الصفقة الخاسرة

مجاملة الخلق على حساب الخالق
بقلم: فضيلة الشيخ أحمد إسماعيل الفشني
عودة للمكتبة

الحَمْدُ للهِ الَّذِي بِيَدِهِ مَقَالِيدُ القُلُوبِ، يُقَلِّبُهَا كَيْفَ يَشَاءُ، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ، الَّذِي عَلَّمَنَا أَنَّ العِزَّةَ للهِ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ الَّذِينَ آثَرُوا رِضَا الرَّحْمَنِ عَلَى رِضَا الأَكْوَانِ.

وَبَعْدُ؛

أَيُّهَا السَّادَةُ الكِرَامُ، إِنَّنَا نَعِيشُ فِي دُنْيَا تَتَجَاذَبُنَا فِيهَا رَغَبَاتُ النَّاسِ وَأَهْوَاؤُهُمْ. هَذَا يُرِيدُ مِنْكَ كَذَا، وَذَاكَ لَا يَرْضَى عَنْكَ إِلَّا بِكَذَا. وَفِي خِضَمِّ هَذِهِ العَلَاقَاتِ الاجْتِمَاعِيَّةِ، يَقَعُ الكَثِيرُ مِنَّا فِي فَخٍّ عَظِيمٍ وَمَزْلَقٍ خَطِيرٍ؛ أَلَا وَهُوَ "مُجَامَلَةُ الخَلْقِ عَلَى حِسَابِ الخَالِقِ".

قَدْ يَجَامِلُ الإِنْسَانُ مُدِيرَهُ فِي العَمَلِ بِتَوْقِيعٍ حَرَامٍ خَوْفًا عَلَى مَنْصِبِهِ، أَوْ تُجَامِلُ المَرْأَةُ صَدِيقَاتِهَا فِي حَفْلَةٍ بِارْتِكَابِ مُخَالَفَةٍ شَرْعِيَّةٍ خَوْفًا مِنْ لَوْمِهِنَّ، أَوْ يُوَافِقُ الرَّجُلُ جُلَسَاءَهُ عَلَى الغِيبَةِ وَالنَّمِيمَةِ كَيْ لَا يُقَالَ عَنْهُ "مُتَزَمِّتٌ".

القَاعِدَةُ النَّبَوِيَّةُ الفَاصِلَةُ:

لَقَدْ وَضَعَ لَنَا طَبِيبُ القُلُوبِ ﷺ قَاعِدَةً ذَهَبِيَّةً تَفْصِلُ فِي هَذَا الأَمْرِ، وَتُرِيحُ القُلُوبَ مِنَ عَنَاءِ مُلَاحَقَةِ رِضَا البَشَرِ.

فَعَنْ أُمِّ المُؤْمِنِينَ عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا، قَالَتْ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ:

«مَنِ الْتَمَسَ رِضَا اللَّهِ بِسَخَطِ النَّاسِ كَفَاهُ اللَّهُ مُؤْنَةَ النَّاسِ، وَمَنِ الْتَمَسَ رِضَا النَّاسِ بِسَخَطِ اللَّهِ وَكَلَهُ اللَّهُ إِلَى النَّاسِ"»
(رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ).

تَأَمَّلُوا هَذِهِ الكَلِمَاتِ:

نَصِيحَةُ أُمِّ المُؤْمِنِينَ لِمُعَاوِيَةَ:

وَمِنْ رَوَائِعِ التَّارِيخِ، أَنَّ مُعَاوِيَةَ بْنَ أَبِي سُفْيَانَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ كَتَبَ إِلَى السَّيِّدَةِ عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا يَطْلُبُ مِنْهَا نَصِيحَةً وَيَقُولُ: "اكْتُبِي إِلَيَّ كِتَابًا تُوصِينِي فِيهِ، وَلا تُكْثِرِي عَلَيَّ".

«فَكَتَبَتْ إِلَيْهِ نَصِيحَةً مُوجَزَةً خَالِدَةً، ذَكَّرَتْهُ فِيهَا بِهَذَا الحَدِيثِ، وَقَالَتْ لَهُ: "فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: مَنِ الْتَمَسَ رِضَا اللَّهِ بِسَخَطِ النَّاسِ كَفَاهُ اللَّهُ مُؤْنَةَ النَّاسِ، وَمَنِ الْتَمَسَ رِضَا النَّاسِ بِسَخَطِ اللَّهِ وَكَلَهُ اللَّهُ إِلَى النَّاسِ، وَالسَّلَامُ عَلَيْكَ".»

عَلِمَتْ أُمُّنَا عَائِشَةُ أَنَّ هَذَا هُوَ جِمَاعُ الخَيْرِ لِلْحَاكِمِ وَالمَحْكُومِ؛ أَلَّا يَخَافَ فِي اللهِ لَوْمَةَ لَائِمٍ.

رِضَا النَّاسِ غَايَةٌ لَا تُدْرَكُ:

أَيُّهَا السَّادَةُ الكِرَامُ، يَقُولُ الإِمَامُ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللهُ: "رِضَا النَّاسِ غَايَةٌ لَا تُدْرَكُ، وَرِضَا اللهِ غَايَةٌ لَا تُتْرَكُ، فَاتْرُكْ مَا لَا يُدْرَكُ، وَأَدْرِكْ مَا لَا يُتْرَكُ".

مَهْمَا حَاوَلْتَ أَنْ تُرْضِيَ الجَمِيعَ فَلَنْ تَسْتَطِيعَ. فَهَذَا يَرْضَى وَذَاكَ يَغْضَبُ، وَهَذَا يَمْدَحُ وَذَاكَ يَذُمُّ. فَإِذَا كَانَ الأَمْرُ كَذَلِكَ، فَلِمَاذَا تُتْعِبُ نَفْسَكَ وَتُغْضِبُ رَبَّكَ؟

اجْعَلْ هَمَّكَ هَمًّا وَاحِدًا، يَكْفِكَ اللهُ سَائِرَ الهُمُومِ.

كَيْفَ نُطَبِّقُ هَذَا فِي حَيَاتِنَا؟

خِتَامًا:

إِنَّ مَنْ خَافَ اللهَ أَخَافَ اللهُ مِنْهُ كُلَّ شَيْءٍ، وَمَنْ خَافَ النَّاسَ أَخَافَهُ اللهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ.

فَاللَّهُمَّ اجْعَلْنَا مِمَّنْ آثَرَ رِضَاكَ، وَسَعَى لِتَقْوَاكَ، وَلَا تَكِلْنَا إِلَى أَنْفُسِنَا وَلَا إِلَى أَحَدٍ مِنْ خَلْقِكَ طَرْفَةَ عَيْنٍ.

وَبِاللهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ.