حياة واحدة.. فعشها كما ينبغي

بين عمارة الدنيا وطلب الآخرة
بقلم: فضيلة الشيخ أحمد إسماعيل الفشني
عودة للمكتبة

الحَمْدُ للهِ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُورًا، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ، الَّذِي كَانَ أَزْهَدَ النَّاسِ فِي الدُّنْيَا وَهِيَ بَيْنَ يَدَيْهِ، وَأَرْغَبَهُمْ فِي الآخِرَةِ وَهِيَ مِلْءُ عَيْنَيْهِ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَمَنِ اقْتَفَى أَثَرَهُمْ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ.

وَبَعْدُ؛

أَيُّهَا السَّادَةُ الكِرَامُ، إِنَّ أَعْظَمَ حَقِيقَةٍ يَجِبُ أَنْ نُدْرِكَهَا هِيَ أَنَّ هَذِهِ الحَيَاةَ الدُّنْيَا "رِحْلَةٌ لَا تَتَكَرَّرُ". إِنَّهَا فُرْصَةٌ وَاحِدَةٌ، وَشَوْطٌ وَاحِدٌ، لَيْسَ فِيهِ إِعَادَةٌ وَلَا رُجُوعٌ. يَقُولُ رَبُّنَا تَبَارَكَ وَتَعَالَى عَنْ حَالِ المُفَرِّطِينَ حِينَ يَرَوْنَ الحَقِيقَةَ: ﴿حَتَّىٰ إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ * لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ﴾، فَيَأْتِيهِ الجَوَابُ القَاطِعُ: ﴿كَلَّا﴾.

إِذًا، مَا دَامَتِ الحَيَاةُ سَتُعَاشُ مَرَّةً وَاحِدَةً، فَكَيْفَ نَعِيشُهَا كَمَا يَنْبَغِي؟ وَكَيْفَ نُحَقِّقُ فِيهَا مُرَادَ اللهِ دُونَ أَنْ نُهْمِلَ حَظَّنَا مِنَ الدُّنْيَا؟

المَفْهُومُ الخَاطِئُ وَالتَّصْحِيحُ الرَّبَّانِيُّ:

يَفْهَمُ البَعْضُ عِبَارَةَ "الحَيَاةُ مَرَّةً وَاحِدَةً" فَهْمًا مَغْلُوطًا، فَيَنْدَفِعُونَ نَحْوَ الشَّهَوَاتِ وَالمَلَذَّاتِ، ظَنًّا مِنْهُمْ أَنَّ اغْتِنَامَ الحَيَاةِ يَعْنِي التَّفَلُّتَ مِنَ الضَّوَابِطِ.

وَيَفْهَمُ آخَرُونَ الدِّينَ فَهْمًا قَاصِرًا، فَيَعْتَزِلُونَ الحَيَاةَ، وَيُهْمِلُونَ أَعْمَالَهُمْ وَمَظْهَرَهُمْ وَدُنْيَاهُمْ بِدَعْوَى الزُّهْدِ.

وَكِلَا الطَّرَفَيْنِ مُخْطِئٌ، وَالصَّوَابُ هُوَ "المِيزَانُ" الَّذِي وَضَعَهُ القُرْآنُ الكَرِيمُ فِي آيَةٍ جَامِعَةٍ مَانِعَةٍ:

﴿وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ ۖ وَلَا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا ۖ وَأَحْسِن كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ﴾ (القَصَص: 77).

إِنَّ لِرَبِّكَ عَلَيْكَ حَقًّا:

لَقَدْ أَسَّسَ لَنَا سَيِّدُنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ قَاعِدَةَ التَّوَازُنِ فِي الحَيَاةِ مِنْ خِلَالِ القِصَّةِ الشَّهِيرَةِ بَيْنَ سَيِّدِنَا سَلْمَانَ الفَارِسِيِّ وَسَيِّدِنَا أَبِي الدَّرْدَاءِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا.

حِينَ رَأَى سَلْمَانُ أَنَّ أَبَا الدَّرْدَاءِ قَدْ أَهْمَلَ نَفْسَهُ وَأَهْلَهُ وَانْقَطَعَ لِلْعِبَادَةِ فَقَطْ، بَاتَ عِنْدَهُ، فَلَمَّا أَرَادَ أَبُو الدَّرْدَاءِ أَنْ يَقُومَ اللَّيْلَ كُلَّهُ مَنَعَهُ سَلْمَانُ وَقَالَ لَهُ: نَمْ، ثُمَّ قُمْ فِي آخِرِ اللَّيْلِ. وَفِي النَّهَارِ أَمَرَهُ بِالفِطْرِ بَعْدَ أَنْ كَانَ يَصُومُ الدَّهْرَ.

ثُمَّ قَالَ لَهُ سَلْمَانُ القَاعِدَةَ الذَّهَبِيَّةَ: "إِنَّ لِرَبِّكَ عَلَيْكَ حَقًّا، وَلِنَفْسِكَ عَلَيْكَ حَقًّا، وَلِأَهْلِكَ عَلَيْكَ حَقًّا، فَأَعْطِ كُلَّ ذِي حَقٍّ حَقَّهُ".

فَلَمَّا ذَهَبَا إِلَى النَّبِيِّ ﷺ وَقَصَّا عَلَيْهِ مَا حَدَثَ، قَالَ ﷺ: "صَدَقَ سَلْمَانُ". (رَوَاهُ البُخَارِيُّ).

كَيْفَ تَعِيشُهَا كَمَا يَنْبَغِي؟

أَيُّهَا السَّادَةُ الكِرَامُ، لِكَيْ تَكُونَ حَيَاتُكُمُ الوَحِيدَةُ نَاجِحَةً، عَلَيْكُمْ بِهَذِهِ الخُطُوَاتِ:

خِتَامًا:

عِشْ حَيَاتَكَ بِطُولِهَا وَعَرْضِهَا فِي طَاعَةِ اللهِ، اسْتَمْتِعْ بِنِعَمِ اللهِ، وَاشْكُرِ المُنْعِمَ، وَوَازِنْ بَيْنَ رُوحِكَ وَجَسَدِكَ.

فَأَسْعَدُ النَّاسِ هُوَ مَنْ جَمَعَ اللهُ لَهُ خَيْرَيِ الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ، كَمَا كَانَ مِنْ دُعَاءِ النَّبِيِّ ﷺ: "رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ".

وَبِاللهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ.