الفائزُ الحقيقيُّ في مدرسةِ الصيامِ

بقلم: فضيلة الشيخ أحمد إسماعيل الفشني
عودة إلى المقالات

بقلم فضيلة الشيخ أحمد إسماعيل الفشني

الحمدُ للهِ الذي جَعَلَ الصيامَ جُنَّةً، والصلاةُ والسلامُ على سيِّدِنا رسولِ اللهِ ﷺ، إمامِ المتقينَ وسيدِ الصائمينَ، وعلى آلِ بيتِهِ الطاهرينَ وصحابتِهِ الغُرِّ الميامينَ، ومَنْ تَبِعَهم بإحسانٍ إلى يومِ الدينِ.

أيُّها السادةُ الكرامُ..

تَمُرُّ الأيامُ وتتعاقبُ الشهورُ، ويحلُّ علينا ضيفٌ كريمٌ هو شهرُ رمضانَ المباركُ، شهرُ العطايا والمنحِ الإلهيةِ. ولكنَّ السؤالَ الذي يجبُ أنْ يترددَ في ردهاتِ القلوبِ: مَنِ الفائزُ الحقيقيُّ في هذا الشهرِ؟ هل هو مَنْ طَوَى نهارَهُ جائعاً وليلَهُ ساهراً فحسب؟ أمْ أنَّ هناكَ فوزاً أعمقَ وأبقى؟

إنَّ الفائزَ الحقيقيَّ -أعزَّكم اللهُ- هو مَنْ أدركَ أنَّ رمضانَ "مدرسةٌ للروحِ" قبلَ أنْ يكونَ نظاماً للبدنِ. هو مَنْ خَرَجَ من الشهرِ بقلبٍ غيرِ الذي دَخَلَ بهِ، فصارَ رقيقاً بعدَ قسوةٍ، ومقبلاً بعدَ إعراضٍ. يقولُ اللهُ عزَّ وجلَّ في كتابِهِ العزيزِ: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} (البقرة: 183). فجعلَ "التقوى" هي الغايةَ الكبرى، والتقوى ها هنا -كما أشارَ سيِّدُنا رسولُ اللهِ ﷺ إلى صدرِهِ الشريفِ ثلاثاً- هي محلُّ الفوزِ.

ولقد رُوِيَ عن سيِّدِنا جابرِ بنِ عبدِ اللهِ رضيَ اللهُ عنهما أنَّهُ قالَ: "إذا صُمْتَ فَلْيَصُمْ سَمْعُكَ وبَصَرُكَ ولِسانُكَ عنِ الكَذِبِ والمَحارِمِ، ودَعْ أذَى الجارِ، ولْيَكُنْ عَلَيْكَ وقارٌ وسَكينةٌ يومَ صَوْمِكَ، ولا تَجْعَلْ يومَ فِطْرِكَ ويومَ صَوْمِكَ سَواءً".

أيُّها السادةُ الكرامُ..

تأملوا في حالِ سيِّدِنا عُمَرَ بنِ الخطابِ رضيَ اللهُ عنهُ، ففي أعوامِ القحطِ والجوعِ، كانَ لا يأكلُ إلا الزيتَ حتى اسودَّ جِلْدُهُ، وكانَ يقولُ لبطنِهِ حينَ تُقَرْقِرُ من الجوعِ: "قَرْقِرِي أو لا تُقَرْقِرِي، واللهِ لا تشبعينَ حتى يشبعَ أطفالُ المسلمينَ". هذا هو الصومُ الذي يُورثُ الشفقةَ والرحمةَ، وهذا هو الفائزُ الذي انتصرَ على نَفْسِهِ لِيَحْيَا بغيرِهِ.

ورُوِيَ عن أهلِ البصائرِ والسلفِ الصالحِ أنَّهم كانوا يستقبلونَ رمضانَ بالدُّعاءِ، ويودِّعونَهُ بالدموعِ، خوفاً من أنْ يكونوا قد قَصَّروا في حقِّ الضيفِ. فالفوزُ عندهم لم يكنْ بكثرةِ الأفعالِ الظاهرةِ فقط، بل بإخلاصِ الباطنِ للهِ عزَّ وجلَّ.

وقد جادَتْ قريحةُ الشعراءِ في وصفِ حالِ المحبينَ الفائزينَ، فقالَ أحدُهم:

يا ذا الذي ما كفاهُ الذنبُ في رجبٍ ** حتى عصى ربَّهُ في شهرِ شعبانِ

لقد أظلكَ شهرُ الصومِ بعدهما ** فلا تُصَيِّرْهُ أيضاً شهرَ عصيانِ

واتلُ الكتابَ وسَبِّحْ فيهِ مُجتهداً ** فإنَّهُ شهرُ تسبيحٍ وقرآنِ

أيُّها السادةُ الكرامُ..

إنَّ علامةَ القبولِ في رمضانَ هي "الاستمراريةُ" بعدَهُ، فربُّ رمضانَ هو ربُّ الشهورِ كلِّها. لذا، فإنَّني أضعُ بينَ أيديكم هذهِ الخلاصاتِ النافعةِ لتكونوا من الفائزينَ حقاً:

* تجديدُ التوبةِ: اجعلْ من كلِّ ليلةٍ في رمضانَ بدايةً لعهدٍ جديدٍ مع اللهِ عزَّ وجلَّ.

* جبرُ الخواطرِ: الفوزُ ليسَ في السجادةِ وحدها، بل في إدخالِ السرورِ على قلبِ يتيمٍ أو مسكينٍ.

* صيامُ الجوارحِ: كُفَّ لسانَكَ عن الغيبةِ وبصرَكَ عن الفضولِ، يصفُ لكَ قلبُكَ.

* القرآنُ تدبُّراً: لا يكنْ هَمُّكَ نهايةَ السورةِ، بل استشعرْ نداءَ اللهِ عزَّ وجلَّ لكَ في كلِّ آيةٍ.

فطوبى لِمَنْ صامَ عن الهوى، وأفطرَ على طاعةِ المولى، وعاشَ رمضانَ رُوحاً وجسداً.