَلَمَّا أَتَاهُمُ النَّبِيُّ ﷺ أَخْبَرُوهُ الخَبَرَ، فَقَالَ: «يَا فُلَانُ، مَا يَمْنَعُكَ أَنْ تَفْعَلَ مَا يَأْمُرُكَ بِهِ أَصْحَابُكَ؟ وَمَا يَحْمِلُكَ عَلَى لُزُومِ هَذِهِ السُّورَةِ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ؟» ، فَقَالَ الرَّجُلُ كَلِمَةً خَرَجَتْ مِنْ سُوَيْدَاءِ قَلْبِهِ: «إِنِّي أُحِبُّهَا» ، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ: «حُبُّكَ إِيَّاهَا أَدْخَلَكَ الجَنَّةَ».
(رَوَاهُ البُخَارِيُّ تَعْلِيقًا، وَالتِّرْمِذِيُّ وَحَسَّنَهُ)عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا قَالَ: بَيْنَمَا نَحْنُ نُصَلِّي مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ إِذْ قَالَ رَجُلٌ مِنَ القَوْمِ: «اللهُ أَكْبَرُ كَبِيرًا، وَالحَمْدُ للهِ كَثِيرًا، وَسُبْحَانَ اللهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا» ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «مَنِ القَائِلُ كَلِمَةَ كَذَا وَكَذَا؟». قَالَ الرَّجُلُ: أَنَا يَا رَسُولَ اللهِ ، قَالَ: «عَجِبْتُ لَهَا، فُتِحَتْ لَهَا أَبْوَابُ السَّمَاءِ» ، قَالَ ابْنُ عُمَرَ: فَمَا تَرَكْتُهُنَّ مُنْذُ سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ ذَلِكَ.
(رَوَاهُ مُسْلِمٌ)عَنْ بُرَيْدَةَ الأَسْلَمِيِّ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ سَمِعَ رَجُلًا يَقُولُ:«اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ بِأَنِّي أَشْهَدُ أَنَّكَ أَنْتَ اللهُ، لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ،الأَحَدُ الصَّمَدُ، الَّذِي لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ»، فَقَالَ ﷺ: «لَقَدْ سَأَلَ اللهَ بِالاسْمِ الَّذِي إِذَا سُئِلَ بِهِ أَعْطَى، وَإِذَا دُعِيَ بِهِ أَجَابَ».
(رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ)كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُلَبِّي فِي الحَجِّ: "لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ...". وَكَانَ عَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ (وَهُوَ المُتَّبِعُ الأَشَدُّ لِلسُّنَّةِ) يَزِيدُ فِيهَا مِنْ عِنْدِهِ: «لَبَّيْكَ وَسَعْدَيْكَ، وَالخَيْرُ بِيَدَيْكَ، وَالرَّغْبَاءُ إِلَيْكَ وَالعَمَلُ».
(رَوَاهُ مُسْلِمٌ)عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا، أَنَّهَا فَقَدَتِ النَّبِيَّ ﷺ مِنْ مَضْجَعِهِ، فَلَمَسَتْهُ بِيَدِهَا وَهُوَ سَاجِدٌ يَقُولُ: «اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِرِضَاكَ مِنْ سَخَطِكَ، وَبِمُعَافَاتِكَ مِنْ عُقُوبَتِكَ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْكَ، لَا أُحْصِي ثَنَاءً عَلَيْكَ أَنْتَ كَمَا أَثْنَيْتَ عَلَى نَفْسِكَ».
(رَوَاهُ مُسْلِمٌ)جَلَسَ رَجُلٌ يُصَلِّي وَالنَّبِيُّ ﷺ يَرْمُقُهُ، فَقَالَ الرَّجُلُ بَعْدَ التَّشَهُّدِ: «اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ يَا اللهُ، بِأَنَّكَ الوَاحِدُ الأَحَدُ الصَّمَدُ...» (وَذَكَرَ دُعَاءً طَوِيلًا) ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ لِأَصْحَابِهِ: «قَدْ غُفِرَ لَهُ، قَدْ غُفِرَ لَهُ، قَدْ غُفِرَ لَهُ».
(رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ بِسَنَدٍ جَيِّدٍ)مِنْ مَجْمُوعِ هَذِهِ الأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ، اسْتَنْبَطَ العُلَمَاءُ (كَالنَّوَوِيِّ وَابْنِ حَجَرٍ وَالسُّيُوطِيِّ) قَاعِدَةً ذَهَبِيَّةً فِي بَابِ الذِّكْرِ: "أَنَّ بَابَ الذِّكْرِ وَالدُّعَاءِ مَبْنِيٌّ عَلَى السَّعَةِ، وَيَجُوزُ لِلْعَبْدِ أَنْ يُحْدِثَ مِنَ الثَّنَاءِ عَلَى اللهِ مَا شَاءَ، مَا لَمْ يَكُنْ فِي اللَّفْظِ مَحْذُورٌ شَرْعِيٌّ، بَلْ إِنَّ اللهَ يُحِبُّ مِنْ عَبْدِهِ أَنْ يَتَمَلَّقَهُ (يَتَوَدَّدَ إِلَيْهِ) بِصُنُوفِ المَحَامِدِ"، فَلَا تُحَجِّرْ عَلَى قَلْبِكَ، وَأَطْلِقْ لِسَانَكَ بِمَا فَتَحَ اللهُ عَلَيْكَ، مُقْتَدِيًا بِهَؤُلَاءِ الأَخْيَارِ الَّذِينَ أَقَرَّهُمُ النَّبِيُّ ﷺ وَبَشَّرَهُمْ.
أَيُّهَا السَّادَةُ الكِرَامُ : يَثُورُ فِي أَذْهَانِ الكَثِيرِينَ سُؤَالٌ شَائِكٌ: هَلْ يَجُوزُ لِي أَنْ أُخَصِّصَ لِنَفْسِي وِرْدًا لَمْ يَرِدْ بِنَصِّهِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ؟ (مِثْلُ أَنْ أَقُولَ: "يَارَزَّاقْ" 1000 مَرَّةٍ، أَوْ أُؤَلِّفَ صِيغَةَ صَلَاةٍ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ) ، هَلْ هَذَا مِنَ "البِدْعَةِ" الَّتِي نُهِينَا عَنْهَا، أَمْ مِنَ "الخَيْرِ" الَّذِي أُمِرْنَا بِهِ؟
لِلْإِجَابَةِ عَنْ هَذَا، قَسَّمَ العُلَمَاءُ الرَّاسِخُونَ (مِنَ الفُقَهَاءِ وَالأُصُولِيِّينَ) الذِّكْرَ إِلَى نَوْعَيْنِ رَئِيسَيْنِ، لَا بُدَّ مِنَ التَّفْرِيقِ بَيْنَهُمَا:
وَهُوَ مَا وَرَدَ فِيهِ نَصٌّ شَرْعِيٌّ يُحَدِّدُ (اللَّفْظَ، وَالوَقْتَ، وَالعَدَدَ).
وَهُوَ مَا دَخَلَ تَحْتَ عُمُومِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا﴾، وَلَمْ يُحَدِّدِ الشَّرْعُ لَهُ وَقْتًا وَلَا عَدَدًا وَلَا صِيغَةً.
الحُكْمُ: يَجُوزُ لِلْمُسْلِمِ هُنَا أَنْ يَجْتَهِدَ فِي صِيغَةِ الثَّنَاءِ، وَأَنْ يُحَدِّدَ لِنَفْسِهِ عَدَدًا يَلْتَزِمُ بِهِ (لِتَرْوِيضِ النَّفْسِ)، بِشَرْطَيْنِ فَقَطْ:
قَدْ يَقُولُ قَائِلٌ: تَحْدِيدُ عَدَدٍ (1000 مَرَّةٍ مَثَلًا) لِذِكْرٍ مُطْلَقٍ هُوَ بِدْعَةٌ!
الجَوَابُ عِنْدَ المُحَقِّقِينَ: إِنَّ التَّحْدِيدَ هُنَا لَيْسَ "تَحْدِيدَ تَشْرِيعٍ" (أَيْ أَنَّ اللهَ أَمَرَ بِذَلِكَ)، بَلْ هُوَ "تَحْدِيدُ تَرْبِيَةٍ وَتَنْظِيمٍ".
بِنَاءً عَلَى مَا سَبَقَ، فَإِنَّ أَحْزَابَ وَأَوْرَادَ الصَّالِحِينَ (كَأَوْرَادِ الإِمَامِ النَّوَوِيِّ، أَوِ الشَّاذِلِيِّ، أَوِ الرِّفَاعِيِّ) هِيَ مِنَ "الكَلَامِ الطَّيِّبِ" وَ "الدُّعَاءِ المُسْتَجَابِ" بِتَجْرِبَةِ الصَّالِحِينَ ، فَهِيَ لَيْسَتْ قُرْآنًا، وَلَا حَدِيثًا، وَلَكِنَّهَا "فَتْحٌ مِنَ اللهِ" عَلَى قُلُوبِ أَوْلِيَائِهِ بِكَلِمَاتٍ جَمَعَتْ بَيْنَ البَلَاغَةِ وَالتَّضَرُّعِ.
قَاعِدَةُ الإِمَامِ ابْنِ تَيْمِيَّةَ: قَدْ أَجَازَ ابْنِ تَيْمِيَّةَ فِي فَتَاوِيهِ أَنْ يَدْعُوَ الإِنْسَانُ بِأَدْعِيَةٍ مُنَظَّمَةٍ وَمَسْجُوعَةٍ لَمْ تَرِدْ فِي السُّنَّةِ إِذَا كَانَتْ صَحِيحَةَ المَعْنَى، وَاعْتَبَرَهَا مِنَ الجَائِزِ المُبَاحِ.
مِنَ الأَسْئِلَةِ الَّتِي تُثَارُ كَثِيرًا وَتُشَوِّشُ عَلَى الذَّاكِرِينَ: هَلِ اسْتِخْدَامُ "السُّبْحَةِ" (خَرَزَاتِ العَدِّ) بِدْعَةٌ مَذْمُومَةٌ لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمْ يَسْتَخْدِمْهَا؟
رَأْيُ المُحَقِّقِينَ مِنَ العُلَمَاءِ: ذَهَبَ جَمَاهِيرُ العُلَمَاءِ (وَمِنْهُمُ السُّيُوطِيُّ فِي رِسَالَتِهِ "المِنْحَةُ فِي السُّبْحَةِ"، وَابْنُ تَيْمِيَّةَ فِي فَتَاوِيهِ، وَالشَّوْكَانِيُّ) إِلَى أَنَّ اسْتِخْدَامَ السُّبْحَةِ "جَائِزٌ وَمَشْرُوعٌ"، وَلَيْسَ بِدْعَةً ضَلَالَةً، وَاسْتَدَلُّوا بِالآتِي:
وَقَدْ سُئِلَ سَيِّدُنَا الحَسَنُ البَصْرِيُّ (سَيِّدُ التَّابِعِينَ) عَنِ السُّبْحَةِ وَهُوَ يُمْسِكُهَا، فَقَالَ: "لَا نُفَارِقُ شَيْئًا ذَكَّرَنَا بِاللهِ".
الخُلَاصَةُ: العَقْدُ بِالأَصَابِعِ (الأَنَامِلِ) أَفْضَلُ لِأَنَّهُنَّ مُسْتَنْطَقَاتٌ يَوْمَ القِيَامَةِ، وَلَكِنَّ اتِّخَاذَ السُّبْحَةِ لِضَبْطِ العَدَدِ وَجَمْعِ القَلْبِ جَائِزٌ وَحَسَنٌ، وَلَا يَنْبَغِي التَّشْدِيدُ عَلَى عِبَادِ اللهِ فِيهِ. فَوَسِّعُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ، فَإِنَّ بَابَ اللهِ وَاسِعٌ، وَلَا تَحْجُرُوا وَاسِعًا، فَاللهُ يُحِبُّ المَدَّاحِينَ.
أَيُّهَا السَّادَةُ الكِرَامُ : إِنَّ آفَةَ العَمَلِ "الانْقِطَاعُ"، وَسِرَّ الوُصُولِ "الدَّوَامُ"، لِذَلِكَ كَانَ شِعَارُ الصَّالِحِينَ قَدِيمًا: "مَنْ لَا وِرْدَ لَهُ.. لَا وَارِدَ لَهُ".
(الوِرْدُ): هُوَ القَدْرُ الثَّابِتُ مِنَ الذِّكْرِ الَّذِي تُلْزِمُ بِهِ نَفْسَكَ يَوْمِيًّا.
(الوَارِدُ): هُوَ النُّورُ وَالمَدَدُ الإِلَهِيُّ الَّذِي يَصِلُ إِلَى قَلْبِكَ نَتِيجَةً لِهَذَا الذِّكْرِ.
فَإِذَا أَرَدْتَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الذَّاكِرِينَ اللهَ كَثِيرًا، فَلَا بُدَّ لَكَ مِنْ "نِظَامٍ". وَإِلَيْكَ قَوَاعِدَ بِنَاءِ هَذَا النِّظَامِ:
هَذَا "أَقَلُّ" مَا يَنْبَغِي أَنْ يَحْمِلَهُ المُؤْمِنُ فِي جُعْبَتِهِ يَوْمِيًّا، وَلَا يَسْتَغْرِقُ أَكْثَرَ مِنْ 15 دَقِيقَةً:
مَنْ وَجَدَ فِي قَلْبِهِ قُوَّةً وَفَرَاغًا، فَلْيُضِفْ إِلَى السَّابِقِ:
كُلُّ سَالِكٍ فِي طَرِيقِ الذِّكْرِ لَابُدَّ أَنْ تَمُرَّ عَلَيْهِ لَحَظَاتُ "فُتُورٍ" (كَسَلٍ وَثِقَلٍ فِي العِبَادَةِ). هَذَا حَالٌ بَشَرِيٌّ طَبِيعِيٌّ ، قَالَ ﷺ: "إِنَّ لِكُلِّ عَمَلٍ شِرَّةً (نَشَاطًا وَقُوَّةً)، وَلِكُلِّ شِرَّةٍ فَتْرَةً (كَلَلًا وَسُكُونًا)، فَمَنْ كَانَتْ فَتْرَتُهُ إِلَى سُنَّتِي فَقَدْ أَفْلَحَ" (رَوَاهُ أَحْمَدُ).
كَيْفَ تَتَجَاوَزُ هَذِهِ الأَزْمَةَ؟
أَيُّهَا الأَخُ الكَرِيمُ فِي دَرْبِ الإِيمَانِ، هَذَا "رِيَاضُ الذَّاكِرِينَ" قَدْ فُتِحَتْ أَبْوَابُهُ أَمَامَكَ، فَلَا تَكُنْ مِمَّنْ دَخَلَ ثُمَّ خَرَجَ بِلَا زَادٍ.
لَقَدْ عَرَفْتَ فَأَلْزِمْ:
اجْعَلْ "ذِكْرَ اللهِ" هُوَ الرَّفِيقَ الَّذِي لَا يُفَارِقُكَ؛ فِي سَيَّارَتِكَ، فِي طَرِيقِكَ، فِي انْتِظَارِكَ، وَحَتَّى عَلَى فِرَاشِكَ قَبْلَ نَوْمِكَ.
كُنْ صَاحِبَ "لَهَجٍ" دَائِمٍ بِاسْمِ اللهِ، حَتَّى إِذَا جَاءَكَ المَلَكُ لِيَقْبِضَ رُوحَكَ، وَجَدَ لِسَانَكَ رَطْبًا بِذِكْرِ اللهِ، فَتَخْرُجَ الرُّوحُ مُطْمَئِنَّةً إِلَى رَبٍّ كَانَتْ تَأْنَسُ بِهِ فِي الدُّنْيَا.
وَصِيَّتُنَا الأَخِيرَةُ هِيَ وَصِيَّةُ الحَبِيبِ ﷺ لِذَلِكَ الرَّجُلِ الَّذِي كَثُرَتْ عَلَيْهِ شَرَائِعُ الإِسْلَامِ، فَقَالَ لَهُ جَامِعًا لِكُلِّ خَيْرٍ:
اللَّهُمَّ اجْعَلْنَا مِنَ الذَّاكِرِينَ اللهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ، وَأَعِنَّا عَلَى ذِكْرِكَ وَشُكْرِكَ وَحُسْنِ عِبَادَتِكَ.
وَصَلَّى اللهُ وَسَلَّمَ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.
الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ.
تَمَّ بِحَمْدِ اللهِ وَعَوْنِهِ.
أدناه ملخص موجز لأهم ما ورد في الكتاب من نقاط ورسائل، لمن أراد استرجاع المعاني سريعًا.
١. الذِّكْرُ حَيَاة: الفارق بين الحي والميت ليس النفس، بل الذكر. الغافل ميت وإن مشى، والذاكر حي وإن مات.
٢. مَقَامُ الوَلَايَة: إذا أردت أن تعرف مقامك فانظر فيما أقامك؛ الإقامة في الذكر هي منشور الولاية.
٣. آدَابُ المُجَالَسَة: الله جليسك، وللمجالسة آداب؛ طهارة البدن، وسكينة الجوارح، وأهمها حضور القلب وتفريغه من السوى.
٤. فِقْهُ الوِرْد: ما ورد بالنص (كالصلاة) يُلتزم به كأنه "أسنان مفتاح"، وما كان مطلقًا فباب الاجتهاد السليم فيه مفتوح.
٥. الوِرْدُ الْيَوْمِي: ابدأ بالقليل الدائم (100 استغفار، 100 صلاة على النبي، 100 تهليل)، ولا تقطع حبلك بالله مهما كانت الظروف.
الرِّسَالَةُ النِّهَائِيَّة: لا يزال لسانك رطبًا بذكر الله، حتى تلقاه وهو راضٍ عنك.
"الذِّكْرُ لَيْسَ مُجَرَّدَ كَلِمَاتٍ، بَلْ هُوَ الفَاصِلُ بَيْنَ الحَيَاةِ وَالمَوْتِ."
"إِذَا أَرَدْتَ أَنْ تَعْرِفَ مَقَامَكَ عِنْدَ اللهِ، فَانْظُرْ فِيمَا أَقَامَكَ."
"الذِّكْرُ بِلَا حُضُورٍ كَالجَسَدِ بِلَا رُوحٍ.. فَرِّغْ قَلْبَكَ لِيَتَمَكَّنَ النُّورُ مِنْهُ."