قِصَّةُ مُنْتَحِرٍ: رِحْلَةٌ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى نُورِ اليَقِينِ

بِقَلَمِ فَضِيلَةِ الشَّيْخِ أَحْمَدَ إِسْمَاعِيلَ الْفَشْنِيّ
عودة إلى المقالات

الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي جَعَلَ بَعْدَ الضِّيقِ مَخْرَجًا، وَبَعْدَ الْعُسْرِ يُسْرًا، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَعْفُو عَنِ السَّيِّئَاتِ، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى المَبْعُوثِ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ، سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ ﷺ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَمَنْ تَبِعَهُمْ بِإِحْسَانٍ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ، وَبَعْدُ؛

أَيُّهَا السَّادَةُ الْكِرَامُ.. إِنَّ الْحَيَاةَ أَمَانَةٌ غَالِيَةٌ أَوْدَعَهَا اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ فِينَا، وَلَيْسَتْ مِلْكًا لِأَهْوَائِنَا نُنْهِيهَا مَتَى شِئْنَا. وَإِنَّمَا تَضِيقُ الدُّنْيَا فِي عَيْنِ العَبْدِ حِينَ يَنْقَطِعُ حَبْلُ رَجَائِهِ بِخَالِقِهِ، فَيَرَى المَوْتَ رَاحَةً، وَمَا عَلِمَ أَنَّ الرَّاحَةَ الحَقِيقِيَّةَ فِي الرِّضَا بِمَقْدُورِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ.

الْقِصَّةُ: لَحْظَةٌ عَلَى حَافَةِ الْهَاوِيَةِ

يُحْكَى أَنَّ رَجُلًا ضَاقَتْ بِهِ السُّبُلُ، وَتَرَاكَمَتْ عَلَيْهِ الدُّيُونُ، وَفَقَدَ عَمَلَهُ، فَأَظْلَمَتِ الدُّنْيَا فِي عَيْنَيْهِ. وَسَمَحَ لِلشَّيْطَانِ أَنْ يَهْمِسَ فِي أُذُنِهِ: "لَا مَخْرَجَ إِلَّا بِالنِّهَايَةِ". وَقَفَ هَذَا الرَّجُلُ فِي لَحْظَةِ يَأْسٍ شَدِيدَةٍ بَيْنَهُ وَبَيْنَ المَوْتِ خُطْوَةٌ وَاحِدَةٌ، حَامِلًا فِي قَلْبِهِ غُصَّةً لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ.

وَفِي تِلْكَ اللَّحْظَةِ، تَرَاءَتْ لَهُ صُورَةُ طِفْلَتِهِ الصَّغِيرَةِ وَهِيَ تَنْتَظِرُ عَوْدَتَهُ، وَتَذَكَّرَ قَوْلَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ: {وَلَا تَقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا}. فَتَوَقَّفَ نَبْضُ الْيَأْسِ لِيَحُلَّ مَحَلَّهُ نَبْضُ الْإِيمَانِ، وَأَدْرَكَ أَنَّ مَشَاكِلَهُ مَهْمَا عَظُمَتْ فَهِيَ أَصْغَرُ مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ. لَقَدْ كَانَتْ هَذِهِ الْقِصَّةُ بِدَايَةً لِحَيَاةٍ جَدِيدَةٍ، حَيْثُ جَعَلَ مِنْ انْكِسَارِهِ سَجْدَةً طَوِيلَةً، وَمِنْ فَقْرِهِ دُعَاءً لَا يَنْقَطِعُ.

الْمَنْظُورُ الْإِسْلَامِيُّ لِقَضِيَّةِ الِانْتِحَارِ

إِنَّ الْإِسْلَامَ يَنْظُرُ إِلَى الِانْتِحَارِ بِاعْتِبَارِهِ جَرِيمَةً فِي حَقِّ النَّفْسِ وَتَعَدِّيًا عَلَى مِلْكِيَّةِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ لِلرُّوحِ. فَالنَّفْسُ لَيْسَتْ مِلْكًا لِصَاحِبِهَا، بَلْ هِيَ عَارِيَةٌ سَيَسْتَرِدُّهَا صَاحِبُ الْأَمَانَةِ فِي وَقْتِهَا الْمُحَدَّدِ.

وَلَقَدْ كَانَ سَيِّدُنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُحَذِّرُ مِنْ الِاسْتِعْجَالِ فِي المَوْتِ هَرَبًا مِنْ بَلَاءٍ. فَقَدْ وَرَدَ فِي الصَّحِيحِ عَنْ سَيِّدِنَا جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَجُلًا قَتَلَ نَفْسَهُ بِمَشَاقِصَ، فَلَمْ يُصَلِّ عَلَيْهِ النَّبِيُّ ﷺ؛ زَجْرًا لِلنَّاسِ عَنْ مِثْلِ هَذَا الْفِعْلِ الشَّنِيعِ. وَمَعَ ذَلِكَ، فَإِنَّ رَحْمَةَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَاسِعَةٌ، وَبَابَ التَّوْبَةِ مَفْتُوحٌ مَا لَمْ تَغَرْغَرِ الرُّوحُ.

ضَوَابِطُ شَرْعِيَّةٌ وَنَفْسِيَّةٌ لِلْوِقَايَةِ

لِكَيْ لَا يَقَعَ الْمُؤْمِنُ فِي فِخَاخِ الْيَأْسِ، عَلَيْهِ بِالضَّوَابِطِ التَّالِيَةِ:

دَوْرُ الْعَائِلَةِ: حِصْنُ الْأَمَانِ

إِنَّ الْعَائِلَةَ هِيَ الدَّائِرَةُ الْأُولَى لِلْحِمَايَةِ. وَمَا أَقْبَلَ مُنْتَحِرٌ عَلَى فِعْلَتِهِ إِلَّا وَقَدْ شَعَرَ بِالْعُزْلَةِ وَالْجَفَاءِ. فَالْوَاجِبُ عَلَى الْأَهْلِ:

خِتَامًا:

إِنَّ مَنْ يُحِبُّهُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ يَبْتَلِيهِ لِيُهَذِّبَهُ لَا لِيُعَذِّبَهُ، وَإِنَّ نِدَاءَ مَحَبَّةِ اللَّهِ فِي السَّمَاءِ يَبْدَأُ مِنْ صِدْقِ التَّوَكُّلِ عَلَيْهِ فِي الأَرْضِ. فَلَا تَجْعَلُوا الْيَأْسَ يَسْرِقُ مِنْكُمْ مَقَامَكُمْ فِي "الْغُرَفِ" الْعَالِيَةِ بِالْجَنَّةِ، الَّتِي يَنْظُرُ إِلَيْهَا أَهْلُ السَّمَاءِ كَالْكَوْكَبِ الدُّرِّيِّ.

وَاللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ أَعْلَمُ، وَبِاللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ التَّوْفِيقُ وَالهِدَايَةُ