الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ، وَلَا عُدْوَانَ إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَلِيُّ الصَّالِحِينَ، وَأَشْهَدُ أَنَّ سَيِّدَنَا وَنَبِيَّنَا وَعَظِيمَنَا وَقُدْوَتَنَا سَيِّدَنَا مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَالتَّابِعِينَ ، اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ الْفَاتِحِ لِمَا أُغْلِقَ، وَالْخَاتِمِ لِمَا سَبَقَ، نَاصِرِ الْحَقِّ بِالْحَقِّ، وَالْهَادِي إِلَى صِرَاطِكَ الْمُسْتَقِيمِ، وَعَلَى آلِهِ حَقَّ قَدْرِهِ وَمِقْدَارِهِ الْعَظِيمِ.
أيها السادة الكرام : إنَّ مَن أَرَادَ الوُصُولَ لَا بُدَّ لَهُ مِن أُصُولٍ، وَمَن لَمْ تَكُنْ لَهُ بِدَايَةٌ مُحْرِقَةٌ لَمْ تَكُنْ لَهُ نِهَايَةٌ مُشْرِقَةٌ. وَنَحْنُ عَلَى أَعْتَابِ شَهْرِ رَمَضَانَ، ذَلِكَ الضَّيْفِ العَزِيزِ الذِي لَا يَجُودُ الزَّمَانُ بِمِثْلِهِ، يَجِبُ أَنْ نَعْلَمَ أَنَّ "النِّيَّةَ" فِي مَنْهَجِنَا لَيْسَتْ مُجَرَّدَ خَاطِرٍ يَمُرُّ بِالقَلْبِ، بَلْ هِيَ "قَصْدُ الشَّيْءِ مُقْتَرِنًا بِفِعْلِهِ"، وَهَذَا هُوَ عَيْنُ التَّخْطِيطِ وَبَرْمجَةِ الطَّاعَةِ.
النَّصِيحَةُ العِلْمِيَّةُ: لِمَاذَا البَرْنَامَجُ؟
أيها السادة الكرام، إنَّ الوَقْتَ فِي رَمَضَانَ لَيْسَ مِلْكًا لَنَا، بَلْ هُو مِلْكٌ لِلمُعْطِي سُبْحَانَهُ. وَمِنَ النَّاحِيَةِ الشَّرْعِيَّةِ، فَإِنَّ تَنْظِيمَ الأَوْقَاتِ يَدْخُلُ فِي بَابِ "حُسْنِ رِعَايَةِ الأَمَانَةِ". فَالذِي يَدْخُلُ الشَّهْرَ بِلَا خُطَّةٍ يَقَعُ فِي آَفَةِ "التَّسْوِيفِ"، وَقَدْ قَالَ عُلَمَاؤُنَا: (سَوْفَ جُنْدٌ مِن جُنُودِ إِبْلِيسَ).
إِنَّ وَضْعَ بَرْنَامَجٍ لِلخَتَمَاتِ، وَتَحْدِيدَ أَوْقَاتِ الذِّكْرِ، وَتَقْسِيمَ اللَّيْلِ بَيْنَ النَّوْمِ وَالقِيَامِ، هُوَ "إِحْكَامٌ لِلْعِبَادَةِ" يَمْنَعُ النَّفْسَ مِنَ التَّفَلُّتِ وَالرُّكُونِ إِلَى الكَسَلِ.
الجَانِبُ الرُّوحِيُّ: تَهْيِئَةُ المَحَلِّ
لَكِنَّ التَّخْطِيطَ بِلَا رُوحٍ جَسَدٌ مَيِّتٌ. أَيُّهَا السَّادَةُ الكِرَامُ، لَا يَكُنْ هَمُّ أَحَدِكُمْ نِهَايَةَ السُّورَةِ، بَلْ لِيَكُنْ هَمُّكُمْ: مَتَى أَفْهَمُ عَنِ اللهِ؟ مَتَى يَتَحَرَّكُ قَلْبِي بَيْنَ يَدَيِ اللهِ؟
إنَّ الخُطَّةَ الرُّوحِيَّةَ تَبْدَأُ بِـ "التَّخْلِيَةِ قَبْلَ التَّحْلِيَةِ"؛ أَيْ تَطْهِيرِ القَلْبِ مِنَ الضَّغَائِنِ، لِيَنْزِلَ فِيهِ نُورُ القُرْآنِ. فَمَا نَفْعُ جَدْوَلٍ مَمْلُوءٍ بِالصَّلَوَاتِ وَالقَلْبُ مَشْغُولٌ بِالغَيْرِ؟
مَشَاهِدُ وَسِيَرٌ لِلِاقْتِدَاءِ
أيها السادة الكرام، انْظُرُوا إِلَى سَيِّدِنَا رَسُولِ اللهِ ﷺ، كَيْفَ كَانَ يَتَبَدَّلُ حَالُهُ فِي رَمَضَانَ! يُرْوَى أَنَّ سَيِّدَنَا جِبْرِيلَ -عَلَيْهِ السَّلَامُ- كَانَ يَلْقَاهُ فِي كُلِّ لَيْلَةٍ مِن رَمَضَانَ فَيُدَارِسُهُ القُرْآنَ. هَذِهِ "المُدَارَسَةُ" هِيَ أَرْقَى أَنْوَاعِ بَرَامِجِ العَمَلِ؛ لِأَنَّهَا جَمَعَتْ بَيْنَ النَّصِّ (العِلْمِ) وَبَيْنَ المُصَاحَبَةِ الرُّوحِيَّةِ.
وَيُرْوَى عَنْ سَيِّدِنَا الإِمَامِ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- أَنَّهُ كَانَ إِذَا دَخَلَ رَمَضَانُ فَرَّ مِنْ تَدْرِيسِ الحَدِيثِ وَمُجَالَسَةِ أَهْلِ العِلْمِ، وَأَقْبَلَ عَلَى تِلَاوَةِ القُرْآنِ مِنَ المُصْحَفِ. لَقَدْ كَانَ لَدَيْهِ "بَرْنَامَجٌ خَاصٌّ" يَقُومُ عَلَى فِقْهِ (الأَوْلَوِيَّاتِ)، فَالوَقْتُ فِي رَمَضَانَ لِلقُرْآنِ لَا لِغَيْرِهِ.
يَا سَيِّدِي؛ لَيْسَ الشَّأْنُ أَنْ تَصُومَ عَنِ الطَّعَامِ، إِنَّمَا الشَّأْنُ أَنْ تَصُومَ عَنِ الغَفْلَةِ، وَذَاكَ لَا يَكُونُ إِلَّا بِيَقَظَةِ التَّنْظِيمِ.
أيها السادة الكرام، اجْعَلُوا لِأَنْفُسِكُمْ نَصِيبًا مِنَ الخَلْوَةِ بَيْنَ يَدَيِ اللهِ، وَوَرَقَةً مَكْتُوبَةً فِيهَا وَظَائِفُ لَيْلِكُمْ وَنَهَارِكُمْ. فَاللهُ سُبْحَانَهُ يُحِبُّ مَعَالِيَ الأُمُورِ، وَتَنْظِيمُ العِبَادَةِ مِن مَعَالِيهَا.
جَدْوَلُ الْأَنْوَارِ.. بَرْنَامَجٌ عَمَلِيٌّ لِارْتِقَاءِ الرُّوحِ فِي رَمَضَانَ
أيها السادة الكرام : لَيْسَ الْهَدَفُ مِنْ هَذَا الْجَدْوَلِ أَنْ نَكُونَ "آلَاتٍ" تُؤَدِّي وَظَائِفَ، بَلْ أَنْ نَكُونَ "عِبَادًا" يَتَحَرَّكُونَ بِنِظَامٍ.
أَوَّلًا: ثُلُثُ السَّحَرِ وَالْبُكُورِ (مِنَ السُّحُورِ إِلَى الشُّرُوقِ)
وَقْتُ التَّجَلِّي: الِاسْتِيْقَاظُ قَبْلَ الْفَجْرِ بِسَاعَةٍ؛ لِرَكَعَاتٍ فِي خَلْوَةٍ، مَعَ كَثْرَةِ الِاسْتِغْفَارِ (وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ).
سُنَّةُ السُّحُورِ: الِامْتِثَالُ لِأَمْرِ سَيِّدِنَا رَسُولِ اللهِ ﷺ طَلَبًا لِلْبَرَكَةِ.
الْفَجْرُ وَمَا بَعْدَهُ: صَلَاةُ الْفَجْرِ، ثُمَّ "جِلْسَةُ الشُّرُوقِ" لِأَذْكَارِ الصَّبَاحِ وَوِرْدٍ قُرْآَنِيٍّ ثَابِتٍ (وَلَوْ جُزْءًا وَاحِدًا).
ثَانِيًا: ثُلُثُ السَّعْيِ وَالْمَعَاشِ (مِنَ الصَّبَاحِ إِلَى الْعَصْرِ)
إِخْلَاصُ النِّيَّةِ: اذْهَبْ إِلَى عَمَلِكَ بِنِيَّةِ الْعِبَادَةِ وَنَفْعِ النَّاسِ.
الذِّكْرُ الْخَفِيُّ: لَا يَتَوَقَّفْ لِسَانُكَ عَنِ الصَّلَاةِ عَلَى سَيِّدِنَا النَّبِيِّ ﷺ أَثْنَاءَ انْشِغَالِكَ؛ فَهِيَ مِفْتَاحُ التَّيْسِيرِ.
سُنَّةُ الضُّحَى: صَلَاةُ رَكَعَاتٍ لِتَكُونَ صَدَقَةً عَنْ مَفَاصِلِ جَسَدِكَ.
ثَالِثًا: ثُلُثُ الِابْتِهَالِ وَالْإِفْطَارِ (مِنَ الْعَصْرِ إِلَى الْمَغْرِبِ)
وِرْدُ الْعَصْرِ: جِلْسَةٌ مَعَ الْقُرْآنِ أَوْ قِرَاءَةٌ فِي مَقَالٍ عِلْمِيٍّ رَصِينٍ يُغَذِّي الْفِكْرَ.
سَاعَةُ الْإِجَابَةِ: قَبْلَ الْمَغْرِبِ بِنِصْفِ سَاعَةٍ، انْقَطِعْ عَنِ الدُّنْيَا وَتَوَجَّهْ لِلهِ بِالدُّعَاءِ لِنَفْسِكَ، وَأَهْلِكَ، وَأُمَّةِ سَيِّدِنَا النَّبِيِّ ﷺ.
الْإِفْطَارُ: تَعْجِيلُ الْفِطْرِ مَعَ الشُّكْرِ الْقَلْبِيِّ لِلْمُعْطِي سُبْحَانَهُ.
رَابِعًا: ثُلُثُ الْقِيَامِ وَالْمُنَاجَاةِ (مِنَ الْعِشَاءِ إِلَى النَّوْمِ)
صَلَاةُ الْقِيَامِ: الْحِرْصُ عَلَى التَّرَاوِيحِ بِخُشُوعٍ، وَلَا يَكُنْ هَمُّكَ "الْعَدَدَ" بَلْ "الْمَدَدَ" الذِي يَنْزِلُ عَلَى قَلْبِكَ.
الْجَلْسَةُ الْأُسَرِيَّةُ: بَرْمجَةُ جَلْسَةٍ لِلْمُدَارَسَةِ أَوْ حِكَايَةِ قِصَّةٍ نَبَوِيَّةٍ لِلْأَبْنَاءِ لِغَرْسِ الْقِيَمِ.
خِتَامُ الْيَوْمِ: النَّوْمُ مُبَكِّرًا (إِنْ أَمْكَنَ) بِنِيَّةِ التَّقَوِّي عَلَى طَاعَةِ الْيَوْمِ التَّالِي.
أيها السادة الكرام : اجْعَلُوا هَذَا الْبَرْنَامَجَ "مَرْكَبًا" يَحْمِلُكُمْ إِلَى شَاطِئِ الرِّضَا، وَتَذَكَّرُوا أَنَّ الْقَلِيلَ الدَّائِمَ خَيْرٌ مِنَ الْكَثِيرِ الْمُنْقَطِعِ.
«نَسْأَلُ اللهَ -عَزَّ وَجَلَّ- أَنْ يَرْزُقَنَا كَمَالَ الْأَدَبِ مَعَهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى، وَحُسْنَ التَّأَدُّبِ مَعَ جَنَابِ سَيِّدِنَا الرَّسُولِ ﷺ، وَأَنْ يَفْتَحَ لَنَا مَغَالِيقَ الْفَهْمِ، وَيُعَلِّمَنَا مِنْ مَصُونِ أَسْرَارِ كِتَابِهِ الْعَزِيزِ، وَمَكْنُونِ سُنَّةِ سَيِّدِنَا نَبِيِّهِ ﷺ، فَهُوَ وَلِيُّ ذَلِكَ وَالْقَادِرُ عَلَيْهِ، وَبِاللهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ وَالسَّدَادُ».
بِقَلَمِ فَضِيلَةِ الشَّيْخِ / أَحْمَدَ إِسْمَاعِيلَ الْفَشَنِيِّ