خواطر على درب النجاح والتزكية

بقلم فضيلة الشيخ أحمد إسماعيل الفشني

عودة للمكتبة
مقدمة الكتاب

المقدمة

الحَمْدُ للهِ الَّذِي جَعَلَ فِي تَقَلُّبِ الأَيَّامِ عِبْرَةً لِلْمُعْتَبِرِينَ، وَفِي سِيَرِ الصَّالِحِينَ مَنَارَةً لِلسَّالِكِينَ، وَجَعَلَ تَزْكِيَةَ النُّفُوسِ سَبِيلَ الفَلَاحِ فِي الدُّنْيَا وَالدِّينِ. وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى إِمَامِ المُتَّقِينَ، وَقُدْوَةِ النَّاجِحِينَ، سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ، الَّذِي بَعَثَهُ اللهُ لِيُتَمِّمَ مَكَارِمَ الأَخْلَاقِ، وَيَأْخُذَ بِأَيْدِي الخَلْقِ إِلَى رَبِّ الخَلَّاقِ، وَعَلَى آلِهِ الطَّيِّبِينَ الطَّاهِرِينَ، وَصَحْبِهِ الغُرِّ المَيَامِينَ، وَمَنْ تَبِعَهُمْ بِإِحْسَانٍ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ.

وَبَعْدُ: فَإِنَّنَا نَعِيشُ فِي زَمَنٍ تَسَارَعَتْ فِيهِ الأَحْدَاثُ، وَتَشَعَّبَتْ بِالنَّاسِ السُّبُلُ، وَطَغَتِ المَادِيَّةُ عَلَى كَثِيرٍ مِنْ مَنَاحِي الحَيَاةِ، حَتَّى بَاتَ الإِنْسَانُ يَلْهَثُ خَلْفَ النَّجَاحِ الدُّنْيَوِيِّ، وَقَدْ يَغْفُلُ فِي خِضَمِّ ذَلِكَ عَنْ غِذَاءِ رُوحِهِ وَسَلَامَةِ قَلْبِهِ.

وَمِنْ هُنَا، جَاءَتْ هَذِهِ "الخَوَاطِرُ"؛ لِتَكُونَ مَحَطَّةً يَلْتَقِطُ فِيهَا المُؤْمِنُ أَنْفَاسَهُ، وَيُعِيدُ فِيهَا تَرْتِيبَ أَوْلَوِيَّاتِهِ. إِنَّهَا مُحَاوَلَةٌ لِلْجَمْعِ بَيْنَ الحُسْنَيَيْنِ: "نَجَاحُ السَّعْيِ فِي الأَرْضِ" بِالأَخْذِ بِأَسْبَابِ التَّخْطِيطِ وَإِدَارَةِ الوَقْتِ وَالتَّفَاؤُلِ، وَ "فَلَاحُ الرُّوحِ فِي السَّمَاءِ" عَبْرَ تَزْكِيَةِ القَلْبِ، وَتَصْحِيحِ العَقِيدَةِ، وَالتَّعَلُّقِ بِجَنَابِ النُّبُوَّةِ الشَّرِيفَةِ.

فِي هَذَا الكِتَابِ، نَطُوفُ مَعًا فِي رِيَاضٍ مُتَنَوِّعَةٍ؛ فَتَارَةً نَجْلِسُ فِي حَضْرَةِ الحَبِيبِ المُصْطَفَى ﷺ نَتَلَمَّسُ جَمَالَ أَخْلَاقِهِ وَمُعْجِزَاتِهِ، وَتَارَةً نَغُوصُ فِي أَعْمَاقِ النَّفْسِ لِنُعَالِجَ أَمْرَاضَهَا مِنْ قَلَقٍ وَيَأْسٍ، وَتَارَةً نَضَعُ أَقْدَامَنَا عَلَى سُلَّمِ النَّجَاحِ العَمَلِيِّ مُسْتَلْهِمِينَ ذَلِكَ مِنْ قِيَمِنَا الإِسْلَامِيَّةِ الرَّصِينَةِ.

لَسْتُ فِي هَذِهِ السُّطُورِ إِلَّا نَاصِحًا أَمِينًا، وَأَخًا مُحِبًّا، يَرْجُو لِنَفْسِهِ وَلِإِخْوَانِهِ النَّجَاةَ وَالفَوْزَ. فَ مَا كَانَ فِيهِ مِنْ صَوَابٍ فَمِنَ اللهِ وَحْدَهُ، وَمَا كَانَ مِنْ زَلَلٍ فَمِنْ نَفْسِي وَالشَّيْطَانِ.

أَسْأَلُ اللهَ العَلِيَّ القَدِيرَ أَنْ يَجْعَلَ هَذَا العَمَلَ خَالِصًا لِوَجْهِهِ الكَرِيمِ، وَأَنْ يَنْفَعَ بِهِ كُلَّ مَنْ قَرَأَهُ، وَأَنْ يَجْعَلَهُ ذُخْرًا لَنَا يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ إِلَّا مَنْ أَتَى اللهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ.

وَبِاللهِ التَّوْفِيقُ.

الشيخ/ أحمد إسماعيل الفشني

القاهره في ١١-١٢-٢٠٢٥م

البَابُ الأَوَّلُ
خاطرة 1

مَوْلِدُ النُّورِ

الحمد لله رب العالمين، وصلاة وسلامًا على سيدي رسول الله وآله وصحبه ومن والاه واتبع هداه، وبعد؛

أيها السادة الكرام: إن من أعظم الأيام في تاريخ البشرية يوم وُلد فيه خير الأنام، سيدنا محمد ﷺ، ذلك الميلاد الذي لم يكن كسائر الميلادات، بل كان ميلاد النور، ومبعث الرحمة، وفجرًا جديدًا أشرق على الدنيا فأخرجها من ظلمات الجهل إلى أنوار الهداية.

لقد شاء الله تعالى أن يكون مولد النبي ﷺ في عام الفيل، العام الذي حفظ الله فيه بيته الحرام من بطش الأعداء، وكأنها كانت إرهاصات وإشارات ربانية أن حدثًا عظيمًا سيغير وجه الأرض ويبدل مسار التاريخ. يقول الله تعالى:

﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء: 107]، فجاء النبي ﷺ حقًا رحمة عامة شملت القريب والبعيد، والإنس والجن، بل والكون كله.
أيها السادة الكرام: لقد ولد الحبيب المصطفى ﷺ يتيمًا، فعاش حياة مليئة بالابتلاءات لكن رعاها الله بعنايته، فشبّ على الصدق والأمانة حتى لُقب بالصادق الأمين، وكان ذلك إعدادًا له لحمل الأمانة الكبرى: أمانة الوحي والرسالة. ومع أول لحظة نزل فيها جبريل عليه السلام بالوحي، بدأ عهد جديد للبشرية، عهد يرفع الظلم، ويهدم الوثنية، وينشر العدل والمساواة، فكان ﷺ كما وصفه ربه: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ﴾ [التوبة: 128].

ولقد تجلت رحمته ﷺ في مواقفه العظيمة، فعندما جاءه الأعرابي فجذبه بردائه حتى أثّر في عنقه، ما كان منه إلا أن تبسم في وجهه وأمر له بعطاء. وعندما جاءه رجل يطلبه دينًا فغلظ عليه في الكلام، قال ﷺ لأصحابه: "دعوه فإن لصاحب الحق مقالا". فما أروعها من رحمة تتجلى في قلب قائد لم يعرف التاريخ له مثيلًا.

وكذلك كان ﷺ أعدل الناس، لا يفرق بين قريب وبعيد في الحكم، فقد قال في شأن المرأة المخزومية التي سرقت: "والله لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها". فكان العدل عنده أصلًا راسخًا لا تحركه عاطفة القرابة ولا مصالح الدنيا.

أيها السادة الكرام: لقد عظّم السلف الصالح رضي الله عنهم شأن النبي ﷺ وذكراه، حتى قال سيدنا العباس عم النبي ﷺ في مدحه:

وأنتَ لمّا وُلِدتَ أشرَقَتِ الأرْضُ   ***   وضَاءَت بِنورِكَ الأفُقُ
فنَحنُ في ذلك الضِّياءِ وفي النُّورِ   ***   وسُبْلِ الرَّشادِ نَخْتَرِقُ

وكان سيدنا حسان بن ثابت رضي الله عنه يقول:

"وأحسن منك لم تر قط عيني، وأجمل منك لم تلد النساء،

خُلقت مبرأً من كل عيب، كأنك قد خُلقت كما تشاء".

وقال الإمام السهيلي رحمه الله: "وما أُشرقت الدنيا بيوم أعظم من يوم مولده ﷺ، ولا عرف التاريخ حادثًا أكرم على الله من بعثة هذا النبي الكريم".

فيا حسرتنا إن مرت بنا هذه الذكرى العظيمة ونحن غافلون عن صاحبها، منشغلون بالدنيا عما جاء من أجله؛ فإن مولده ﷺ لم يكن للفرح المجرد، وإنما ليكون دافعًا لنا لنقتدي بسنته، ونسير على نهجه، ونحمل رسالته للعالمين.

أيها السادة الكرام: فلنجعل من ذكرى المولد النبوي الشريف محطة للتزود بالإيمان، وتجديدًا للعهد مع سيد الأنام ﷺ، ولنكثر فيها من الصلاة والسلام عليه، امتثالًا لأمر الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ ۚ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب: 56].

فاللهم ‏صلي وسلم وبارك على سيدنا محمد الفاتح لما أغلق والخاتم لما سبق ناصر الحق بالحق ولا هادي إلى صراط المستقيم وعلى آله حق قدره ومقدار هذه العظيم

فهنيئًا لمن جعل هذه الذكرى بابًا للطاعة، وسبيلًا للاتباع، وتذكرةً بواجب الاقتداء بخير من مشى على الأرض ﷺ. وبالله تعالي التوفيق

خاطرة 2

حَازَ الْجَمَالَ فَمَا أَبْهَى مُحَيَّاهُ ﷺ

الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ الْخَلْقَ فَأَحْسَنَ خَلْقَهُ، وَاصْطَفَى مِنْ بَيْنِهِمْ سَيِّدَنَا وَنَبِيَّنَا مُحَمَّدًا فَجَعَلَهُ أَجْمَلَهُمْ وَأَكْمَلَهُمْ خُلُقًا. وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ الْأَتَمَّانِ الْأَكْمَلَانِ عَلَى مَنْ حَازَ الْجَمَالَ كُلَّهُ، فَكَانَ وَجْهُهُ أَضْوَأَ مِنَ الْقَمَرِ، وَكَلَامُهُ أَحْلَى مِنَ الشَّهْدِ، وَخُلُقُهُ أَعْظَمَ مَا وَصَفَ الْبَشَرُ، وَعَلَى آلِهِ وَأَصْحَابِهِ الْغُرِّ الْمَيَامِينِ وَمَنْ تَبِعَ هُدَاهُ وَاقْتَفَى أَثَرَهُ.

أَيُّهَا الْمُحِبُّونَ لِسَيِّدِنَا رَسُولِ اللهِ، أَيُّهَا الْمُشْتَاقُونَ لِرُؤْيَةِ طَلْعَتِهِ الْبَهِيَّةِ: إِنَّ الْحَدِيثَ عَنْ جَمَالِ سَيِّدِنَا النَّبِيِّ ﷺ لَيْسَ مُجَرَّدَ وَصْفٍ لِمَحَاسِنِهِ الظَّاهِرَةِ، بَلْ هُوَ عِبَادَةٌ نَتَقَرَّبُ بِهَا إِلَى اللهِ، وَغِذَاءٌ لِأَرْوَاحِنَا يَزِيدُنَا حُبًّا لَهُ وَشَوْقًا إِلَيْهِ. فَقَدْ جَمَعَ اللهُ لَهُ مِنْ كَمَالِ الصِّفَاتِ وَجَلَالِ الْهَيْئَةِ مَا لَمْ يَجْتَمِعْ لِأَحَدٍ مِنَ الْعَالَمِينَ. وَكَانَ جَمَالُهُ نَوْعَيْنِ: جَمَالًا خَلْقِيًّا يَأْسِرُ الْأَبْصَارَ، وَجَمَالًا خُلُقِيًّا يَسْبِي الْقُلُوبَ وَالْأَرْوَاحَ.

أَمَّا عَنْ جَمَالِهِ الْخَلْقِيِّ، فَقَدْ عَجِزَ الْوَاصِفُونَ عَنْ إِعْطَائِهِ حَقَّهُ، وَكَانَتْ أَقْوَالُ الصَّحَابَةِ الْكِرَامِ كَالنُّجُومِ تُحَاوِلُ أَنْ تَصِفَ شَمْسَ النَّهَارِ، وَإِلَيْكُمْ بَعْضًا مِنْ شَهَادَاتِهِمْ:

يَقُولُ سَيِّدُنَا الْبَرَاءُ بْنُ عَازِبٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ: "كَانَ سَيِّدُنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَحْسَنَ النَّاسِ وَجْهًا، وَأَحْسَنَهُمْ خَلْقًا". وَسُئِلَ مَرَّةً: "أَكَانَ وَجْهُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِثْلَ السَّيْفِ؟" قَالَ: "لَا، بَلْ مِثْلَ الْقَمَرِ".
وَيَقُولُ سَيِّدُنَا جَابِرُ بْنُ سَمُرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ: "رَأَيْتُ سَيِّدَنَا رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي لَيْلَةٍ إِضْحِيَانٍ (مُقْمِرَةٍ)، وَعَلَيْهِ حُلَّةٌ حَمْرَاءُ، فَجَعَلْتُ أَنْظُرُ إِلَيْهِ وَإِلَى الْقَمَرِ، فَلَهُوَ عِنْدِي أَحْسَنُ مِنَ الْقَمَرِ".
وَكَانَ وَجْهُهُ الشَّرِيفُ أَبْيَضَ مُشْرَبًا بِحُمْرَةٍ، كَأَنَّمَا صِيغَ مِنْ فِضَّةٍ، يَتَلَأْلَأُ نُورًا. يَقُولُ سَيِّدُنَا أَبُو هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ: "مَا رَأَيْتُ شَيْئًا أَحْسَنَ مِنْ سَيِّدِنَا رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، كَأَنَّ الشَّمْسَ تَجْرِي فِي وَجْهِهِ".
وَأَمَّا عَيْنَاهُ الشَّرِيفَتَانِ، فَكَانَتَا شَدِيدَتَيِ السَّوَادِ فِي شِدَّةِ الْبَيَاضِ، أَكْحَلَ دُونَ كُحْلٍ، طَوِيلَتَيِ الْأَهْدَابِ، إِذَا نَظَرَ إِلَيْكَ أَخَذَ بِمَجَامِعِ قَلْبِكَ.
وَكَانَ ﷺ وَاسِعَ الْفَمِ، جَمِيلَهُ، أَشْنَبَ الْأَسْنَانِ (أَيْ فِيهَا رِقَّةٌ وَتَحْدِيدٌ)، مُفَلَّجَهَا، إِذَا تَكَلَّمَ رُئِيَ كَالنُّورِ يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ ثَنَايَاهُ.
وَكَانَ طِيِّبَ الرَّائِحَةِ بِأَصْلِ خِلْقَتِهِ، يَقُولُ سَيِّدُنَا أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ: "مَا شَمَمْتُ عَنْبَرًا قَطُّ، وَلَا مِسْكًا، وَلَا شَيْئًا أَطْيَبَ مِنْ رِيحِ سَيِّدِنَا رَسُولِ اللَّهِ ﷺ".
وَتَصِفُهُ السَّيِّدَةُ أُمُّ مَعْبَدٍ الْخُزَاعِيَّةُ لِزَوْجِهَا فَتَقُولُ: "أَجْمَلَ النَّاسِ وَأَبْهَاهُ مِنْ بَعِيدٍ، وَأَحْلَاهُ وَأَحْسَنَهُ مِنْ قَرِيبٍ، حُلْوُ الْمَنْطِقِ، لَا نَزْرٌ وَلَا هَذَرٌ (أَيْ لَا قَلِيلٌ وَلَا كَثِيرٌ)، كَأَنَّ مَنْطِقَهُ خَرَزَاتُ نَظْمٍ يَتَحَدَّرْنَ".
هَذَا الْجَمَالُ الظَّاهِرُ، لَمْ يَكُنْ إِلَّا عُنْوَانًا لِجَمَالٍ بَاطِنٍ أَعْظَمَ وَأَكْمَلَ. فَجَمَالُ الْخُلُقِ هُوَ الْأَصْلُ، وَقَدْ شَهِدَ لَهُ بِهِ رَبُّهُ مِنْ فَوْقِ سَبْعِ سَمَاوَاتٍ فَقَالَ: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ (الْقَلَم: 4). وَمِنْ بَحْرِ أَخْلَاقِهِ الْعَظِيمَةِ نَغْتَرِفُ:
* رَحْمَتُهُ الَّتِي وَسِعَتِ الْعَالَمِينَ: فَلَمْ تَكُنْ رَحْمَتُهُ مَقْصُورَةً عَلَى أَصْحَابِهِ، بَلْ شَمِلَتْ أَعْدَاءَهُ، وَشَمِلَتِ الْإِنْسَانَ وَالْحَيَوَانَ وَالْجَمَادَ. هُوَ الَّذِي قَالَ لَهُ رَبُّهُ: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ﴾. وَحِينَ آذَاهُ أَهْلُ الطَّائِفِ، قَالَ قَوْلَتَهُ الرَّحِيمَةَ: "بَلْ أَرْجُو أَنْ يُخْرِجَ اللَّهُ مِنْ أَصْلَابِهِمْ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ وَحْدَهُ لَا يُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا".
تَوَاضُعُهُ الْجَمُّ وَهُوَ سَيِّدُ الْخَلْقِ: كَانَ يَخْصِفُ نَعْلَهُ، وَيَرْقَعُ ثَوْبَهُ، وَيَحْلُبُ شَاتَهُ، وَيَكُونُ فِي مِهْنَةِ أَهْلِهِ.
حِلْمُهُ الَّذِي يَسْبِقُ غَضَبَهُ: وَمِنْ أَعْظَمِ الْقِصَصِ قِصَّةُ الْأَعْرَابِيِّ الَّذِي جَذَبَهُ مِنْ رِدَائِهِ حَتَّى أَثَّرَ فِي عُنُقِهِ الشَّرِيفِ، فَمَا زَادَ سَيِّدُنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ عَلَى أَنْ الْتَفَتَ إِلَيْهِ فَضَحِكَ، ثُمَّ أَمَرَ لَهُ بِعَطَاءٍ.
حَيَاؤُهُ الشَّدِيدُ: يَقُولُ سَيِّدُنَا أَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيُّ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ: "كَانَ سَيِّدُنَا النَّبِيُّ ﷺ أَشَدَّ حَيَاءً مِنَ الْعَذْرَاءِ فِي خِدْرِهَا، وَكَانَ إِذَا كَرِهَ شَيْئًا عَرَفْنَاهُ فِي وَجْهِهِ".
شَجَاعَتُهُ الَّتِي لَا تُضَاهَى: يَقُولُ سَيِّدُنَا عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ وَهُوَ مِنْ أَبْطَالِ الْأُمَّةِ: "كُنَّا إِذَا احْمَرَّ الْبَأْسُ وَلَقِيَ الْقَوْمُ الْقَوْمَ، اتَّقَيْنَا بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَمَا يَكُونُ مِنَّا أَحَدٌ أَدْنَى مِنَ الْقَوْمِ مِنْهُ".

أَيُّهَا السَّادَةُ الْكِرَامُ: لِكَيْ نَنَالَ شَرَفَ الْقُرْبِ مِنْ هَذَا الْجَمَالِ وَنَسْتَنِيرَ بِهِ، عَلَيْنَا أَنْ:

نُكْثِرَ مِنَ الصَّلَاةِ عَلَيْهِ: فَكُلَّمَا صَلَّيْنَا عَلَيْهِ، زَادَنَا اللهُ قُرْبًا مِنْهُ وَنُورًا مِنْ نُورِهِ.
نَقْرَأَ فِي شَمَائِلِهِ: فَإِنَّ قِرَاءَةَ سِيرَتِهِ وَصِفَاتِهِ تُحْيِي الْقُلُوبَ وَتُعَلِّقُهَا بِهِ.
نَتَخَلَّقَ بِأَخْلَاقِهِ: فَالْحُبُّ الْحَقِيقِيُّ هُوَ الِاتِّبَاعُ، وَمَنْ أَحَبَّ سَيِّدَنَا النَّبِيَّ ﷺ صِدْقًا، سَعَى جَاهِدًا لِيَتَشَبَّهَ بِهِ فِي رَحْمَتِهِ وَحَيَائِهِ وَشَجَاعَتِهِ.

إِنَّ جَمَالَ سَيِّدِنَا النَّبِيِّ ﷺ آيَةٌ مِنْ آيَاتِ اللهِ، وَمِنْحَةٌ مِنْ رَبِّ الْأَرْضِ وَالسَّمَاءِ. فَاللَّهُمَّ كَمَا حَسَّنْتَ خَلْقَ سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ فَحَسِّنْ أَخْلَاقَنَا، وَارْزُقْنَا اتِّبَاعَهُ ظَاهِرًا وَبَاطِنًا، وَاحْشُرْنَا فِي زُمْرَتِهِ، وَاسْقِنَا مِنْ يَدِهِ الشَّرِيفَةِ شَرْبَةً هَنِيئَةً لَا نَظْمَأُ بَعْدَهَا أَبَدًا، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ.

خاطرة 3

احْتِفَالٌ بِحُبِّ النَّبِيِّ: رُؤْيَةٌ شَرْعِيَّةٌ لِلْمَوْلِدِ النَّبَوِيِّ الشَّرِيفِ

الحمد لله رب العالمين، وصلاة وسلاما على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه واتبع هداه.

في كل عام، يهل علينا شهر ربيع الأول، ومعه تتجدّد القلوب شوقًا وحبًا لسيدنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم. يحتفل المسلمون في شتى بقاع الأرض بذكرى مولده الشريف، وهو احتفالٌ يثير العديد من التساؤلات حول حكمه الشرعي. وقد أوضحت الكثير من الآراء الشرعية أن الاحتفال بالمولد النبوي هو أمرٌ مشروعٌ ومستحبّ.

ولبيان حكم الاحتفال بالمولد النبوي أقول: ان الاحتفال بالمولد النبوي هو من الأمور التي تدخل في إطار "المندوبات"، أي الأعمال المستحبة التي يُثاب فاعلها ولا يُعاقب تاركها. هذا الاحتفال ليس مجرد عادة، بل هو تعبير عن الحب والتقدير للرسول الكريم. وأري أن الاحتفال يندرج تحت مظلة الفرح والابتهاج بنعمة إرسال النبي، وهو أمرٌ حثّ عليه القرآن الكريم في قوله تعالى: "قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَٰلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ" (يونس: 58).

كيف يكون الاحتفال الصحيح؟

الاحتفال بالمولد النبوي ليس مجرد شراء الحلوى أو إقامة الولائم، وإنما هو فرصة للتذكير بسيرة النبي العطرة وأخلاقه الرفيعة. ومن السلوكيات المستحبة للاحتفال:

كثرة الصلاة على النبي: يعتبر هذا الفعل من أفضل القربات، فبها تتجدّد العهود والمحبة مع النبي.
قراءة السيرة النبوية: لنتعلم من قصص حياته وشمائله، لنقتدي به في كل شأن من شؤوننا.
إطعام الطعام والصدقات: وهو عملٌ صالح يعكس كرم أخلاق المسلمين وحرصهم على مساعدة المحتاجين.
إقامة المجالس الدينية: للاستماع إلى الدروس والمواعظ والقصائد التي تُبيّن فضائل النبي وتُشرح سيرته وترشد الي أخلاقه.

محبة السلف الصالح وتقديرهم للنبي : لم يكن الاحتفال بالمولد قاصرًا على العصور المتأخرة، بل كان الحب للنبي متجذرًا في قلوب الصحابة والتابعين. ومن هذه النماذج المضيئة التي استغلت أوقاتها في ذكر النبي وتعظيمه:

الحسن البصري: كان يحث الناس على استغلال أوقاتهم في الطاعة والعبادة. ويقول: "يا ابن آدم، إنما أنت أيام، فإذا ذهب يومك ذهب بعضك". وكان يقول: "يا ابن آدم، نهارك ضيفك، فأحسن إليه؛ فإنك إن أحسنت إليه ارتحل بحمدك، وإن أسأت إليه ارتحل بذمك".
عروة بن الزبير: كان يجمع الناس في بيته ليحدّثهم عن سيرة النبي، ويُظهر لهم معجزاته ومواقفه العظيمة، فيُشيع فيهم الشوق والحب للنبي.
وأحد السلف الصالح: نقل عنه أنه كان يقول: "ما ندمت على شيء ندمي على يوم انقضى نقص في أجلي ولم يزدد فيه عملي".

هذه النماذج العظيمة من السلف الصالح لم تكن تضيع أوقاتها، بل كانت تجعل ذكر النبي وسيرته جزءًا من حياتها اليومية، حتى في أبسط الأمور. فقد نُقل عن بعضهم أنه كان يأكل الفتات بدلًا من الخبز، ولما سُئل عن السبب، قال: "لأن بين أكل الخبز وشرب الفتات مقدار قراءة 50 آية من القرآن الكريم". وهذا يدل على مدى حرصهم على استغلال كل لحظة في طاعة الله.

البوصيري والمولد النبوي: وقد أبدع الشعراء في مدح النبي، ومن أبرزهم الإمام البوصيري في "البردة"، حيث عبّر عن حبه وشوقه له بأروع الكلمات، ومنها ما قاله في وصف المولد الشريف:

"يَوْمٌ تَفَرَّسَ فِيهِ الْفُرْسُ أَنَّهُمُ … قَدْ أُنْذِرُوا بِحُلُولِ الْبُؤْسِ وَالنِّقَمِ" (اليوم الذي ولد فيه النبي، هو يوم أدرك فيه الفرس أن الشر قد أتاهم).
"وَحَاجَرَتْ سَاوَةَ خَوَى فِيهَا الْحَصَى…وَجَاءَتْ فِرْيَةٌ بِالْفَتْحِ وَالْكَرَمِ" (والذي حدث فيه أن بحيرة ساوة قد جفت، وأن الحق قد جاء والكرامة).

وفي الختام، يظل الاحتفال بالمولد النبوي فرصة لتجديد الروابط الروحية مع النبي الكريم، ليس من خلال الشعائر وفقط، وإنما بالتمسّك بسنته وأخلاقه في حياتنا اليومية. إنه احتفالٌ بالرحمة المهداة، وبالنور الذي أضاء ظلمات الجهل، وبالهدي الذي قوّم اعوجاج النفوس، صلي الله علي حضرته وآل بيته أجمعين.

خاطرة 4

كِتَابُ الكَوْنِ المَفْتُوحُ: مُعْجِزَاتُ سَيِّدِنَا الرَّسُولِ ﷺ. الحمدُ للَّهِ عَزَّ وَجَلَّ الذي أيَّدَ أنبياءَهُ بالبَيِّناتِ والمعجزاتِ، والصَّلاةُ والسَّلامُ على نبيِّنا وحبيبِنا سَيِّدِنَا مُحمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، خَيْرِ مَنْ أُرسِلَ بالآياتِ والبُرهانِ، وعلى آلِهِ وصحبِهِ الأطهارِ.

أيُّها السادةُ الكرامُ : إنَّ النُّفوسَ البشريةَ مُفطورةٌ على طَلَبِ الدَّليلِ والرُّكونِ إلى البُرهانِ. ولَمَّا كانَ العقلُ البشريُّ لا يَستطيعُ إدراكَ حقيقةِ الوحيِ بمُجرَّدِ الفِكرِ، كانَ مِنْ كَرَمِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ على أصفياءِ خلقِهِ مِنْ الأنبياءِ والمُرسَلينَ، أنْ أيَّدَهُم بِخوارقَ للعادةِ، لا تَصدُرُ إلَّا مِنَ المُؤَيَّدِ بالوحيِ والإذنِ الإلهيِّ، وهي التي نُسمِّيها "المُعجِزاتُ". وهذهِ المُعجِزاتُ ليستْ مُجرَّدَ قصصٍ لِتُروى، بل هي مَدارِجُ لليقينِ وبراهينُ ساطعةٌ تَدُلُّ على صِدقِ سَيِّدِنَا رسولِ اللَّهِ ﷺ، وتَرْسُو بالإيمانِ في قُلوبِ أهلِ البَصائرِ.

أولاً: مُعجِزَةُ النُّورِ الخَالِدَةُ (القُرآنُ العَظِيمُ) لا شَكَّ أنَّ أعظمَ مُعجِزاتِ سَيِّدِنَا رسولِ اللَّهِ ﷺ، وأخلَدَها أثَراً وبُرهاناً، هو هذا الكِتابُ المُبِينُ؛ القُرآنُ الكريمُ. وفي هذا تفوُّقٌ وكمالٌ لدعوةِ نبيِّنا، فبينما كانتْ مُعجِزاتُ الأنبياءِ السَّابِقينَ حِسِّيَّةً ومُؤقَّتةً، كانتْ مُعجِزَتُهُ ﷺ عَقْلِيَّةً وَخَالِدَةً.

إنَّ وجهَ الإعجازِ في القرآنِ يَتجلَّى في مَحاوِرَ تُؤكِّدُ أنَّهُ ليسَ مِنْ جُهدِ بَشَرٍ:

الإعجازُ اللُّغَوِيُّ والبَلاغِيُّ: فَهوَ تحدٍّ لِأفصَحِ وأبلَغِ العربِ في عَصْرِهِم أنْ يأتُوا بِسُورةٍ مِنْ مِثلِهِ.
الإعجازُ التَّشْرِيعِيُّ: بما تضمَّنَهُ من عُلومٍ وأخبارٍ وحِكَمٍ، وقواعدَ وأُصولٍ لِأحكامِ العدلِ والرحمةِ، صالحةٍ لكلِّ زمانٍ ومكانٍ.
الإعجازُ الْغَيْبِيُّ: وهو ما أَخبرَ بِهِ القُرآنُ مِنْ أحداثٍ وقعَتْ في الماضي أو ستقعُ في المُستقبلِ، وقد تَحقَّقَتْ كما أُخبِرَ بها.

وقَدْ أشارَ الإمامُ البُوصِيرِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ في البابِ الخامسِ مِنْ بُردتِهِ إلى عُمومِ هذهِ المعجزاتِ وبَدَائِعِها، فقالَ:

دَعْنِي وَوَصْفِي آيَاتٍ لَهُ ظَهَرَتْ   ***   ظُهُورَ نَارِ الْقِرَى لَيْلاً عَلَى عَلَمِ

فالمُعجِزةُ ظاهرةٌ كظُهورِ نارِ الكَرَمِ الَّتي يَهْتَدي بها السَّائِرُ ليلاً.

ثانياً: البَرَاهِينُ الحِسِّيَّةُ (تَصَرُّفٌ بِقُدْرَةِ اللَّهِ)

لم تَقتصِرِ البراهينُ على القُرآنِ فحسب، بل شَهِدَتْ لَهُ الطبيعةُ الجامدةُ والمخلوقاتُ الحيَّةُ، والمَنهَجُ في تَلَقِّي هذهِ القَصَصِ هو الإيمانُ بأنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ هو خالقُ السَّبَبِ والمُسَبَّبِ، وأنَّهُ أجرى هذهِ الخوارقَ على يَدِ نبيِّهِ تأييداً لِدَعْوَتِهِ.

مُعجِزَةُ انْشِقَاقِ الْقَمَرِ:
وهي من أعظمِ آياتِ اللَّهِ تَعَالَى لِـ سَيِّدِنَا رسولِ اللَّهِ ﷺ، وقد طَلَبَها الكُفَّارُ مُتَعنِّتينَ، فَشَقَّ اللَّهُ تَعَالَى القمرَ فِلْقَتَيْنِ، فِلْقَةً فَوْقَ جَبَلٍ وفِلْقَةً أُخرى، إِذْ قَالَ القُرآنُ: ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ﴾. وهذهِ الآيةُ العُظمَى هي بُرهانٌ قاطعٌ بأنَّ الكون بأسْرِهِ مُسخَّرٌ بِأمرِ النُّبوَّةِ.
مُعجِزَةُ نَبْعِ المَاءِ مِنْ كَفِّهِ الشَّرِيفَةِ:

تَتجلَّى رَحمةُ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ ونُصرتُهُ لنبيِّهِ في مواقفَ الضِّيقِ. ففي صُلحِ الحُدَيْبِيَةِ، أصابَ الصَّحابةَ الكرامَ عَطشٌ شديدٌ، وكانَ عَدَدُهم كبيراً. فإذا بـ سَيِّدُنَا رسولِ اللَّهِ ﷺ يَضَعُ كَفَّهُ الشَّريفةَ في إناءٍ، فَوَجَدَ الصحابةُ أنَّ الماءَ يَنْبُعُ ويتدفَّقُ مِنْ بينِ أصابِعِهِ الشَّريفةِ، حتَّى شَرِبَ القومُ كُلُّهم وتَوَضَّؤُوا. هذه القصةُ رواها البخاريُّ ومسلمٌ، وهي من أصحِّ الدَّلائلِ.

مُعجِزَةُ تَكْثِيرِ الطَّعَامِ:

كما أنَّ الماءَ نَبَعَ، كذلكَ الطَّعامُ تَبارَكَ وتضاعَفَ بِبَرَكةِ يَدِهِ الشَّريفةِ. فقد كانَ سَيِّدُنَا جابرُ بنُ عبدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَروي قصصاً عجيبةً في غزوةِ الخندقِ، حينَ أَشْبَعَ سَيِّدُنَا رسولُ اللَّهِ ﷺ جَيشاً كاملاً مِنْ طَعامٍ لا يَكفِي لِشَخصينِ، بِمُجرَّدِ دُعائِهِ ومُبارَكَتِهِ فيهِ، وهو دليلٌ على سُخاءِ المَدَدِ الإلهيِّ.

ثالثاً: المَنْهَجُ التَّرْبَوِيُّ فِي قِرَاءَةِ الْمُعْجِزَاتِ

إنَّ التأمُّلَ في معجزاتِ سَيِّدِنَا رسولِ اللَّهِ ﷺ لَيسَ تَرَفاً تاريخياً، بل هو مَنهَجٌ تَرْبَوِيٌّ يُقوِّي الرُّوحَ ويَزيدُ من اليَقينِ.

المُعْجِزَةُ دَلِيلٌ على الكَمَالِ: إنَّ أهلَ البصائرِ يُدركونَ أنَّ هذهِ الخوارقَ هي انعكاسٌ لِكَمَالِ المُتصَلِ بهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وأنَّ كَراماتِ الصحابةِ الكرامِ والسَّلَفِ الصالحِ ما هي إلَّا نُقطةٌ مِنْ بحرِ كَراماتِهِ.
النَّصِيحَةُ العَمَلِيَّةُ: اجعَلوا مُعجزاتِ نبيِّكم دافعاً لزيادةِ المَحبَّةِ والاتِّباعِ، فكلَّما عَظَّمتُم الدَّليلَ، عَظُمَ المَدْلُولُ عَليهِ في قُلوبِكم، وتَحوَّلَتْ القِصَّةُ إلى يَقينٍ يُضيءُ دُروبَ الحياةِ.

فيكفينا شَرَفاً أنَّنا أتباعُ نبيٍّ كانتْ مُعجِزَتُهُ الخالدةُ هي كِتابُنا الذي بينَ أيدِينا، وباللهِ تعالى التوفيقُ.

خاطرة 5

الشَّوْقُ إلى الْحَبِيبِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: غَايَةُ الْمُحِبِّينَ

الْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى سَيِّدِنَا وَقُدْوَتِنَا مُحَمَّدٍ، رَحْمَةِ اللهِ لِلْعَالَمِينَ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَمَنْ سَارَ عَلَى دَرْبِهِ وَاهْتَدَى بِهَدْيِهِ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ، وَبَعْدُ؛

أَيُّهَا السَّادَةُ الْكِرَامُ: لَا يَكْتَمِلُ إِيِمَانُ الْمُؤْمِنِ إِلَّا بِمَحَبَّةِ سَيَّدًنَا رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَلَا تَصْدُقُ هَذِهِ الْمَحَبَّةُ إِلَّا بِالشَّوْقِ الْحَقِيقِيِّ إِلَيْهِ. إِنَّهُ شَوْقٌ لَا تَقْتُلُهُ الْمَسَافَاتُ وَلَا تُخْفِيهِ السُّنُونَ، بَلْ هُوَ وَقُودٌ يَزِيدُ اشْتِعَالًا مَعَ كُلِّ صَلَاةٍ عَلَيْهِ، وَمَعَ كُلِّ سُنَّةٍ نَتْبَعُهَا مِنْ سُنَنِهِ، فَكَيْفَ لَا نَشْتَاقُ لِمَنْ كَانَ أَكْمَلَ النَّاسِ خُلُقًا وَأَحْسَنَهُمْ صِفَةً؟ كَيْفَ لَا نَشْتَاقُ لِمَنْ جَاءَ لِيُخْرِجَ الْبَشَرِيَّةَ مِنْ ظُلُمَاتِ الشِّرْكِ إِلَى نُورِ التَّوْحِيدِ؟

الشَّوْقُ فِي حَيَاةِ الصَّحَابَةِ: أَصْدَقُ نَمَاذِجِ الْمَحَبَّةِ: إِنَّ تَارِيخَ الْإِسْلَامِ مَلِيءٌ بِقَصَصِ الشَّوْقِ الْعَظِيمِ مِنْ اٌلصَّحَابَةِ إِلَى سَيَّدًنَا رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَهِيَ قَصَصٌ تَدُلُّ عَلَى عُمْقِ التَّعَلُّقِ وَصِدْقِ الْمَحَبَّةِ:

شَوْقُ بِلَالٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ: بَعْدَ وَفَاةِ سَيَّدًنَا النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، لَمْ يَطِقْ بِلَالٌ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ الْبَقَاءَ فِي الْمَدِينَةِ، فَسَافَرَ إِلَى الشَّامِ. وَعِنْدَمَا زَارَ الْقُدْسَ، رَآهُ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ وَطَلَبَ مِنْهُ أَنْ يُؤَذِّنَ. وَعِنْدَمَا شَرَعَ فِي الْأَذَانِ، وَقَالَ "أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ"، خَنَقَتْهُ الْعَبْرَةُ وَلَمْ يَسْتَطِعْ أَنْ يُكْمِلَ، فَبَكَى النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِ لِشَوْقِهِمْ إِلَى سَيَّدًنَا النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَبَكَى عُمَرُ حَتَّى اخْضَلَّتْ لِحْيَتُهُ.
عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ: قَالَ عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ: "مَا كَانَ أَحَدٌ أَحَبَّ إِلَيَّ مِنْ رَسُولِ اللهِ، وَلَا أَجَلَّ فِي عَيْنَيَّ مِنْهُ، وَمَا كُنْتُ أُطِيقُ أَنْ أَمْلَأَ عَيْنَيَّ مِنْهُ إِجْلَالًا لَهُ". كَانَ شَوْقُهُ وَإِجْلَالُهُ يَمْنَعُهُ مِنْ الْإِكْثَارِ مِنَ النَّظَرِ إِلَيْهِ، لِأَنَّ حُبَّهُ لَهُ كَانَ حُبَّ تَبْجِيلٍ وَتَعْظِيمٍ.
ثَوْبَانُ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ: كَانَ ثَوْبَانُ مَوْلَى سَيَّدًنَا رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ شَدِيدَ الْحُبِّ لَهُ. فَذَاتَ يَوْمٍ أَتَاهُ شَاحِبَ اللَّوْنِ، فَسَأَلَهُ النَّبِيُّ: "مَا الَّذِي غَيَّرَ لَوْنَكَ؟" فَقَالَ ثَوْبَانُ: "يَا رَسُولَ اللهِ، مَا بِي مِنْ مَرَضٍ، وَلَكِنْ لَمَّا لَمْ أَرَكَ اشْتَقْتُ إِلَيْكَ، ثُمَّ تَفَكَّرْتُ فِي الْآخِرَةِ، فَخَشِيتُ أَنْ لَا أَرَاكَ فِي الْجَنَّةِ، لِأَنَّ مَنْزِلَتَكَ فَوْقَ مَنْزِلَتِي". فَأَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى قَوْلَهُ: "وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِم مِّنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ ۚ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا".

كَيْفَ نُعَبِّرُ عَنْ شَوْقِنَا فِي زَمَنِنَا؟

إِنَّ الشَّوْقَ لَيْسَ مُجَرَّدَ دَمْعَةٍ تُذْرَفُ، بَلْ هُوَ عَمَلٌ يُقَدَّمُ، وَقَدْ قَالَ سَيَّدًنَا رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "لَوْدِدْتُ أَنَّا قَدْ رَأَيْنَا إِخْوَانَنَا" فَقَالَ الصَّحَابَةُ: "أَوَلَسْنَا إِخْوَانَكَ يَا رَسُولَ اللهِ؟" قَالَ: "بَلْ أَنْتُمْ أَصْحَابِي، وَإِخْوَانُنَا الَّذِينَ لَمْ يَأْتُوا بَعْدُ". وَهَذَا شَوْقٌ مِنْهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَيْنَا. فَلْنُرِهِ أَنَّنَا أَهْلٌ لِهَذَا الشَّوْقِ بِأَفْعَالِنَا:

كَثْرَةُ الصَّلَاةِ وَالسَّلَامِ عَلَيْهِ: قَالَ تَعَالَى: "إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ ۚ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا". فَاجْعَلْ لِسَانَكَ رَطْبًا بِالصَّلَاةِ عَلَيْهِ، فَهِيَ بَابُ الْوِصَالِ وَسَبَبُ الْقُرْبِ.
اتِّبَاعُ سُنَّتِهِ الْعَطِرَةِ: الشَّوْقُ الصَّادِقُ يَتَرْجَمُ إِلَى سُلُوكٍ. فَأَحْيِ سُنَّتَهُ فِي حَيَاتِكَ، فِي صَلَاتِكَ وَصِيَامِكَ، فِي مُعَامَلَاتِكَ وَأَخْلَاقِكَ. فَكُلُّ سُنَّةٍ تُحْيِيهَا هِيَ دَلِيلٌ عَلَى شَوْقِكَ.
قِرَاءَةُ سِيرَتِهِ وَفَهْمُهَا: لَا يُمْكِنُ أَنْ تَشْتَاقَ بِحَقٍّ إِلَى مَنْ لَا تَعْرِفُهُ. فَاقْرَأْ عَنْ شَمَائِلِهِ، وَعَنْ صَبْرِهِ، وَعَنْ رَحْمَتِهِ، وَعَنْ قُوَّتِهِ وَعَدْلِهِ. فَفِي قِرَاءَةِ سِيرَتِهِ تَجْدِيدٌ لِلْعَهْدِ وَإِطْفَاءٌ لِظَمَأِ الشَّوْقِ.
تَعْرِيفُ النَّاسِ بِرِسَالَتِهِ: كُنْ دَاعِيَةً لِأَخْلَاقِهِ وَقِيَمِهِ. فَإِذَا أَحْبَبْتَ شَيْئًا تَمَنَّيْتَ أَنْ يُحِبَّهُ النَّاسُ مِثْلَكَ. وَكُلُّ دَعْوَةٍ إِلَى خَيْرٍ أَوْ نَهْيٍ عَنْ شَرٍّ بِالْحِكْمَةِ هِيَ امْتِدَادٌ لِرِسَالَتِهِ الْخَالِدَةِ.

الْخَاتِمَةُ: لِقَاءٌ عَلَى الْحَوْضِ

أَيُّهَا السَّادَةُ الْكِرَامُ: لِيَكُنْ شَوْقُنَا إِلَى سَيَّدًنَا رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دَافِعًا لِأَعْمَالِنَا الصَّالِحَةِ. فَاللِّقَاءُ بِهِ فِي الْآخِرَةِ هُوَ الْأَمَلُ الْأَكْبَرُ، وَالْوَعْدُ الْحَقُّ. فَأَكْثِرُوا مِنْ الصَّلَاةِ وَالسَّلَامِ عَلَيْهِ، وَاجْعَلُوا مِنْهُ قُدْوَتَكُمْ، لِتَكُونُوا مِنْ أَهْلِ شَفَاعَتِهِ، وَمِنْ أَهْلِ لِقَائِهِ عَلَى الْحَوْضِ الشَّرِيفِ.

فَهَنِيئًا لِمَنْ غَرَسَ فِي قَلْبِهِ شَوْقًا صَادِقًا، فَقَادَهُ هَذَا الشَّوْقُ إِلَى الْجَنَّةِ، إِلَى صُحْبَةِ الْأَنْبِيَاءِ وَالصِّدِّيقِينَ. وَبِاللهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ.

خاطرة 6

حُبُّ آلِ البَيْتِ وَسِيلَةُ السُّعَدَاءِ

الحَمْدُ للهِ الَّذِي جَعَلَ مَحَبَّةَ نَبِيِّهِ سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ ﷺ وَآلِ بَيْتِهِ ألأَطْهَارْ قُرْبَةً مِنْ أَعْظَمِ القُرُبَاتِ، وَسَبِيلًا لِنَيْلِ أَرْفَعِ الدَّرَجَاتِ، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى مَنْ قَالَ: "المَرْءُ مَعَ مَنْ أَحَبَّ"، سَيِّدِنَا رَسُولِ اللهِ، وَعَلَى آلِهِ مَصَابِيحِ الدُّجَى، وَسُفُنِ النَّجَاةِ، وَعَلَى أَصْحَابِهِ الأَخْيَارِ، وَمَنْ تَبِعَهُمْ بِإِحْسَانٍ وَصِدْقٍ ، حُبُّ آلِ البَيتِ فَرْضٌ عِنْدَنَا، وبِهَذَا الحُبِّ لَا نَخْشَى المِحَنَ.

أَيُّهَا السَّادَةُ الكِرَامُ: إِنَّ لِأَهْلِ بَيْتِ النُّبُوَّةِ مَكَانَةً عَلِيَّةً، وَمَنْزِلَةً سَنِيَّةً، لَيْسَتْ مُسْتَمَدَّةً مِنْ نَسَبٍ أَرْضِيٍّ فَحَسْبُ، بَلْ هِيَ اصْطِفَاءٌ إِلَهِيٌّ، وَتَكْرِيمٌ رَبَّانِيٌّ، اقْتَرَنَ بِشَرَفِ القُرْبِ مِنْ مَنْبَعِ الرِّسَالَةِ. وَكَيْفَ لاَ يَكُونُ ذَلِكَ وَاللهُ تَعَالَى يَقُولُ فِي مُحْكَمِ تَنْزِيلِهِ: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾ (الأحزاب: 33).

وَلَقَدْ أَوْصَانَا سَيِّدُنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ بِهِمْ خَيْرًا، وَجَعَلَ التَّمَسُّكَ بِهِمْ أَمَانًا مِنَ الضَّلاَلِ، فَقَالَ فِي الحَدِيثِ الشَّرِيفِ: "إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ: كِتَابَ اللهِ، وَعِتْرَتِي أَهْلَ بَيْتِي، مَا إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِمَا فَلَنْ تَضِلُّوا بَعْدِي أَبَدًا" (رَوَاهُ الإِمَامُ أَحْمَدُ وَالحَاكِمُ وَقَالَ صَحِيحُ الإِسْنَادِ).

أَيُّهَا السَّادَةُ الكِرَامُ: نَسَبٌ كَأَنَّ عَلَيْهِ مِنَ الشَّمْسِ ضَوْءًا: وَفِي قَلْبِ هَذِهِ الكَوْكَبَةِ المُضِيئَةِ، يُشِعُّ نُورُ سَيِّدِ الشَّبَابِ أَهْلِ الجَنَّةِ، سَيِّدِنَا الإِمَامِ الحُسَيْنِ عَلَيْهِ السَّلاَمُ. هُوَ رَيْحَانَةُ سَيِّدِنَا رَسُولِ اللهِ ﷺ مِنَ الدُّنْيَا، وَهُوَ ابْنُ البَتُولِ سَيِّدَتِنَا فَاطِمَةَ الزَّهْرَاءِ، وَابْنُ سَيِّدِنَا الإِمَامِ عَلِيٍّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ كَرَّمَ اللهُ وَجْهَهُ.

لَقَدْ كَانَتْ مَحَبَّةُ النَّبِيِّ ﷺ لَهُ عَجَبًا، حَتَّى قَالَ: "حُسَيْنٌ مِنِّي وَأَنَا مِنْ حُسَيْنٍ، أَحَبَّ اللهُ مَنْ أَحَبَّ حُسَيْنًا" (رَوَاهُ الإِمَامُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: حَدِيثٌ حَسَنٌ). فَمَحَبَّتُهُ لَيْسَتْ مُجَرَّدَ عَاطِفَةٍ نَسَبِيَّةٍ، بَلْ هِيَ عِبَادَةٌ نَتَقَرَّبُ بِهَا إِلَى اللهِ.

وَلِهَذِهِ المَكَانَةِ الرَّفِيعَةِ لِآلِ البَيْتِ جَمِيعًا، صَدَحَ الإِمَامُ الشَّافِعِيُّ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ بِأَبْيَاتِهِ الخَالِدَةِ، مُعْلِنًا أَنَّ حُبَّهُمْ فَرْضٌ وَقُرْبَانٌ، فَقَالَ:

يَا آلَ بَيْتِ رَسُولِ اللهِ حُبُّكُمُ ... فَرْضٌ مِنَ اللهِ فِي القُرْآنِ أَنْزَلَهُ

كَفَاكُمْ مِنْ عَظِيمِ القَدْرِ أَنَّكُمُ ... مَنْ لَمْ يُصَلِّ عَلَيْكُمْ لاَ صَلاَةَ لَهُ

أَيُّهَا السَّادَةُ الكِرَامُ: كَيْفَ أَحَبَّهُمُ الصَّالِحُونَ: لَقَدْ أَدْرَكَ السَّلَفُ الصَّالِحُ وَالعُلَمَاءُ العَامِلُونَ هَذِهِ المَكَانَةَ، فَتَرْجَمُوا مَحَبَّتَهُمْ إِلَى تَوْقِيرٍ وَإِجْلاَلٍ:

لَمَّا جَاءَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا لِيَأْخُذَ بِرِكَابِ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ (أَيْ يُمْسِكُ بِلِجَامِ دَابَّتِهِ لِيُسَاعِدَهُ عَلَى الرُّكُوبِ)؛ قَالَ زَيْدٌ: "خَلِّ عَنْكَ يَا ابْنَ عَمِّ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ!"، فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: "هَكَذَا نَفْعَلُ بِعُلَمَائِنَا وَكُبَرَائِنَا". فَقَبَّلَ زَيْدٌ يَدَ ابْنِ عَبَّاسٍ وَقَالَ: "هَكَذَا أُمِرْنَا أَنْ نَفْعَلَ بِأَهْلِ بَيْتِ نَبِيِّنَا صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ."
فَهَذَا أَمِيرُ المُؤْمِنِينَ سَيِّدُنَا عُمَرُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، يَقُولُ لِسَيِّدَتِنَا فَاطِمَةَ بِنْتِ الإِمَامِ عَلِيٍّ عَلَيْهِمَا السَّلاَمُ: "يَا ابْنَةَ عَلِيٍّ، وَاللهِ مَا عَلَى ظَهْرِ الأَرْضِ أَهْلُ بَيْتٍ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْكُمْ...".
وَمِنْ أَعْظَمِ المَوَاقِفِ، قِصَّةُ الفَرَزْدَقِ المَشْهُورَةُ فَيُروَى أَنَّ الخَلِيفَةَ الأُمَوِيَّ هِشَامُ بْنُ عَبْدِ المَلِكِ حَجَّ فِي وِلَايَةِ أَبِيهِ، فَطَافَ بِالبَيْتِ وَحَاوَلَ الوُصُولَ إِلَى الحَجَرِ الأَسْوَدِ لِيَسْتَلِمَهُ، لَكِنَّهُ لَمْ يَسْتَطِعْ بِسَبَبِ شِدَّةِ الزِّحَامِ. بَيْنَمَا هُوَ كَذَلِكَ، أَقْبَلَ عَلِيُّ بْنُ الحُسَيْنِ (زَيْنُ العَابِدِينَ)، فَمَا إِنْ رَآهُ النَّاسُ حَتَّى تَفَرَّقُوا لَهُ إِجْلَالًا وَتَوْقِيرًا، وَأَفْسَحُوا لَهُ الطَّرِيقَ حَتَّى وَصَلَ إِلَى الحَجَرِ فَاسْتَلَمَهُ بِسُهُولَةٍ.

فَسَأَلَ هِشَامٌ، مُتَجَاهِلًا: "مَنْ هَذَا؟" (لِأَنَّهُ عَرَفَهُ وَلَكِنَّهُ أَرَادَ التَّغَافُلَ).

فَقَامَ الفَرَزْدَقُ الشَّاعِرُ – وَكَانَ حَاضِرًا – لِيُنْشِدَ قَصِيدَتَهُ المَشْهُورَةَ الَّتِي بَيَّنَ فِيهَا شَرَفَ وَنَسَبَ الإِمَامِ عَلِيِّ زَيْنِ العَابِدِينَ، فَكَانَ مِنْ أَرْوَعِ مَا قِيلَ فِي مَحَبَّةِ وَثَنَاءِ السَّلَفِ عَلَى آلِ البَيْتِ.

هَذَا الَّذِي تَعْرِفُ الْبَطْحَاءُ وَطْأَتَهُ   ***   وَالْبَيْتُ يَعْرِفُهُ وَالْحِلُّ وَالْحَرَمُ
هَذَا ابْنُ خَيْرِ عِبَادِ اللَّهِ كُلِّهِمُ   ***   هَذَا التَّقِيُّ النَّقِيُّ الطَّاهِرُ الْعَلَمُ
إِذَا رَأَتْهُ قُرَيْشٌ قَالَ قَائِلُهَا   ***   إِلَى مَكَارِمِ هَذَا يَنْتَهِي الْكَرَمُ

أَيُّهَا السَّادَةُ الكِرَامُ: المَنْهَجُ القَوِيمُ فِي المَحَبَّةِ وَالزِّيَارَةِ (رُؤْيَةُ الإِمَامُ الرَّائِدُ سَيِّدِي الشَّيْخُ مُحَمَّدُ زَكِيُّ الدِّينِ إِبْرَاهِيمُ ) ، إِنَّ المَحَبَّةَ الصَّادِقَةَ تَدْفَعُ القَلْبَ بِشَوْقٍ إِلَى زِيَارَةِ مَوَاطِنِ الصَّالِحِينَ. وَلَكِنَّ أَهْلَ البَصِيرَةِ يَعْلَمُونَ أَنَّ هَذِهِ الزِّيَارَةَ لاَ بُدَّ أَنْ تُحَاطَ بِسِيَاجٍ مِنَ الآدَابِ الشَّرْعِيَّةِ. وَقَدْ ضَبَطَ الإِمَامُ الرَّائِدُ سَيِّدِي الشَّيْخُ مُحَمَّدُ زَكِيُّ الدِّينِ إِبْرَاهِيمُ هَذَا المَنْهَجَ ، وَجَعَلَهُ قَائِمًا عَلَى جَنَاحَيْنِ لاَ يَطِيرُ المُحِبُّ إِلَّا بِهِمَا مَعًا:

الجَنَاحُ الأَوَّلُ: التَّنْزِيهُ وَالتَّوْحِيدُ (مِنْ كِتَابِهِ: الإِفْهَامُ وَالإِفْحَامُ): كَانَ هَمُّهُ الأَكْبَرَ هُوَ تَنْقِيَةَ المَحَبَّةِ وَالزِّيَارَةِ مِمَّا قَدْ يَشُوبُهَا مِنْ مُخَالَفَاتٍ عَقَدِيَّةٍ أَوْ غُلُوٍّ. فَأَكَّدَ أَنَّ الأَسَاسَ هُوَ التَّوْحِيدُ (فَلاَ نَافِعَ وَلاَ ضَارَّ إِلَّا اللهُ)، وَأَثْبَتَ بِالأَدِلَّةِ مَشْرُوعِيَّةَ "التَّوَسُّلِ" الصَّحِيحِ (وَهُوَ أَنْ تَطْلُبَ مِنَ اللهِ بِجَاهِ وَلِيِّهِ)، مَعَ إِنْكَارِهِ الشَّدِيدِ لِمُخَالَفَاتِ بَعْضِ العَوَامِّ مِنْ الطَّوَافِ بِالقُبُورِ أَوْ طَلَبِ الحَوَائِجِ مِنْ أَهْلِهَا.

الجَنَاحُ الثَّانِي: المَحَبَّةُ وَالتَّعْظِيمُ (مِنْ كِتَابِهِ: مَرَاقِدُ أَهْلِ البَيْتِ): وَعَلَى الجَانِبِ الآخَرِ، رَفَضَ بِشِدَّةٍ مَنْهَجَ "الجَفَاءِ" الَّذِي يُنْكِرُ فَضْلَ آلِ البَيْتِ أَوْ يُحَرِّمُ زِيَارَتَهُمْ. وَأَثْبَتَ بِالتَّحْقِيقِ العِلْمِيِّ فَضْلَهُمْ وَحَقَّهُمْ فِي المَحَبَّةِ، وَأَنَّ زِيَارَتَهُمْ سُنَّةٌ لِلتَّذْكِرَةِ وَالاِعْتِبَارِ.

فَمَنْهَجُهُ يَا سَادَةُ هُوَ: "مَحَبَّةٌ بِلاَ غُلُوٍّ، وَاتِّبَاعٌ بِلاَ ابْتِدَاعٍ".

فَلْيَكُنْ حُبُّنَا لِسَيِّدِنَا الحُسَيْنِ وَلِآلِ البَيْتِ حُبًّا صَادِقًا نَقِيًّا، يَتَرْجَمُ إِلَى الاِلْتِزَامِ بِشَرِيعَةِ جَدِّهِمْ سَيِّدِنَا رَسُولِ اللهِ ﷺ، فَذَلِكَ هُوَ عُنْوَانُ الفَلاَحِ، وَتِلْكَ هِيَ وَسِيلَةُ السُّعَدَاءِ الحَقِيقِيَّةُ.

وَبِاللهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ.

خاطرة 7

بِجِوَارِ سَيِّدِنَا رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَجْلِسُ

الحَمْدُ للهِ الَّذِي جَعَلَ قُلُوبَ العَارِفِينَ تَحِنُّ إِلَى دِيَارِ المُصْطَفَى، وَالصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ عَلَى سَيِّدِ الوَرَى، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَمَنْ تَبِعَهُ بِإِحْسَانٍ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ.

أَيُّهَا السَّادَةُ الكِرَامُ: إِنَّهُ لَشُعُورٌ يَعْصَى عَلَى الوَصْفِ، شُعُورُ أَنْ تَطَأَ قَدَمُكَ أَرْضَاً طَاهِرَةً بَارَكَهَا اللَّهُ عَزَّوَجَلْ، وَشَرَّفَهَا بِأَفْضَلِ خَلْقِهِ ﷺ. إِنَّهَا المَدِينَةُ المُنَوَّرَةُ، لَيْسَتْ مُجَرَّدَ مَكَانٍ عَلَى الخَرِيطَةِ، بَلْ هِيَ قِطْعَةٌ مِنَ الجَنَّةِ، تَتَنَفَّسُ فِيهَا عَبَقَ النُّبُوَّةِ، وَتَلْمَسُ فِيهَا أَثَرَ الخُطُوَاتِ الشَّرِيفَةِ. إِنَّهَا غَايَةُ كُلِّ مُشْتَاقٍ، وَأَمَلُ كُلِّ مُحِبٍّ.

فَكَيْفَ لاَ تَنْبِضُ القُلُوبُ شَوْقاً لِأَنْ تَقِفَ بِجِوَارِ مَنْ كَانَ رَحْمَةً لِلعَالَمِينَ ﷺ ؟ وَكَيْفَ لاَ نَحِنُّ لِلْجُلُوسِ فِي مَكَانٍ شَهِدَ صَفْوَ النُّبُوَّةِ، وَمَهْدَ الرِّسَالَةِ، وَمَثْوَى أَطْهَرِ جَسَدٍ؟ إِنَّ حُبَّ زِيَارَتِهِ لَيْسَ مُجَرَّدَ عَمَلٍ، بَلْ هُوَ تَجَسُّدٌ لِعُمْقِ المَحَبَّةِ وَصِدْقِ الوَفَاءِ.

أَيُّهَا السَّادَةُ الكِرَامُ : يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى فِي كِتَابِهِ العَظِيمِ: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا﴾ (النِّسَاء: 64). هَذِهِ الآيَةُ العَظِيمَةُ لَيْسَتْ فَقَطْ دَلِيلاً عَلَى مَشْرُوعِيَّةِ المَجِيءِ إِلَيْهِ وَطَلَبِ شَفَاعَتِهِ، بَلْ هِيَ دَعْوَةٌ لِأَنْ يَكُونَ قُرْبُهُ مَلْجَأً لِلنُّفُوسِ وَرَاحَةً لِلقُلُوبِ، فَقُدْسِيَّةُ مَقَامِهِ بَاقِيَةٌ لِزِيَادَةِ الطُّمَأْنِينَةِ وَالتَّأْكِيدِ عَلَى عِظَمِ مَكَانَتِهِ.

أَيُّهَا السَّادَةُ الكِرَامُ: لَقَدْ كَانَ السَّلَفُ الصَّالِحُ يَرَوْنَ فِي المَدِينَةِ مَكْوَنًا رُوحِيًّا لاَ يُمْكِنُ أَنْ يَفْصِلُوهُ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَلِذَلِكَ كَانَ لَهُمْ مَعَهَا قَصَصٌ تُحْكَى:

أَبُو أَيُّوبَ الأَنْصَارِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: عِنْدَمَا قَدِمَ سَيِّدِنَا رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إِلَى المَدِينَةِ، بَرَكَتْ نَاقَتُهُ أَمَامَ بَيْتِ أَبِي أَيُّوبَ، فَأَصْبَحَ بِشَرَفِ ضِيَافَةِ سَيِّدِنَا رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . لَمْ يَكُنِ الأَمْرُ مُجَرَّدَ اسْتِضَافَةٍ، بَلْ هُوَ شَغَفٌ وَحُبٌّ لِأَنْ يَكُونَ قَرِيبًا مِنْ مَنْبَعِ الهُدَى. فَلَمَّا دَخَلَ النَّبِيُّ إِلَى بَيْتِهِ، قَامَ أَبُو أَيُّوبَ بِتَجْهِيزِ طَعَامِهِ وَخِدْمَتِهِ، مُعَبِّراً عَنْ حُبٍّ لاَ يُقَدَّرُ بِثَمَنٍ.
عُمَرُ بْنُ الخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: فِي عَامِ الرَّمَادَةِ، حِينَ اشْتَدَّ القَحْطُ، اسْتَسْقَى النَّاسُ بِالْعَبَّاسِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، فَرَأَى النَّاسُ بَعْدَ أَنْ دَعَا بِهِمْ وَبِقُرْبِهِ مِنَ سَيِّدِنَا رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّ المَطَرَ نَزَلَ. فَقَدْ كَانُوا يَرَوْنَ فِي قُرْبِ سَيِّدِنَا رَسُولِ اللَّهِ ﷺ شَفَاعَةً حَتَّى بَعْدَ وَفَاتِهِ.
عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: كَانَ ابْنُ عُمَرَ شَدِيدَ الإِتْبَاعِ لِخُطُوَاتِ سَيِّدِنَا رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي المَدِينَةِ، حَتَّى كَانَ يَتَحَرَّى الصَّلاَةَ فِي المَوَاضِعِ الَّتِي صَلَّى فِيهَا النَّبِيُّ، وَيَتَحَرَّى الجُلُوسَ فِي الأَمَاكِنِ الَّتِي جَلَسَ فِيهَا. هَذَا الحُبُّ لِلْأَثَرِ وَتَتَبُّعِ الخُطُوَاتِ هُوَ أَعْظَمُ دَلِيلٍ عَلَى مَدَى تَعَلُّقِهِ بِسَيِّدِنَا رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.

أَيُّهَا السَّادَةُ الكِرَامُ: لِكَيْ لاَ تَكُونَ زِيَارَتُنَا مُجَرَّدَ رِحْلَةٍ سِيَاحِيَّةٍ، عَلَيْنَا أَنْ نُحَوِّلَهَا إِلَى رِحْلَةٍ رُوحِيَّةٍ تُغَيِّرُ مَا فِي قُلُوبِنَا. وَمِنْ أَهَمِّ النَّصَائِحِ لِذَلِكَ:

حُسْنُ النِّيَّةِ: اجْعَلْ نِيَّتَكَ صَافِيَةً لِلَّهِ وَحُبِّ رَسُولِهِ ﷺ ، لِيُبَارِكَ اللَّهُ لَكَ فِي هَذِهِ الزِّيَارَةِ.
التَّعَرُّفُ عَلَى المَكَانِ: قَبْلَ الذَّهَابِ، اقْرَأْ عَنْ المَدِينَةِ وَمَعَالِمِهَا، وَتَخَيَّلْ مَوَاقِفَ سَيِّدِنَا رَسُولِ اللَّهِ ﷺ َ وَالصَّحَابَةِ فِيهَا. هَذَا يُعْطِي الزِّيَارَةَ عُمْقاً.
التَّمَسُّكُ بِالآدَابِ: إِذَا وَصَلْتَ المَدِينَةَ، فَأَخْلِصْ فِي التَّوَجُّهِ إِلَى مَسْجِدِ سَيِّدِنَا رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَصَلِّ عَلَيْهِ بِأَدَبٍ وَتَوْقِيرٍ، وَاعْلَمْ أَنَّكَ فِي حَضْرَةِ أَكْمَلِ النَّاسِ خَلْقاً وَخُلُقاً.
اسْتِشْعَارُ المَكَانِ: فِي المَدِينَةِ، حَاوِلْ أَنْ تَتَجَوَّلَ فِي الأَمَاكِنِ التَّارِيخِيَّةِ كَأُحُدٍ وَقُبَاءٍ، وَاسْتَحْضِرْ مَا حَدَثَ فِيهَا مِنْ مَوَاقِفَ عَظِيمَةٍ، فَهِيَ شَاهِدٌ عَلَى عِظَمِ الرِّسَالَةِ.

لِقَاءٌ عَلَى الْحَوْضِ: أَيُّهَا السَّادَةُ الْكِرَامُ: لِيَكُنْ حُبُّنَا لِزِيَارَةِ المَدِينَةِ دَافِعاً لِأَعْمَالِنَا الصَّالِحَةِ. فَاللِّقَاءُ بِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الآخِرَةِ هُوَ الأَمَلُ الأَكْبَرُ، وَالْوَعْدُ الحَقُّ. فَأَكْثِرُوا مِنَ الصَّلاةِ وَالسَّلاَمِ عَلَيْهِ، وَاجْعَلُوا مِنْهُ قُدْوَتَكُمْ، لِتَكُونُوا مِنْ أَهْلِ شَفَاعَتِهِ.

فَهَنِيئًا لِمَنْ غَرَسَ فِي قَلْبِهِ حُبًّا صَادِقًا، فَقَادَهُ هَذَا الحُبُّ إِلَى زِيَارَتِهِ فِي الدُّنْيَا، وَإِلَى لِقَائِهِ فِي الآخِرَةِ. وَبِاللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ.

خاطرة 8

جِيلُ الصَّفْوَةِ: حِصْنُ الْيَقِينِ وَمَنْزِلَةُ الصَّحَابَةِ

أحمدُ الله عَزَّ وَجَلَّ الذي اصطَفَى خيرَ خَلْقِهِ لِخَيْرِ رِسالةٍ، واختارَ لَهُم خَيرَ صُحبَةٍ، والصَّلاةُ والسَّلامُ على سَيِّدِنَا مُحمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وعلى آلِهِ وصحبِهِ الكِرامِ الذينَ حَمَلُوا النُّورَ بِصدقٍ ويقينٍ.

أيُّها السادةُ الكرامُ : إنَّ الحديثَ عن صَحابةِ سَيِّدِنَا رسولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ليسَ مُجرَّدَ سَردٍ تاريخيٍّ، بَلْ هُوَ حديثٌ عن أَصْلِ الدِّينِ وأساسِ النَّقلِ. هُمُ الجِيلُ المُؤسِّسُ الذي حَمَلَ لَنَا القُرآنَ والسُّنَّةَ نَقِيَّينِ صافِيَينِ. لذلكَ، كانَ لِزاماً على كُلِّ مُؤمِنٍ أَنْ يَعقِدَ قَلْبَهُ على مَحبَّتِهِم وتَوقيرِهِم، فَمَحبَّتُهُمْ مِنْ مَحبَّةِ سَيِّدِنَا رسولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.

أَوَّلاً: الِاصْطِفَاءُ الإِلَهِيُّ (حِكْمَةُ التَّكْوِينِ) : إنَّ صُحبةَ سَيِّدِنَا رسولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ تَكُنْ مُجَرَّدَ صُدفةٍ، بَلْ كَانَتْ اخْتِيَاراً إِلَهِيّاً مُحْكَماً، وهِيَ مِنْ دَلائِلِ حِفظِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ لِشَرعِهِ:

* بِشَهَادَةِ الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ (أَصْلُ التَّزْكِيَةِ): لَمْ يَكتَفِ اللَّهُ تَعَالَى بِتَزْكِيَةِ النَّبِيِّ لَهُمْ، بَلْ أَثْنَى عَلَيهِمْ في كِتابِهِ، فَقَالَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى في حَقِّ السَّابِقِينَ منهم:﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ (التوبة: 100). فَأيُّ تَزْكِيَةٍ أَبلَغُ مِنْ قَولِهِ "رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ"؟
صَفْوَةُ الْأَزْمَانِ: لَمْ يَختَرِ اللَّهُ تَعَالَى لِنَبِيِّهِ إِلَّا أَنْقَى القُلوبِ وأَصدَقَ النُّفوسِ لِيُساعِدُوهُ على حَمْلِ الرِّسالةِ في أَحْلَكِ الظُّرُوفِ. والدَّليلُ على تَفضيلِهِم جاءَ في الحديثِ الشريفِ:
رَوَى الْإِمَامَانِ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ، عَنْ سَيِّدِنَا عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "خَيْرُ النَّاسِ قَرْنِي، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ".

ثَانِياً: النَّهْيُ النَّبَوِيُّ وَمِيزَانُ الْمُفَاضَلَةِ : لِعِظَمِ مَنزِلَتِهِم وقِيمَةِ سابِقَتِهِم، جاءَ التَّشديدُ النَّبَوِيُّ الصَّارِمُ في النَّهيِ عَنْ أَدنى تَجاوُزٍ في حَقِّهِم، وهُم خَطٌّ أَحمَرُ في مَيزانِ الشَّرعِ. ومِنْ هنا يَتجلَّى المعنى الذي أَشرتُمْ إليهِ:

رَوَى الْإِمَامَانِ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ، عَنْ سَيِّدِنَا أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "لَا تَسُبُّوا أَصْحَابِي، فَلَوْ أَنَّ أَحَدَكُمْ أَنْفَقَ مِثْلَ أُحُدٍ ذَهَبًا مَا بَلَغَ مُدَّ أَحَدِهِمْ وَلَا نَصِيفَهُ".

إنَّ هذا الحديثَ الشريفَ يَضعُ قاعِدةً أَبديَّةً لِمَنْ يَأتي بَعدَهُمْ:

قِيمَةُ السَّابِقَةِ وَالْبَرَكَةُ النَّبَوِيَّةُ: لَمْ تُقَسَّ فَضائِلُ الصَّحابةِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ بِحَجمِ العَملِ، بَلْ بِنوعِيَّةِ العملِ وظُروفِهِ. فَمُدٌّ (مِقدارٌ ضَئِيلٌ) يَتصَدَّقُ بِهِ الصَّحابِيُّ في ظِلِّ قِلَّةِ المُسلمينَ وَشِدَّةِ الحاجَةِ، أَفضَلُ عِندَ اللَّهِ مِنْ جَبَلٍ ذَهَباً يُنفِقُهُ مَنْ جَاءَ بَعدَهُ.
فَضْلُ الصُّحبَةِ: إنَّ شَرَفَ رُؤيَةِ سَيِّدِنَا رسولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ والإيمانِ بِهِ لَحْظَةً واحِدةً، يَعْدِلُ عِبادةَ العُمُرِ كُلِّهِ لِمَنْ لَمْ يُشاهِدْهُ، فَهُمُ الذينَ خَاضُوا مَعَهُ المِحَنَ والشدائِدَ، وشَارَكُوهُ في تَحَمُّلِ الرِّسالَةِ.

ثَالِثاً: الْمَوْقِفُ الْعَمَلِيُّ (طَرِيقُ أَهْلِ الْبَصَائِرِ)

يَتَّفِقُ أهلُ المنهجِ السَّليمِ على موقِفٍ مُحكَمٍ تجاهَ أيِّ خِلافٍ وَقَعَ بينَ الصَّحابةِ الكرامِ:

الْكَفُّ عَمَّا شَجَرَ بَيْنَهُمْ: عَقيدَتُنَا هي الإمساكُ عمَّا وَقَعَ بينَهُم مِنَ خِلافاتٍ وفِتَنٍ. فَهُم مُجْتَهِدُونَ، والمُجتَهِدُ إمَّا مُصِيبٌ ولهُ أَجْرَانِ، أَوْ مُخْطِئٌ ولهُ أَجْرٌ وَاحِدٌ.
* الدَّعْوَةُ وَالِاسْتِغْفَارُ لَهُمْ (الْوَاجِبُ الْقُرْآنِيُّ): نَتَّبِعُ القُرآنَ الكريمَ في قَولِهِ تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ﴾ (سورة الحشر: 10). فَوَاجِبُنَا هو الدُّعاءُ لَهُمْ بالرَّحمةِ وليسَ النَّقدَ أو السَّبَّ.

فَلْنُحافِظْ على قُلوبِنا صافِيةً تِجاهَ صَفوةِ جِيلِ النُّبُوَّةِ، لِيَكُونَ إيمانُنا كامِلاً مُتَّصِلاً بِأَصلِ النُّورِ. وباللهِ تعالى التوفيقُ.

الفصل الثاني
خاطرة 9

يُؤْتِي الحِكْمَةَ مَن يَشَاءُ: عِنْدَمَا يَكُونُ العَقْلُ نُورًا

الحمدُ للهِ العليمِ الحكيمِ، الذي قَسَّمَ الأرزاقَ والعقولَ، وفَضَّلَ أهلَ الحكمةِ على سائرِ الفضولِ، والصلاةُ والسلامُ على سيِّدِنا مُحمَّدٍ، الذي كان يَنْطِقُ بالحكمةِ، ويَقْضِي بالحقِّ، وعلى آلِهِ وأصحابِهِ أولي النُّهَى والبصائرِ.

أَيُّهَا السَّادَةُ الكِرَامُ : كثيرًا ما يَسْعَى الناسُ لِجَمْعِ المالِ، ويَتَنَافَسُونَ في تَحْصِيلِ العُلومِ والمَعَارفِ، ولكنْ قَلَّ مَنْ يَقِفُ عندَ بَابِ اللهِ سائلًا "الحكمةَ".

تلكَ الجوهرةُ اليتيمةُ التي مَنْ حازَها فقد حازَ الدُّنيا والآخرةَ. يقولُ الحقُّ سبحانَهُ في مُحْكَمِ التنزيلِ:

﴿يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَن يَشَاءُ ۚ وَمَن يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا ۗ وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ (البقرة: 269).
تأمَّلُوا هذا التعبيرَ الإلهيَّ: ﴿فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا﴾. لمْ يَقُلْ خيرًا فقط، بل وَصَفَهُ بالكثرةِ، لأنَّ المالَ بلا حكمةٍ نِقْمَةٌ، والعِلمَ بلا حكمةٍ طُغْيَانٌ، والقوةَ بلا حكمةٍ ظُلْمٌ. فالحكمةُ هي "ضَابِطُ النِّعَمِ".

أَيُّهَا السَّادَةُ الكِرَامُ: مَا هِيَ الحِكْمَةُ؟ لَيْسَتِ الحكمةُ كثرةَ الروايةِ، ولا حِفْظَ المُتُونِ، ولا فَصَاحَةَ اللسانِ فحسب.

الحكمةُ -كما عرَّفها أهلُ البصيرةِ- هي: "وَضْعُ الشَّيْءِ فِي مَوْضِعِهِ".

أنْ تَعْرِفَ مَتَى تَتَكَلَّمُ ومَتَى تَصْمُتُ.. مَتَى تَشُدُّ ومَتَى تَلِينُ.. مَتَى تُقْدِمُ ومَتَى تُحْجِمُ.

هي نورٌ يَقْذِفُهُ اللهُ في القَلْبِ، يُمَيِّزُ بهِ العبدُ بينَ الحقِّ والباطلِ، وبينَ الأَهَمِّ والمُهِمِّ.

الفرقُ بينَ "العَالِمِ" و "الحَكِيمِ":

العَالِمُ: يَعْرِفُ الحلالَ والحرامَ، ويَحْفَظُ الأدلةَ.
الحَكِيمُ: يَعْرِفُ كيفَ يُطَبِّقُ هذا العلمَ في الواقعِ بما يُصْلِحُ الحالَ ولا يُفْسِدُ المَآلَ.

نَمَاذِجُ مِنَ الحِكْمَةِ فِي مَدْرَسَةِ النُّبُوَّةِ:

لقد كان سيِّدُنا رسولُ اللهِ ﷺ سَيِّدَ الحُكَمَاءِ، ومِنْ مِشْكَاتِهِ اقْتَبَسَ الصَّحَابَةُ:

حكمةُ الصِّدِّيقِ: في وفاةِ النبيِّ ﷺ، طَاشَتْ عقولُ الصَّحَابَةِ، واشْتَعَلَتِ العواطفُ. هُنا بَرَزَتْ "الحكمةُ" في شخصِ سيِّدِنا أبي بكرٍ الصِّدِّيقِ رضيَ اللهُ عنه. لمْ يَكُنْ أَقَلَّهُمْ حُبًّا، لكنَّهُ كانَ أَكْمَلَهُمْ عقلًا وثباتًا. وَقَفَ ليَضَعَ الأمورَ في نِصَابِهَا ويَرْبِطَ القلوبَ بالحَيِّ الذي لا يموتُ. هَذِهِ هي الحكمةُ: "الثَّبَاتُ عِنْدَ الصَّدْمَةِ".
حكمةُ ابنِ عبَّاسٍ (تَرْجُمَانِ القُرآنِ): ضَمَّهُ النبيُّ ﷺ إلى صَدْرِهِ ودعَا لهُ قائلًا: "اللهُمَّ فَقِّهْهُ فِي الدِّينِ وَعَلِّمْهُ التَّأْوِيلَ".

وفي روايةٍ: "اللهُمَّ آتِهِ الحِكْمَةَ". فكانَ سيِّدُنا عُمَرُ بنُ الخطَّابِ يُدْخِلُهُ في مجلسِ الشورى معَ شيوخِ بَدْرٍ وهو شابٌّ صغيرٌ؛ لأنَّهُ رُزِقَ "الفَهْمَ العَمِيقَ" الذي يَغُوصُ إلى بَوَاطِنِ الآياتِ، لا مَنْ يَقِفُ عندَ ظَوَاهِرِهَا.

* لُقْمَانُ الحَكِيمُ: رجلٌ لمْ يَكُنْ نبيًّا في قولِ الجمهورِ، ولمْ يَكُنْ مَلِكًا ذَا سُلْطَانٍ، كان عبدًا حبشيًّا، لكنَّ اللهَ رَفَعَهُ بِالحِكْمَةِ. ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ أَنِ اشْكُرْ لِلَّهِ﴾.

رَأَسُ الحكمةِ عندَهُ كان "الشُّكْرَ" و "الأَدَبَ". سُئِلَ: ما بَلَغَ بِكَ ما نَرَى؟ قال: "صِدْقُ الحَدِيثِ، وأَدَاءُ الأَمَانَةِ، وتَرْكُ ما لا يَعْنِينِي".

أَيُّهَا السَّادَةُ الكِرَامُ: كَيْفَ نَنَالُ الحِكْمَةَ؟

إنَّ الحكمةَ مِنَحَةٌ إلهيةٌ ﴿يُؤْتِي... مَن يَشَاءُ﴾، ولكنَّ لها أبوابًا تُطْرَقُ:
* التَّقْوَى: هي البابُ الأَعْظَمُ. قالَ تعالى: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ ۖ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ﴾. مَنْ أصْلَحَ سَرِيرَتَهُ، نَوَّرَ اللهُ بَصِيرَتَهُ، وأَجْرَى الحكمةَ على لسانِهِ.
الصَّمْتُ والتَّفَكُّرُ: لا تَجْتَمِعُ الحكمةُ معَ كَثْرَةِ اللغوِ. الحكيمُ يُطِيلُ الصَّمْتَ لِيُطِيلَ الفِكْرَ.
مُجَالَسَةُ الصَّالِحِينَ: الحكمةُ عَدْوَى. مَنْ جَالَسَ العَارِفِينَ باللهِ، سَرَتْ إليهِ أَحْوَالُهُمْ، وتَعَلَّمَ مِنْ سَمْتِهِمْ قَبْلَ قَوْلِهِمْ.
الاِعْتِبَارُ بِالتَّجَارِبِ: الحكيمُ لا يَمُرُّ على الأحداثِ عابِرًا، بل يَقِفُ لِيَسْتَخْلِصَ الدَّرْسَ والعِبْرَةَ.

فَلْنَسْأَلِ اللهَ العظيمَ أنْ يَرْزُقَنَا الحكمةَ في القولِ والعملِ، وأنْ يُجَنِّبَنَا الزَّلَلَ، فَمَنْ رُزِقَ الحكمةَ فقدْ سِيقَتْ إليهِ الدُّنيا والآخرةُ بَِحَذَافِيرِهِمَا. وباللهِ تعالى التوفيقُ.

خاطرة 10

بَيْنَ القَلْبِ السَّلِيمِ وَالقَلْبِ السَّقِيمِ: مَرَافِئُ النَّجَاةِ وَمَهَالِكُ الرَّدَى

الحمدُ للهِ مُقَلِّبِ القلوبِ والأبصارِ، العالِمِ بِمَا تُخْفِي الصدورُ وتُكِنُّ الأسرارُ، والصلاةُ والسلامُ على طبيبِ القلوبِ ودواتِها، سيِّدِنَا مُحمَّدٍ، الذي بُعِثَ ليُزَكِّيَ النفوسَ ويُطَهِّرَهَا، وعلى آلِهِ وصحبِهِ الأطهارِ.

أَيُّهَا السَّادَةُ الكِرَامُ : إنَّ الإنسانَ في هذهِ الحياةِ بضعةٌ، ومَلِكُ هذِهِ البضعةِ هو "القلبُ".

إذا صَلَحَ المَلِكُ صَلَحَتِ الرعيةُ (الجوارحُ)، وإذا فَسَدَ فَسَدَتْ.

وقد جعلَ اللهُ النجاةَ يومَ القيامةِ مرهونةً بسلامةِ هذا المُضْغَةِ، فقالَ سبحانَهُ على لسانِ سيِّدِنَا إبراهيمَ الخليلِ عليهِ السلامُ:

﴿يَوْمَ لَا يَنفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ * إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ (الشعراء: 88-89).

فالقلوبُ بينَ يديِ اللهِ ثلاثةٌ: قلبٌ سليمٌ (حيٌّ)، وقلبٌ ميتٌ (والعياذُ باللهِ)، وقلبٌ مريضٌ (سقيمٌ). وحديثُنا اليومَ عنِ الفارقِ الدقيقِ بينَ "السلامةِ" و "المَرَضِ".

أَوَّلًا: القَلْبُ السَّلِيمُ (وِعَاءُ الأَنْوَارِ)

هو القلبُ الذي سَلِمَ منْ كلِّ شَهْوَةٍ تُخَالِفُ أمرَ اللهِ، ومنْ كلِّ شُبْهَةٍ تُعَارِضُ خبرَهُ. هو قلبٌ ليسَ فيهِ إلا اللهُ.

ليسَ المقصودُ بالقلبِ السليمِ "السَّذَاجَةَ"، بل المقصودُ "النَّقَاءُ".

أَهَمُّ عَلَامَاتِهِ:

سَلَامَةُ الصَّدْرِ لِلْخَلْقِ: لا يَحْمِلُ غِلًّا، ولا حِقْدًا، ولا حَسَدًا لأحدٍ.

وقد رُوِيَ أنَّ سيِّدَنَا رسولَ اللهِ ﷺ قالَ لأصحابِهِ يومًا: "يَطْلُعُ عَلَيْكُمُ الآنَ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الجَنَّةِ". فطلعَ رجلٌ منَ الأنصارِ، تكرَّرَ ذلكَ ثلاثًا. فتبِعَهُ سيِّدُنا عبدُ اللهِ بنُ عمرِو بنِ العاصِ لِيَعْرِفَ سِرَّهُ، فباتَ عندَهُ لياليَ فلمْ يَرَهُ كثيرَ صلاةٍ ولا صيامٍ (نوافلَ).

فلما سألَهُ عنِ السِّرِّ، قالَ الرجلُ: "مَا هُوَ إِلَّا مَا رَأَيْتَ، غَيْرَ أَنِّي لَا أَجِدُ فِي نَفْسِي لِأَحَدٍ مِنَ المُسْلِمِينَ غِشًّا، وَلَا أَحْسُدُ أَحَدًا عَلَى خَيْرٍ أَعْطَاهُ اللهُ إِيَّاهُ". فقالَ عبدُ اللهِ: "هَذِهِ الَّتِي بَلَغَتْ بِكَ، وَهِيَ الَّتِي لَا نُطِيقُ".

الرِّضَا عَنِ اللهِ: فهو في سكونٍ وطمأنينةٍ، إنْ أَعْطَاهُ شَكَرَ، وإنْ مَنَعَهُ صَبَرَ، يعلمُ أنَّ تدبيرَ اللهِ لهُ خيرٌ منْ تدبيرِهِ لنفسِهِ.

ثَانِيًا: القَلْبُ المَرِيضُ (مَحَلُّ الأَكْدَارِ) : هو قلبٌ فيهِ حياةٌ، ولكنَّ فيهِ "عِلَّةٌ". تَتَجَاذَبُهُ مادتانِ: مادةُ الإيمانِ ومادةُ الهوى. وهو في صراعٍ دائمٍ، وتظهرُ أعراضُ مَرَضِهِ في أمورٍ خطيرةٍ، سمَّاها العلماءُ "أمراضَ القلوبِ"، ومنْ أخطرِهَا:

الرِّيَاءُ: وهو أنْ يَعْمَلَ العبدُ العملَ لِيَرَاهُ الناسُ لا لِوَجْهِ اللهِ. وهو "الشركُ الخفيُّ" الذي حذَّرَ منهُ سيِّدُنا رسولُ اللهِ ﷺ، لأنهُ يُحْبِطُ العملَ كما تَأْكُلُ النارُ الحَطَبَ.
* العُجْبُ والكِبْرُ: أنْ يَرَى العبدُ نفسَهُ بعينِ التعظيمِ، ويحتقرَ غيرَهُ. وهذا هو داءُ إبليسَ الأولُ حينَ قالَ: ﴿أَنَا خَيْرٌ مِّنْهُ﴾. والقلبُ المتكبرُ مَصْرُوفٌ عنْ فهمِ آياتِ اللهِ، قالَ تعالى: ﴿سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾.
القَسْوَةُ: وهي نتيجةُ كثرةِ الذنوبِ والغفلةِ. قالَ سيِّدُنا رسولُ اللهِ ﷺ: "إِنَّ العَبْدَ إِذَا أَخْطَأَ خَطِيئَةً نُكِتَتْ فِي قَلْبِهِ نُكْتَةٌ سَوْدَاءُ... فَإِنْ هُوَ نَزَعَ وَاسْتَغْفَرَ وَتَابَ سُقِلَ قَلْبُهُ". فإذا زادتِ الذنوبُ، اسْوَدَّ القلبُ وعَلَاهُ "الرَّانُ"، فلمْ يَعُدْ يَعْرِفُ معروفًا ولا يُنْكِرُ منكرًا.

أَيُّهَا السَّادَةُ الكِرَامُ: كَيْفَ نُعَالِجُ قُلُوبَنَا؟ إنَّ طريقَ العودةِ منَ "السَّقَمِ" إلى "السَّلَامَةِ" يَحْتَاجُ إلى "طِبٍّ رَبَّانِيٍّ"، وصفَهُ لنا أطباؤنا منَ العارفينَ:

إِدْمَانُ الذِّكْرِ: الذكرُ هو "الجَلَّاءُ" الذي يُزِيلُ صدأَ الغفلةِ. شكا رجلٌ إلى الحسنِ البصريِّ قساوةَ قلبِهِ فقالَ لهُ: "أَذِبْهَا بِالذِّكْرِ".
تَلَاوَةُ القُرْآنِ بِتَدَبُّرٍ: فهو الشفاءُ لما في الصدورِ. قراءةُ وردٍ يوميٍّ بنيةِ الاستشفاءِ تُحْيِي مواتَ القلبِ.
مُخَالَفَةُ الهَوَى: أصلُ كلِّ مرضٍ هو اتباعُ الهوى، ودواؤُهُ في مخالفتِهِ.
قِيَامُ اللَّيْلِ: ركعاتٌ في جوفِ الليلِ، والناسُ نيامٌ، تَسْكُبُ في القلبِ نورًا لا تُوازِيهِ شموسُ الدنيا.

فَلْنَتَعَاهَدْ قلوبَنَا، ولْنُفَتِّشْ فيها كلَّ يومٍ: هلْ فيها غِلٌّ؟ هلْ فيها كِبْرٌ؟ولْنُطَهِّرْهَا بماءِ الاستغفارِ، حتى نلقَى اللهَ بقلبٍ سليمٍ، فذلكَ هو الفوزُ العظيمُ. وباللهِ تعالى التوفيقُ.

خاطرة 11

يَكْفِي أَنْ تَكُونَ مَعْرُوفًا فِي السَّمَاءِ

الحَمْدُ للهِ الَّذِي خَلَقَ الإِنْسَانَ وَكَرَّمَهُ، وَجَعَلَ مِيزَانَ التَّفَاضُلِ عِنْدَهُ التَّقْوَى وَلَيْسَ سِوَاهَا، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ الأَتَمَّانِ الأَكْمَلَانِ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ، الَّذِي أَرْسَى قِيَمَ العَدْلِ الإِلَهِيِّ، فَرَفَعَ الخَامِلِينَ بِإِيمَانِهِمْ، وَعَلَى آلِهِ وَأَصْحَابِهِ نُجُومِ الهُدَى، وَمَنْ سَارَ عَلَى دَرْبِهِمْ بِإِخْلَاصٍ وَصَفَاءٍ.

أَيُّهَا السَّادَةُ الكِرَامُ، فِي زَمَنٍ أَصْبَحَتْ فِيهِ الأَضْوَاءُ غَايَةً، وَكَلاَمُ النَّاسِ هَمًّا، وَالسَّعْيُ وَرَاءَ الشُّهْرَةِ وَالمَنَاصِبِ دَأَبًا، تَأْتِي رِسَالَةُ السَّمَاءِ لِتُعِيدَ تَرْتِيبَ أَوْلَوِيَّاتِ القَلْبِ، وَتُصَحِّحَ مَسَارَ الرُّوحِ. إِنَّهَا الحَقِيقَةُ السَّاطِعَةُ: مَا قِيمَةُ أَنْ يَعْرِفَكَ أَهْلُ الأَرْضِ كُلُّهُمْ، وَأَنْتَ نَكِرَةٌ فِي مَلَكُوتِ السَّمَاءِ؟ وَمَاذَا يَضُرُّكَ أَنْ يَجْهَلَكَ أَهْلُ الدُّنْيَا جَمِيعًا، وَاسْمُكَ يُتْلَى بِالثَّنَاءِ فِي المَلَأِ الأَعْلَى؟

إِنَّ المِيزَانَ عِنْدَ اللهِ يَخْتَلِفُ كُلِّيًّا عَنْ مَوَازِينِ البَشَرِ. فَمَوَازِينُنَا قَاصِرَةٌ؛ تَزِنُ بِالمَالِ وَالجَاهِ وَالمَنْصِبِ وَالحَسَبِ وَالنَّسَبِ. أَمَّا مِيزَانُ الحَقِّ فَهُوَ دَقِيقٌ وَعَادِلٌ، لاَ يَقْبَلُ إِلَّا عُمْلَةً وَاحِدَةً: التَّقْوَى. قَالَ المَوْلَى عَزَّ وَجَلَّ بِأَبْلَغِ بَيَانٍ: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ (الحجرات: 13). فَلَيْسَ الأَكْرَمُ هُوَ الأَغْنَى أَوِ الأَقْوَى، بَلْ هُوَ الأَتْقَى.

أَيُّهَا السَّادَةُ الكِرَامُ: حِينَ تَصْمُتُ أَلْسِنَةُ المَدْحِ وَالذَّمِّ

لَقَدْ عَلَّمَنَا دِينُنَا أَنْ نُوَجِّهَ أَعْمَالَنَا كُلَّهَا لِوَجْهٍ وَاحِدٍ، هُوَ وَجْهُ اللهِ الكَرِيمِ. فَمَنْ عَمِلَ لِيُرْضِيَ اللهَ، لاَ يَضُرُّهُ سَخَطُ النَّاسِ. وَمَنْ عَمِلَ لِيُرْضِيَ النَّاسَ بِسَخَطِ اللهِ، وَكَلَهُ اللهُ إِلَى النَّاسِ وَلَنْ يُغْنُوا عَنْهُ شَيْئًا. وَتَارِيخُنَا الإِسْلَامِيُّ مَلِيءٌ بِقَصَصِ أُولَئِكَ الأَبْرَارِ الأَخْفِيَاءِ الَّذِينَ كَانُوا كُنُوزًا مَدْفُونَةً فِي الأَرْضِ، وَلَكِنَّهُمْ كَانُوا أَعْلَامًا مَشْهُورَةً عِنْدَ أَهْلِ السَّمَاءِ:

سَيِّدُنَا أُوَيْسٌ القَرَنِيُّ... مَجْهُولُ الأَرْضِ، مَعْرُوفُ السَّمَاءِ: هَذَا التَّابِعِيُّ الجَلِيلُ، عَاشَ فِي زَمَنِ سَيِّدِنَا رَسُولِ اللهِ ﷺ وَلَمْ يَرَهُ، مَنَعَهُ بِرُّهُ بِأُمِّهِ مِنْ شَرَفِ الصُّحْبَةِ. لَقَدْ قَالَ عَنْهُ سَيِّدُنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ لِسَيِّدِنَا عُمَرَ بْنِ الخَطَّابِ: "إِنْ اسْتَطَعْتَ أَنْ يَسْتَغْفِرَ لَكَ فَافْعَلْ".
سَيِّدُنَا بِلاَلُ بْنُ رَبَاحٍ... صَوْتٌ تَسْمَعُهُ الجَنَّةُ: عَبْدٌ حَبَشِيٌّ كَانَ يُعَذَّبُ فِي رَمْضَاءِ مَكَّةَ، فَرَفَعَهُ اللهُ بِإِيمَانِهِ، وَجَعَلَهُ مُؤَذِّنَ سَيِّدِ الخَلْقِ ﷺ، وَقَالَ لَهُ: "يَا بِلاَلُ، حَدِّثْنِي بِأَرْجَى عَمَلٍ عَمِلْتَهُ فِي الإِسْلَامِ، فَإِنِّي سَمِعْتُ دَفَّ نَعْلَيْكَ بَيْنَ يَدَيَّ فِي الجَنَّةِ".

أَيُّهَا السَّادَةُ الكِرَامُ: كَيْفَ نَكُونُ مِنْ أَهْلِ السَّمَاءِ؟

لِكَيْ لاَ يَظَلَّ هَذَا الكَلاَمُ مُجَرَّدَ أَحَادِيثَ نَتَأَثَّرُ بِهَا لَحْظَةً ثُمَّ نَنْسَاهَا، فَإِنَّ الطَّرِيقَ إِلَى أَنْ نَكُونَ مَعْرُوفِينَ فِي السَّمَاءِ يَتَطَلَّبُ مِنَّا خُطُوَاتٍ عَمَلِيَّةً:

أَصْلِحْ سَرِيرَتَكَ: اجْعَلْ هَمَّكَ الأَكْبَرَ إِصْلاَحَ مَا فِي القَلْبِ، فَنَظَرُ اللهِ إِلَى القُلُوبِ لاَ إِلَى الصُّوَرِ. قَالَ ﷺ: "إِنَّ اللهَ لاَ يَنْظُرُ إِلَى صُوَرِكُمْ وَأَمْوَالِكُمْ، وَلَكِنْ يَنْظُرُ إِلَى قُلُوبِكُمْ وَأَعْمَالِكُمْ".
اجْعَلْ لَكَ خَبِيئَةً مِنْ عَمَلٍ صَالِحٍ: اجْعَلْ بَيْنَكَ وَبَيْنَ اللهِ عِبَادَةً فِي السِّرِّ لاَ يَعْلَمُهَا أَحَدٌ مِنْ خَلْقِهِ؛ كَرَكَعَاتٍ فِي جَوْفِ اللَّيْلِ، أَوْ صَدَقَةٍ تُخْفِيهَا حَتَّى لاَ تَعْلَمَ شِمَالُكَ مَا تُنْفِقُ يَمِينُكَ، أَوْ ذِكْرٍ وَاسْتِغْفَارٍ وَأَنْتَ خَالٍ بِرَبِّكَ. فَهَذِهِ الخَبَايَا هِيَ كُنُوزُكَ الحَقِيقِيَّةُ.
لاَ تَنْتَظِرْ ثَنَاءً مِنْ أَحَدٍ: عَوِّدْ نَفْسَكَ عَلَى أَنْ تَعْمَلَ لِوَجْهِ اللهِ فَقَطْ. فَإِذَا أَتَى المَدْحُ فَهُوَ مِنْ فَضْلِ اللهِ، وَإِذَا لَمْ يَأْتِ فَلاَ يَضُرُّكَ، فَأَنْتَ تُعَامِلُ رَبًّا كَرِيمًا لاَ يُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلاً.
اهْتَمَّ بِمَنْ لاَ يَهْتَمُّ بِهِ النَّاسُ: تَفَقَّدِ الفُقَرَاءَ، وَامْسَحْ رَأْسَ اليَتِيمِ، وَصِلِ الأَرْحَامَ المَقْطُوعَةَ، وَكُنْ عَوْنًا لِلضَّعِيفِ. فَإِنَّ مَحَبَّةَ أَهْلِ السَّمَاءِ تُنَالُ بِالرَّحْمَةِ بِأَهْلِ الأَرْضِ.

فَلْتَكُنْ غَايَتُنَا أَنْ نُصْلِحَ مَا بَيْنَنَا وَبَيْنَ اللهِ، فَإِذَا صَلُحَتِ العَلَاقَةُ مَعَ الخَالِقِ، أَصْلَحَ اللهُ لَنَا عَلَاقَتَنَا بِالخَلْقِ، وَأَلْقَى مَحَبَّتَنَا فِي قُلُوبِهِمْ. وَبِاللهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ.

خاطرة 12

مَوَازِينُ السَّمَاءِ: حِينَ يَتَكَلَّمُ العَدْلُ وَيَفِيضُ الفَضْلُ

الحمدُ للهِ القَيُّومِ، الَّذِي قَامَتْ بِعَدْلِهِ السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ، وَخَضَعَتْ لِحُكْمِهِ الرِّقَابُ، وَجَعَلَ الرُّجْعَى إِلَيْهِ لِيَفْصِلَ بَيْنَ العِبَادِ. وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ، صَاحِبِ الشَّفَاعَةِ العُظْمَى يَوْمَ الوُرُودِ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَهْلِ التُّقَى وَالجُودِ.

أَيُّهَا السَّادَةُ الكِرَامُ : إِنَّ النَّفْسَ البَشَرِيَّةَ تَتُوقُ بِفِطْرَتِهَا إِلَى العَدْلِ، وَتَنْفِرُ مِنَ الظُّلْمِ. وَلَكِنَّ عَدْلَ الدُّنْيَا قَدْ يَشُوبُهُ النَّقْصُ، وَقَدْ يُفْلِتُ المُجْرِمُ فِيهَا مِنْ عِقَابِهِ، أَوْ يُبْخَسُ المُحْسِنُ فِيهَا حَقَّهُ. هُنَا، تَأْتِي آيَةٌ مِنْ كِتَابِ اللهِ، لِتَضَعَ النِّقَاطَ عَلَى الحُرُوفِ، وَتُطَمْئِنَ كُلَّ قَلْبٍ بِأَنَّ الحِسَابَ الخِتَامِيَّ بِيَدِ مَنْ لَا يَغْفُلُ وَلَا يَنَامُ.

يَقُولُ رَبُّنَا جَلَّ فِي عُلَاهُ: ﴿وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَسَاءُوا بِمَا عَمِلُوا وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى﴾ (النَّجْم: 31).

إِنَّهَا لَيْسَتْ مُجَرَّدَ إِخْبَارٍ، بَلْ هِيَ "قَسَمٌ إِلَهِيٌّ" مَضْمُونُهُ أَنَّ المُلْكَ كُلَّهُ للهِ، وَأَنَّ الغَايَةَ مِنْ هَذَا المُلْكِ هِيَ إِقَامَةُ هَذَا الجَزَاءِ.

أَيُّهَا السَّادَةُ الكِرَامُ: لَطَائِفُ العَدْلِ وَالفَضْلِ

دَعُونَا نَغُوصُ فِي أَعْمَاقِ هَذِهِ الكَلِمَاتِ الرَّبَّانِيَّةِ لِنَسْتَخْرِجَ دُرَرَهَا:

الدِّقَّةُ فِي المُقَابَلَةِ: قَابَلَ اللهُ بَيْنَ "الإِسَاءَةِ" وَ "الإِحْسَانِ"، وَلَمْ يَقُلْ "الَّذِينَ كَفَرُوا" وَ "الَّذِينَ آمَنُوا"، لِيَشْمَلَ الجَزَاءُ كُلَّ عَمَلٍ؛ فَكُلُّ إِسَاءَةٍ لَهَا جَزَاءٌ، وَكُلُّ إِحْسَانٍ لَهُ ثَوَابٌ.
* عَدْلُ "البَاءِ" فِي (بِمَا عَمِلُوا): هَذِهِ البَاءُ هِيَ بَاءُ "السَّبَبِيَّةِ" وَ "المُقَابَلَةِ". أَيْ أَنَّ عِقَابَ المُسِيءِ يَكُونُ بِمِقْدَارِ عَمَلِهِ السَّيِّئِ فَقَطْ، لَا ظُلْمَ وَلَا زِيَادَةَ. إِنَّهُ مِيزَانُ الذَّرَّةِ: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾.
فَضْلُ "البَاءِ" فِي (بِالْحُسْنَى): أَمَّا هُنَا، فَالْبَاءُ لِلتَّعْدِيَةِ إِلَى مَا هُوَ أَعْظَمُ. لَمْ يَقُلْ "بِمَا عَمِلُوا" كَمَا قَالَ مَعَ المُسِيءِ، لِأَنَّ عَمَلَ المُحْسِنِ -مَهْمَا عَظُمَ- لَا يُوَازِي نِعَمَ اللهِ، وَلَا يَسْتَحِقُّ بِذَاتِهِ الجَنَّةَ. إِنَّمَا الجَزَاءُ هُنَا "بِالْحُسْنَى" أَيْ بِالطَّرِيقَةِ الحُسْنَى، وَهِيَ الفَضْلُ وَالزِّيَادَةُ وَالجَنَّةُ الَّتِي فِيهَا مَا لَا عَيْنَ رَأَتْ.

أَيُّهَا السَّادَةُ الكِرَامُ: "الَّذِينَ أَحْسَنُوا"... مَنْ هُمْ؟

الإِحْسَانُ هُنَا لَيْسَ مُجَرَّدَ تَرْكِ المَعَاصِي الظَّاهِرَةِ، بَلْ هُوَ مَقَامٌ رَفِيعٌ، وَصَفَهُ الحَقُّ فِي الآيَةِ الَّتِي تَلِيهَا مُبَاشَرَةً: ﴿الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلَّا اللَّمَمَ إِنَّ رَبَّكَ وَاسِعُ الْمَغْفِرَةِ﴾ (النَّجْم: 32).

إِنَّهُمْ بَشَرٌ يُخْطِئُونَ، قَدْ يَقَعُونَ فِي "اللَّمَمِ" (الصَّغَائِرِ)، لَكِنَّهُمْ لَا يُصِرُّونَ عَلَيْهَا، وَسُرْعَانَ مَا يَعُودُونَ إِلَى رِحَابِ "وَاسِعِ المَغْفِرَةِ". إِحْسَانُهُمْ لَيْسَ عِصْمَةً، بَلْ هُوَ "تَوْبَةٌ مُسْتَمِرَّةٌ" وَمُرَاقَبَةٌ دَائِمَةٌ للهِ.

لَقَدْ بَكَى سَيِّدُنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ رَوَاحَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ وَهُوَ وَاضِعٌ رَأْسَهُ فِي حِجْرِ زَوْجَتِهِ، فَبَكَتْ لِبُكَائِهِ. فَقَالَ لَهَا: "مَا يُبْكِيكِ؟" قَالَتْ: "رَأَيْتُكَ تَبْكِي فَبَكَيْتُ". قَالَ: "إِنِّي ذَكَرْتُ قَوْلَ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَقْضِيًّا﴾، فَلَا أَدْرِي أَأَنْجُو مِنْهَا أَمْ لَا؟!".

هَذَا هُوَ حَالُ المُحْسِنِينَ؛ قُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ رَغْمَ إِحْسَانِهِمْ، لِأَنَّهُمْ يَعْرِفُونَ جَلَالَ مَنْ يُعَامِلُونَ.

خَاتِمَةٌ: بَيْنَ الخَوْفِ وَالرَّجَاءِ: إِنَّ هَذِهِ الآيَةَ، يَا سَادَةُ، تَجْعَلُ المُؤْمِنَ يَطِيرُ إِلَى اللهِ بِجَنَاحَيْنِ:

جَنَاحُ "الخَوْفِ" مِنْ عَدْلِهِ إِنْ أَسَاءَ، فَيَرْتَدِعُ عَنِ الظُّلْمِ وَالمَعْصِيَةِ.

وَجَنَاحُ "الرَّجَاءِ" فِي فَضْلِهِ إِنْ أَحْسَنَ، فَيَنْشَطُ لِلطَّاعَةِ وَيَسْتَبْشِرُ بِالخَيْرِ.

فَلْنُحَاسِبْ أَنْفُسَنَا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا قَبْلَ أَنْ نَقِفَ بَيْنَ يَدَيْ مَنْ لَا تَخْفَى عَلَيْهِ خَافِيَةٌ، وَلْنَسْأَلْهُ سُبْحَانَهُ أَنْ يَجْعَلَنَا مِمَّنْ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنْهُ الحُسْنَى. وَبِاللهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ.

خاطرة 13

دَوَاءُ القَلَقِ: كَيْفَ نُطْفِئُ نَارَ التَّفْكِيرِ المُفْرِطِ؟

الحمدُ للهِ الَّذِي جَعَلَ ذِكْرَهُ طُمَأْنِينَةً لِلْقُلُوبِ، وَأَنْزَلَ سَكِينَتَهُ عَلَى عِبَادِهِ المُؤْمِنِينَ لِيَثْبُتُوا، وَجَعَلَ التَّوَكُّلَ عَلَيْهِ مَخْرَجًا مِنْ كُلِّ ضِيقٍ. وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ، الَّذِي عَلَّمَنَا كَيْفَ نُوَاجِهُ الهَمَّ وَالحَزَنَ بِالدُّعَاءِ وَاليَقِينِ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَهْلِ الرِّضَا وَالتَّسْلِيمِ.

أَيُّهَا السَّادَةُ الكِرَامُ: لَوْ نَظَرْنَا اليَوْمَ إِلَى حَالِ كَثِيرٍ مِنَ النَّاسِ، لَوَجَدْنَا أَنفُسًا قَلِقَةً وَقُلُوبًا مُضْطَرِبَةً. لَقَدْ أَصْبَحْنَا نَعِيشُ فِي عَصْرٍ تَتَسَارَعُ فِيهِ الأَحْدَاثُ، وَتَتَكَاثَرُ فِيهِ المَشَاغِلُ، وَتُلِحُّ فِيهِ مُطَالِبُ الدُّنْيَا.

أَصْبَحَ الإِنْسَانُ يَقْضِي يَوْمَهُ يَلْهَثُ وَرَاءَ الرِّزْقِ، وَيُقَلِّبُ بَصَرَهُ فِي شَاشَاتٍ لا تَنَامُ، تُطَارِدُهُ الأَخْبَارُ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ، وَتُحَاصِرُهُ المُقَارَنَاتُ مَعَ حَيَاةِ الآخَرِينَ.

فِي خِضَمِّ هَذَا الضَّجِيجِ، أَصْبَحَ "التَّفْكِيرُ المُفْرِطُ" دَاءً يُؤَرِّقُ الكَثِيرِينَ. يَتَقَلَّبُ الإِنْسَانُ فِي فِرَاشِهِ، وَعَقْلُهُ لا يَنَامُ؛ يَجْتَرُّ هُمُومَ المَاضِي الَّذِي انْقَضَى، وَيَسْتَجْلِبُ مَخَاوِفَ المُسْتَقْبَلِ الَّذِي لَمْ يَأْتِ بَعْدُ.

هَذَا "التَّفْكِيرُ الزَّائِدُ" هُوَ فَخٌّ مَنْصُوبٌ لِقَلْبِ المُؤْمِنِ، يُرِيدُ أَنْ يَسْلُبَهُ أَغْلَى مَا يَمْلِكُ: السَّكِينَةَ وَالطُّمَأْنِينَةَ.

إِنَّ الشَّيْطَانَ، يَا سَادَةُ، قَدْ أَقْسَمَ أَنْ يَجْلِبَ لَنَا الحُزْنَ. قَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّمَا النَّجْوَىٰ مِنَ الشَّيْطَانِ لِيَحْزُنَ الَّذِينَ آمَنُوا...﴾. وَأَعْظَمُ طَرِيقٍ لِلْحُزْنِ هُوَ أَنْ يَجْعَلَ العَبْدَ يَدُورُ فِي حَلَقَةٍ مُفْرَغَةٍ مِنْ الوَسَاوِسِ وَالأَوْهَامِ، فَيَنْسَى حَاضِرَهُ، وَيُضَيِّعُ يَوْمَهُ، وَيُهْمِلُ عِبَادَتَهُ.

أَيُّهَا السَّادَةُ الكِرَامُ: دَوَاءٌ مِنَ السُّنَّةِ وَالقُرْآن : إِنَّ دِينَنَا لَمْ يَتْرُكْ هَذَا الدَّاءَ بِلا دَوَاءٍ. بَلْ قَدَّمَ لَنَا مَنْهَجًا عَمَلِيًّا لِقَطْعِ هَذِهِ السِّلْسِلَةِ مِنَ القَلَقِ:

الدَّوَاءُ الأَوَّلُ: قَطْعُ الفِكْرَةِ (فَلْيَنْتَهِ): لَقَدْ جَاءَ الصَّحَابَةُ إِلَى سَيِّدِنَا رَسُولِ اللهِ ﷺ يَشْكُونَ مَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ مِنْ وَسَاوِسَ عَظِيمَةٍ. فَقَالَ لَهُمُ المَنْهَجَ الوَاضِحَ: "فَإِذَا بَلَغَهُ فَلْيَسْتَعِذْ بِاللهِ وَلْيَنْتَهِ" (رَوَاهُ مُسْلِمٌ).

الأَمْرُ هُنَا "وَلْيَنْتَهِ"! أَيْ: لا تُكْمِلْ، لا تُحَلِّلْ، لا تَسْتَرْسِلْ مَعَ الفِكْرَةِ. قِفْ. اسْتَعِذْ بِاللهِ مِنْهَا، وَاشْغَلْ نَفْسَكَ بِشَيْءٍ آخَرَ.

* الدَّوَاءُ الثَّانِي: مَلْءُ الفَرَاغِ بِالذِّكْرِ: إِنَّ القَلَقَ لا يَسْكُنُ قَلْبًا عَامِرًا بِذِكْرِ اللهِ. فَالعَقْلُ لا يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ فَارِغًا؛ إِمَّا أَنْ تَشْغَلَهُ بِالحَقِّ، وَإِلَّا شَغَلَكَ بِالبَاطِلِ. وَالحَلُّ مُبَاشِرٌ فِي كِتَابِ اللهِ: ﴿أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾. حِينَ يَبْدَأُ الهَمُّ، ابْدَأْ أَنْتَ بِالذِّكْرِ.
الدَّوَاءُ الثَّالِثُ: اليَقِينُ بِالمَقْدُورِ: كَانَ سَيِّدُنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ يَسْتَعِيذُ بِاللهِ كُلَّ صَبَاحٍ وَمَسَاءٍ فَيَقُولُ: "اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الهَمِّ وَالحَزَنِ..." (رَوَاهُ البُخَارِيُّ). "الحَزَنُ" عَلَى مَا فَاتَ، وَ "الهَمُّ" مِمَّا هُوَ آتٍ. وَدَوَاءُ كِلَيْهِمَا هُوَ التَّسْلِيمُ. فَمَا أَصَابَكَ لَمْ يَكُنْ لِيُخْطِئَكَ، وَمَا أَخْطَأَكَ لَمْ يَكُنْ لِيُصِيبَكَ.

وَقَدْ ضَرَبَ لَنَا سَيِّدُنَا عُمَرُ بْنُ الخَطَّابِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ المَثَلَ فِي الرَّاحَةِ النَّفْسِيَّةِ حِينَ قَالَ: "إِنِّي لا أَحْمِلُ هَمَّ الإِجَابَةِ، وَلَكِنْ أَحْمِلُ هَمَّ الدُّعَاءِ". أَيْ أَنَّ عَقْلَهُ مُنْشَغِلٌ بِ "وَاجِبِهِ" (وَهُوَ الدُّعَاءُ)، وَلَيْسَ مُنْشَغِلًا بِ "قَلَقِ النَّتِيجَةِ" (وَهِيَ الإِجَابَةُ) لِأَنَّهَا بِيَدِ اللهِ.

أَيُّهَا السَّادَةُ الكِرَامُ: وَصَايَا عَمَلِيَّةٌ لِرَاحَةِ البَالِ

وَلِكَيْ نُطَبِّقَ هَذَا الدَّوَاءَ، هَذِهِ وَصَايَا عَمَلِيَّةٌ تُعِينُ عَلَى طَرْدِ القَلَقِ:

خَصِّصْ وَقْتًا لِلتَّدَبُّرِ لا لِلوَسْوَسَةِ: لا تَتْرُكْ عَقْلَكَ يَسْرَحُ طَوَالَ اليَوْمِ. اجْعَلْ لِلتَّفْكِيرِ وَقْتًا مُحَدَّدًا (مِثْلُ: بَعْدَ صَلاةِ العِشَاءِ)، تَكْتُبُ فِيهِ مَا يُقْلِقُكَ، وَتَضَعُ لَهُ خُطَّةً إِنْ كَانَ بِيَدِكَ، أَوْ تُفَوِّضُهُ إِلَى اللهِ إِنْ كَانَ فَوْقَ طَاقَتِكَ.
عِشْ فِي حُدُودِ يَوْمِكَ: لَقَدْ عَلَّمَنَا سَيِّدُنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ أَنْ نَقُولَ: "أَصْبَحْنَا وَأَصْبَحَ المُلْكُ للهِ"، وَأَنْ نَسْأَلَ اللهَ خَيْرَ "هَذَا اليَوْمِ". لا تَحْمِلْ هَمَّ الغَدِ عَلَى هَمِّ اليَوْمِ. فَإِذَا أَمْسَيْتَ فَلا تَنْتَظِرِ الصَّبَاحَ.
تَحَرَّكْ وَلا تَرْكَنْ: إِنَّ الفَرَاغَ وَالجُمُودَ هُمَا أَرْضٌ خِصْبَةٌ لِلتَّفْكِيرِ المُفْرِطِ. قُمْ فَتَوَضَّأْ، صَلِّ رَكْعَتَيْنِ، امْشِ قَلِيلًا، اقْرَأْ كِتَابًا، تَحَدَّثْ مَعَ صَالِحٍ. فَالحَرَكَةُ تَقْطَعُ تَسَلْسُلَ الأَفْكَارِ.
جَالِسْ أَهْلَ اليَقِينِ: ابْتَعِدْ عَمَّنْ يَبُثُّونَ فِيكَ القَلَقَ وَالسَّلْبِيَّةَ، وَابْحَثْ عَنْ صُحْبَةِ أَهْلِ الطُّمَأْنِينَةِ وَالرِّضَا، فَإِنَّ السَّكِينَةَ تَتَنَزَّلُ فِي مَجَالِسِهِمْ.

فَلْنَتَعَلَّمْ أَنْ نُدِيرَ أَفْكَارَنَا بِالإِيمَانِ، وَنَقْطَعَ حِبَالَ الوَسْوَاسِ بِالاسْتِعَاذَةِ، وَنَمْلَأَ قُلُوبَنَا بِالذِّكْرِ، وَنُسَلِّمَ أُمُورَنَا كُلَّهَا لِلرَّبِّ الكَرِيمِ. وَبِاللهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ.

خاطرة 14

عَرَفْتَ فَالْزَمْ

الحمدُ للهِ الذي يَقْذِفُ النورَ في قلوبِ أوليائِه فيُبصِرون، ويَكشِفُ لهم عن حقائقِ الأمورِ فيوقِنون، ويُذيقُهم حلاوةَ الإيمانِ فيثبُتون. والصلاةُ والسلامُ على سيِّدِنا مُحمَّدٍ، الذي كان يدعو فيقول: "اللَّهُمَّ اجْعَلْ فِي قَلْبِي نُورًا" (رواه البخاري ومسلم)، وعلى آلِه وصحبِه الذين ذاقوا فعَرَفوا، فلَزِموا وما انحرفوا.

أيُّها السادةُ الكرامُ: إنَّ للإيمانِ ظاهرًا وباطنًا. ظاهرُهُ قولٌ باللسانِ وعملٌ بالأركانِ، وهذا حالُ عُمومِ المؤمنين. أمّا باطنُهُ وحقيقتُهُ، فهو نورٌ يَقذِفُهُ اللهُ في القلبِ، ويقينٌ راسخٌ يُغيِّرُ نظرةَ العبدِ للكونِ كلِّه. هو مَقامٌ لا يُنالُ بكثرةِ العِلمِ فقط، بل بصِدْقِ التوجُّهِ وصفاءِ السَّرِيرَةِ.

إنها لحظةٌ فارقةٌ ينتقلُ فيها العبدُ مِنْ "عِلْمِ اليَقِينِ" إلى "عَيْنِ اليَقِينِ". يسألُ فيها الصادقُ نفسَه: ما هي حقيقةُ إيماني؟ فيأتيهِ الجوابُ مِنْ داخلِ قلبِه، لا مِنْ حِبْرِ كُتُبِه.

أيُّها السادةُ الكرامُ: حقيقةُ المَعْرِفَةِ: إنَّ لهذا النورِ الإيمانيِّ عَلامَاتٍ تدلُّ عليه، وآثارًا تَشْهَدُ لِصاحِبِه:

العلامةُ الأولى: هَوَانُ الدُّنيا على القلبِ: أوَّلُ ما يُشرِقُ به هذا النورُ هو إطفاءُ وَهَجِ الدُّنيا في عينِ صاحبِه. حين يرى العبدُ الأمورَ على حقيقتِها، تَعْزِفُ نفسُهُ عن هذه الفانيةِ. لا يعني هذا تَرْكَ العملِ أو السَّعْيِ، فإنَّ يدَ المؤمنِ تعملُ وتَكْسِبُ، ولكنَّ قلبَهُ لا يتعلَّقُ. يَستوِي عندَهُ حينئذٍ ذهبُها وحجرُها؛ لأنَّه يَعلمُ أنَّ كليهما إلى زوالٍ.

وهذا حالُ سيِّدِنا الإمامِ أحمدَ بنِ حنبلٍ رضي اللهُ عنه، حين بَعَثَ إليه تاجرٌ بآلافِ الدراهمِ، فوزَّعها كلَّها في يومِه، ولم يُبقِ لبيتِه شيئًا. فقيل له، فقال: (إنَّما مَثَلِي ومَثَلُ الدنيا كمَثَلِ راكبٍ استظلَّ تحتَ شجرةٍ ثم قامَ وتركَها). لقد استوى عندَه العطاءُ والمنعُ، لوجودِ ما هو أعظمُ في قلبِه.

وقد صدَقَ القائلُ حين وَصَفَها:

إِنَّمَا الدُّنْيَا فَنَاءٌ   ***   لَيْسَ لِلدُّنْيَا ثُبُوتُ
إِنَّمَا الدُّنْيَا كَبَيْتٍ   ***   نَسَجَتْهُ العَنْكَبُوتُ

العلامةُ الثانيةُ: استحضارُ الغيبِ كأنَّهُ شَهَادَةٌ:

إذا صَفَا القلبُ، أصبحَ كالمِرْآةِ المَجْلُوَّةِ التي تنعكِسُ عليها أنوارُ الغيبِ. فينتقلُ المؤمنُ مِنْ دائرةِ "السَّماعِ" عن الجنةِ والنارِ، إلى دائرةِ "المُشَاهَدَةِ" القلبيَّةِ. وهذا هو عينُ مَقامِ "الإحسانِ" الذي وَصَفَهُ سيِّدُنا رسولُ اللهِ ﷺ حين سألَهُ سيِّدُنا جبريلُ عليهِ السلامُ: "ما الإحسانُ؟ قال: أَنْ تَعْبُدَ اللهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ فَإِنَّهُ يَرَاكَ" (رواه مسلم).

لقد كان السَّلَفُ الصالحُ يعيشونَ بهذه الحقيقةِ؛ فهذا سيِّدُنا عُمَرُ بنُ الخَطَّابِ رضيَ اللهُ عنه يقولُ: "لو كُشِفَ الغِطَاءُ ما ازْدَدْتُ يَقِينًا".

وهذا سيِّدُنا عُمَرُ بنُ عبدِ العَزِيزِ رضيَ اللهُ عنه، وَجَدُوهُ يومًا يبكي، فسألُوهُ، فقال: "كنتُ مُفكِّرًا في أهلِ الجنةِ كيف يتزاوَرونَ فيها، وفي أهلِ النارِ كيف يَصْطَرِخُونَ فيها، ثم بَكَى".

وقد سُئِلَ سيِّدُنا الإمامُ الجُنَيْدُ رضيَ اللهُ عنه: بِمَ يَنالُ العبدُ هذه الدرجةَ؟ فقال: "أن تموتَ عنكَ، وتَحيا به".

وقال الحَسَنُ البَصْرِيُّ رحمَهُ اللهُ: "واللهِ ما صَدَّقَ عبدٌ بالنارِ قَطُّ إلا ضاقَتْ عليهِ الأرضُ بما رَحُبَتْ".

أيُّها السادةُ الكرامُ: "فَأَلْزَمْ" إنَّ الوصولَ إلى هذه المعرفةِ هِبَةٌ ربَّانيَّةٌ، ونورٌ إلهيٌّ، ولكنَّها ليستْ نهايةَ الطريقِ، بل هي بدايةُ المسؤوليَّةِ. فإِنَّ مَنْ عَرَفَ، كان لِزامًا عليهِ أنْ يَلْزَمَ.

" عَرَفْتَ فَالْزَمْ " ... يا لهُ مِنْ أمرٍ جامعٍ!

أمرٌ بالثَّباتِ على هذا النورِ، والحِفَاظِ على هذا اليَقِينِ.

ولهذا الفَرْقِ الدقيقِ بينَ المعرفةِ الحقيقيَّةِ ومجرَّدِ التَّجْرِبَةِ، يُحكَى عن أحدِ العلماءِ الكِبارِ أنَّه كان يأخذُ عطاءَهُ فيُوَزِّعُهُ كلَّهُ على الفقراءِ وهو في طريقِه إلى البيتِ، فإذا عادَ وَجَدَ المالَ كما هو تحتَ وِسَادَتِهِ. فرآهُ ابنُ أخيهِ، ففَعَلَ مِثْلَهُ؛ وزَّعَ عطاءَهُ وعادَ فلم يَجِدْ شيئًا! فذهبَ يسألُ عَمَّهُ، فقال له الكلمةَ الفاصلةَ: "يا بُنَيَّ، أنا أصنَعُها بِيَقِينٍ، وَأَنْتَ تَصْنَعُهَا بِتَجْرِبَةٍ، واللهُ لا يُجَرَّبُ مَعَهُ!".

فاليقينُ هو المعرفةُ التي تقتضي اللُّزومَ. "فَأَلْزَمْ" يعني: دَاوِمْ على ما أنتَ عليهِ مِنَ الطاعةِ. "فَأَلْزَمْ" يعني: جَاهِدْ نفسَكَ وهواكَ لِتَبْقَى على هذه البصيرةِ.

إنَّهُ عبدٌ قد اختصَّهُ اللهُ بالنورِ، فعليهِ أنْ يَحْفَظَ هذا النورَ بالتقوى والمُدَاوَمَةِ على العملِ الصالحِ.

فنَسْأَلُ اللهَ العظيمَ أنْ يَرْزُقَنَا قلوبًا مُنَوَّرَةً، ويقينًا صادقًا، وأنْ يُعِينَنَا على أنْ نَلْزَمَ طاعتَهُ حتى نلقاهُ وهو راضٍ عنَّا. وباللهِ تعالى التوفيقُ.

خاطرة 15

يَا هَارِبًا مِنَ الرَّحِيمِ.. إِلَى أَيْنَ؟

بِسْمِ اللَّهِ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى سَيِّدِنَا وَمَوْلَانَا رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، الْمَبْعُوثِ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ، وَأَمَلًا لِلْمُذْنِبِينَ.

أَمَّا بَعْدُ: أَيُّهَا الْأَخُ الْحَبِيبُ: يَا مَنْ أَتْعَبَتْكَ دُرُوبُ الْحَيَاةِ، وَأَثْقَلَتْ كَاهِلَكَ الذُّنُوبُ، وَشَعَرَتْ رُوحُكَ بِالْوَحْشَةِ بَعِيدًا عَنْ مَوْلَاهَا.. إِلَيْكَ أَكْتُبُ هَذِهِ الْكَلِمَاتِ، لَا بِلِسَانِ الْوَاعِظِ الْمُعَاتِبِ، بَلْ بِلِسَانِ الْأَخِ الْمُحِبِّ الْمُشْفِقِ.

هَلْ تَظُنُّ أَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ يَنْتَظِرُ زَلَّتَكَ لِيُعَذِّبَكَ؟ حَاشَاهُ وَهُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ!

هَلْ تَعْتَقِدُ أَنَّ ذُنُوبَكَ أَكْبَرُ مِنْ مَغْفِرَتِهِ؟ إِذَنْ أَنْتَ لَمْ تَعْرِفْهُ حَقَّ الْمَعْرِفَةِ.

اسْمَعْ إِلَى هَذَا النِّدَاءِ الرَّبَّانِيِّ الَّذِي يَخْلَعُ الْقُلُوبَ مِنْ فَرْطِ الرَّحْمَةِ، يَقُولُ اللَّهُ جَلَّ جَلَالُهُ فِي الْحَدِيثِ الْقُدْسِيِّ: "يَا ابْنَ آدَمَ، إِنَّكَ مَا دَعَوْتَنِي وَرَجَوْتَنِي غَفَرْتُ لَكَ عَلَى مَا كَانَ فِيكَ وَلَا أُبَالِي.. يَا ابْنَ آدَمَ، لَوْ بَلَغَتْ ذُنُوبُكَ عَنَانَ السَّمَاءِ ثُمَّ اسْتَغْفَرْتَنِي غَفَرْتُ لَكَ وَلَا أُبَالِي".

"وَلَا أُبَالِي"! أَيْ لَا أَكْتَرِثُ لِعِظَمِ هَذِهِ الذُّنُوبِ وَكَثْرَتِهَا، لِأَنَّ عَفْوِي أَعْظَمُ، وَرَحْمَتِي أَوْسَعُ.

أَلَمْ تَسْمَعْ قِصَّةَ ذَلِكَ الرَّجُلِ الَّذِي أَسْرَفَ عَلَى نَفْسِهِ؟ جَاءَ رَجُلٌ إِلَى سَيِّدِنَا رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، شَيْخٌ كَبِيرٌ قَدْ سَقَطَ حَاجِبَاهُ عَلَى عَيْنَيْهِ مِنْ شِدَّةِ الْكِبَرِ، وَهُوَ يَتَوَكَّأُ عَلَى عَصَاهُ، وَقَالَ: "يَا رَسُولَ اللَّهِ، رَجُلٌ عَمِلَ الذُّنُوبَ كُلَّهَا، وَلَمْ يَتْرُكْ حَاجَةً وَلَا دَاجَةً إِلَّا اقْتَرَفَهَا (أَيْ لَمْ يَتْرُكْ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً)، فَهَلْ لَهُ مِنْ تَوْبَةٍ؟".

تَخَيَّلْ مَعِي الْمَشْهَدَ.. رَجُلٌ غَارِقٌ فِي الْمَعَاصِي طِوَالَ عُمْرِهِ! فَنَظَرَ إِلَيْهِ الرَّحْمَةُ الْمُهْدَاةُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَالَ لَهُ: "أَتَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ؟" قَالَ: "نَعَمْ يَا رَسُولَ اللَّهِ" قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "فَإِنَّ اللَّهَ يُبَدِّلُ لَكَ سَيِّئَاتِكَ كُلَّهَا حَسَنَاتٍ"فَذُهِلَ الرَّجُلُ وَقَالَ: "وَغَدَرَاتِي وَفَجَرَاتِي يَا رَسُولَ اللَّهِ؟!" (يَعْنِي حَتَّى الْكَبَائِرَ وَالْمُصَائِبَ؟) فَقَالَ الْحَبِيبُ الْمُصْطَفَى: "وَغَدَرَاتُكَ وَفَجَرَاتُكَ"فَوَلَّى الرَّجُلُ وَهُوَ يَبْكِي وَيُكَبِّرُ: "اللَّهُ أَكْبَرُ، اللَّهُ أَكْبَرُ"، حَتَّى تَوَارَى عَنِ الْأَنْظَارِ.

يَا مَنْ تَشْعُرُ بِالْبُعْدِ..إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ أَفْرَحُ بِتَوْبَتِكَ مِنْكَ! نَعَمْ، هُوَ الْغَنِيُّ عَنْكَ، لَكِنَّهُ يُحِبُّ عَوْدَتَكَ.

يَقُولُ سَيِّدُنَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "لَلَّهُ أَشَدُّ فَرَحًا بِتَوْبَةِ عَبْدِهِ الْمُؤْمِنِ مِنْ رَجُلٍ فِي أَرْضٍ دَوِيَّةٍ مَهْلَكَةٍ، مَعَهُ رَاحِلَتُهُ عَلَيْهَا طَعَامُهُ وَشَرَابُهُ، فَنَامَ فَاسْتَيْقَظَ وَقَدْ ذَهَبَتْ (ضَاعَتْ)، فَطَلَبَهَا حَتَّى أَدْرَكَهُ الْعَطَشُ.. فَقَالَ: أَرْجِعُ إِلَى مَكَانِي الَّذِي كُنْتُ فِيهِ فَأَنَامُ حَتَّى أَمُوتَ.. فَوَضَعَ رَأْسَهُ عَلَى سَاعِدِهِ لِيَمُوتَ، فَاسْتَيْقَظَ وَعِنْدَهُ رَاحِلَتُهُ وَعَلَيْهَا زَادُهُ وَطَعَامُهُ وَشَرَابُهُ.. فَاللَّهُ أَشَدُّ فَرَحًا بِتَوْبَةِ الْعَبْدِ الْمُؤْمِنِ مِنْ هَذَا بِرَاحِلَتِهِ وَزَادِهِ".

هَلْ رَأَيْتَ حُبًّا أَعْظَمَ مِنْ هَذَا؟ رَبُّ الْعِزَّةِ يَفْرَحُ بِكَ أَنْتَ! أَنْتَ الَّذِي تَرَى نَفْسَكَ بَعِيدًا وَصَغِيرًا بِذُنُوبِكَ، هُوَ يَرَاكَ غَالِيًا إِنْ عُدْتَ إِلَيْهِ.

فَمَا الَّذِي يَمْنَعُكَ الْآنَ؟ لَا تَقُلْ: "قَلْبِي قَاسٍ".. فَذِكْرُ اللَّهِ يُلَيِّنُ الْحَدِيدَ.

لَا تَقُلْ: "سَأَعُودُ لِلذَّنْبِ".. عُدْ إِلَيْهِ الْآنَ، وَإِنْ أَذْنَبْتَ فَعُدْ مَرَّةً أُخْرَى، فَهُوَ الْغَفَّارُ لِمَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَى.

لَا تَنْتَظِرْ لَحْظَةً مُنَاسِبَةً، فَالْأَنْفَاسُ مَعْدُودَةٌ، وَبَابُهُ مَفْتُوحٌ لَا يُغْلَقُ أَبَدًا فِي وَجْهِ قَاصِدٍ، لَا بَوَّابَ لَهُ وَلَا حَاجِبَ.

خُطْوَةٌ وَاحِدَةٌ فَقَطْ...قُمْ الْآنَ، تَوَضَّأْ، وَصَلِّ رَكْعَتَيْنِ فِي جَوْفِ اللَّيْلِ أَوْ فِي خَلْوَةٍ، وَمَرِّغْ جَبْهَتَكَ عَلَى الْأَرْضِ، وَقُلْ لَهُ بِصِدْقٍ: "يَا رَبِّ.. عُدْتُ إِلَيْكَ، فَاقْبَلْنِي.. أَنَا عَبْدُكَ الْآبِقُ قَدْ جَاءَكَ، أَنَا الْفَقِيرُ الَّذِي أَغْنَيْتَهُ فَعَصَاكَ، وَسَتَرْتَهُ فَفَجَرَ.. وَهَا أَنَا ذَا بَيْنَ يَدَيْكَ، لَا مَلْجَأَ وَلَا مَنْجَا مِنْكَ إِلَّا إِلَيْكَ"وَاللَّهِ، لَنْ يَرُدَّكَ صِفْرًا أَبَدًا.

اللَّهُمَّ يَا مُقَلِّبَ الْقُلُوبِ، رُدَّنَا إِلَيْكَ رَدًّا جَمِيلًا، وَلَا تَجْعَلْ بَيْنَنَا وَبَيْنَكَ فِي رِزْقِكَ أَحَدًا سِوَاكَ، وَاجْعَلْنَا أَفْقَرَ خَلْقِكَ إِلَيْكَ، وَأَغْنَى خَلْقِكَ بِكَ.. آمِينَ، وَصَلِّ اللَّهُمَّ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلِّمْ.

خاطرة 16

لَوْ عَلِمْتَ كَيْفَ يُحِبُّكَ.. لَذَابَ قَلْبُكَ شَوْقًا إِلَيْه

بِسْمِ اللَّهِ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى إِمَامِ الْمُحِبِّينَ، وَسَيِّدِ الْعَارِفِينَ، سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.

أَمَّا بَعْدُ: أَيُّهَا الْمُحِبُّ: هَلْ سَأَلْتَ نَفْسَكَ يَوْمًا: كَيْفَ يَرَانِي اللَّهُ؟ هَلْ يَشْغَلُكَ الْخَوْفُ مِنْ عِقَابِهِ عَنِ التَّلَذُّذِ بِحُبِّهِ؟

دَعْنِي أَخُذُ بِيَدِكَ الْيَوْمَ لِنَنْظُرَ نَظْرَةً مُغَايِرَةً، لِنَرَى "الْوَدُودَ" جَلَّ جَلَالُهُ، الَّذِي يَتَوَدَّدُ إِلَى عِبَادِهِ بِالنِّعَمِ، وَيَتَحَبَّبُ إِلَيْهِمْ بِالْعَطَايَا، وَهُمْ يَتَبَغَّضُونَ إِلَيْهِ بِالْمَعَاصِي!

أَتَدْرِي كَمْ هُوَ رَحِيمٌ بِكَ؟ تَأَمَّلْ مَعِي هَذَا الْمَشْهَدَ النَّبَوِيَّ الْبَاكِيَ.. فِي سَبْيٍ مِنْ سَبَايَا الْمَعَارِكِ، رَأَى الصَّحَابَةُ امْرَأَةً مَلْهُوفَةً تَجْرِي وَتَبْحَثُ بِجُنُونٍ بَيْنَ النَّاسِ، حَتَّى وَجَدَتْ صَبِيًّا لَهَا، فَأَخَذَتْهُ فَأَلْصَقَتْهُ بِبَطْنِهَا وَأَرْضَعَتْهُ (مِنْ شِدَّةِ الْحَوْفِ وَالْحُبِّ)، فَنَظَرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى الصَّحَابَةِ وَقَالَ: "أَتُرَوْنَ هَذِهِ الْمَرْأَةَ طَارِحَةً وَلَدَهَا فِي النَّارِ؟"قَالُوا: لَا وَاللَّهِ وَهِيَ تَقْدِرُ عَلَى أَلَّا تَطْرَحَهُ، فَقَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَلِمَةً تَفِيضُ أَمَانًا: "لَلَّهُ أَرْحَمُ بِعِبَادِهِ مِنْ هَذِهِ بِوَلَدِهَا"، يَا اللَّهُ! هَلْ تَسْتَوْعِبُ؟ حُبُّ اللَّهِ لَكَ، وَخَوْفُهُ عَلَيْكَ، وَرَحْمَتُهُ بِكَ، أَكْبَرُ مِنْ حُبِّ أُمِّكَ الَّتِي حَمَلَتْكَ وَأَرْضَعَتْكَ! فَكَيْفَ تَهْرُبُ مِمَّنْ هُوَ أَرْحَمُ بِكَ مِنْ نَفْسِكَ؟

هُوَ الَّذِي يَبْدَأُ بِالْوَصْلِ.. الْمُلُوكُ فِي الدُّنْيَا، إِذَا أَرَدْتَ الدُّخُولَ عَلَيْهِمْ، وَقَفْتَ بِالْبَابِ سَاعَاتٍ، وَقَدْ يُؤْذَنُ لَكَ أَوْ لَا. أَمَّا مَلِكُ الْمُلُوكِ، فَهُوَ الَّذِي يَتَنَزَّلُ إِلَيْكَ كُلَّ لَيْلَةٍ!

يَنْتَظِرُكَ أَنْتَ.. يَنْتَظِرُ أَنْ تَخْلُوَ بِهِ.. يُنَادِي فِي جَوْفِ اللَّيْلِ وَأَنْتَ نَائِمٌ: "مَنْ يَدْعُونِي فَأَسْتَجِيبَ لَهُ؟ مَنْ يَسْأَلُنِي فَأُعْطِيَهُ؟ مَنْ يَسْتَغْفِرُنِي فَأَغْفِرَ لَهُ؟".

يَعْرِضُ عَلَيْكَ حَوَائِجَكَ، وَيَعْرِضُ عَلَيْكَ مَغْفِرَتَهُ، قَبْلَ أَنْ تَطْلُبَهَا! أَيوجد مُحِبٌّ يَفْعَلُ هَذَا مَعَ مَحْبُوبِهِ سِوَاهُ؟ يُعْطِيكَ عَلَى النِّيَّةِ مَا لَا يُعْطِيهِ عَلَى الْعَمَلِ..

مِنْ كَمَالِ حُبِّهِ لَكَ، أَنَّهُ جَعَلَ "هَمَّكَ" بِالْخَيْرِ حَسَنَةً! يَقُولُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيمَا يَرْوِيهِ عَنْ رَبِّهِ: "إِذَا هَمَّ عَبْدِي بِحَسَنَةٍ وَلَمْ يَعْمَلْهَا كَتَبْتُهَا لَهُ حَسَنَةً، فَإِنْ عَمِلَهَا كَتَبْتُهَا عَشْرَ حَسَنَاتٍ إِلَى سَبْعِمِائَةِ ضِعْفٍ.. وَإِذَا هَمَّ بِسَيِّئَةٍ وَلَمْ يَعْمَلْهَا لَمْ أَكْتُبْهَا شَيْئًا (وَفِي رِوَايَةٍ: كَتَبْتُهَا لَهُ حَسَنَةً كَامِلَةً)، فَإِنْ عَمِلَهَا كَتَبْتُهَا سَيِّئَةً وَاحِدَةً"، انْظُرْ إِلَى الْمِيزَانِ.. الْهَمُّ بِالْخَيْرِ مَحْسُوبٌ، وَالْهَمُّ بِالشَّرِّ مَعْفُوٌّ عَنْهُ بَلْ وَمَأْجُورٌ إِنْ تَرَكْتَهُ! إِنَّهُ يُرِيدُ لَكَ النَّجَاةَ بِأَيِّ طَرِيقٍ.

يَا صَاحِبَ الْقَلْبِ الْبَعِيدِ .. لَوْ عَلِمْتَ كَيْفَ يَدْفَعُ عَنْكَ الْبَلَاءَ وَأَنْتَ لَا تَشْعُرُ.. لَذَابَ قَلْبُكَ حُبًّا.

كَمْ مِنْ مَرَّةٍ سَاقَ إِلَيْكَ رِزْقًا لَمْ تَحْتَسِبْهُ؟ كَمْ مِنْ مَرَّةٍ سَتَرَكَ وَأَنْتَ تَعْصِيهِ، وَكَانَ قَادِرًا عَلَى أَنْ يَفْضَحَكَ عَلَى رُؤُوسِ الْأَشْهَادِ؟

يَقُولُ ابْنُ الْقَيِّمِ رَحِمَهُ اللَّهُ: "لَوْ كَشَفَ اللَّهُ الْغِطَاءَ لِعَبْدِهِ، وَأَظْهَرَ لَهُ كَيْفَ يُدَبِّرُ لَهُ أُمُورَهُ، وَكَيْفَ أَنَّ اللَّهَ أَحْرَصُ عَلَى مَصْلَحَةِ الْعَبْدِ مِنْ نَفْسِهِ، لَذَابَ قَلْبُ الْعَبْدِ مَحَبَّةً لِلَّهِ، وَلَتَقَطَّعَ قَلْبُهُ شُكْرًا لِلَّهِ".

رِسَالَةٌ خِتَامِيَّةٌ.. لَا تَعْبُدِ اللَّهَ بِجَسَدٍ حَاضِرٍ وَقَلْبٍ غَائِبٍ.. اعْبُدْهُ "حُبًّا".

قُلْ لَهُ فِي سُجُودِكَ الْيَوْمَ: "أُحِبُّكَ يَا رَبِّ.. أُحِبُّكَ لِأَنَّكَ خَلَقْتَنِي، وَأُحِبُّكَ لِأَنَّكَ سَتَرْتَنِي، وَأُحِبُّكَ لِأَنَّكَ رَزَقْتَنِي، وَأُحِبُّكَ لِأَنَّكَ صَبَرْتَ عَلَيَّ رَغْمَ تَقْصِيرِي".

جَرِّبْ أَنْ تُكَلِّمَهُ بِلُغَةِ الْحُبِّ، وَسَتَرَى كَيْفَ سَتَتَحَوَّلُ حَيَاتُكَ إِلَى جَنَّةٍ قَبْلَ جَنَّةِ الْآخِرَةِ.

اللَّهُمَّ ارْزُقْنَا حُبَّكَ، وَحُبَّ مَنْ يُحِبُّكَ، وَحُبَّ كُلِّ عَمَلٍ يُقَرِّبُنَا إِلَى حُبِّكَ، وَاجْعَلْ حُبَّكَ أَحَبَّ إِلَيْنَا مِنَ الْمَاءِ الْبَارِدِ عَلَى الظَّمَأِ.. آمِينَ.

خاطرة 17

وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا

الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي جَعَلَ بَرَكَةَ الْأَبَاءِ الصَّالِحِينَ تَمْتَدُّ إِلَى الْأَبْنَاءِ، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى سَيّدنَا نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ الَّذِي أَتَمَّ مَكَارِمَ الْأَخْلَاقِ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَمَنْ سَارَ عَلَى نَهْجِهِمْ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ.

أَيُّهَا السَّادَةُ الْكِرَامُ: إِنَّ الْقُرْآنَ الْكَرِيمَ لَمْ يَذْكُرْ قِصَّةَ الْخَضِرِ وَمُوسَى عَلَيْهِمَا السَّلَامُ عَبَثًا، بَلْ هِيَ مِلْيئَةٌ بِالْعِبَرِ وَالدُّرُوسِ الْعَظِيمَةِ. وَمِنْ أَعْظَمِ هَذِهِ الْعِبَرِ مَا وَرَدَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَأَمَّا الْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلَامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ وَكَانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ لَّهُمَا وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا فَأَرَادَ رَبُّكَ أَن يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا وَيَسْتَخْرِجَا كَنزَهُمَا رَحْمَةً مِّن رَّبِّكَ﴾ (الْكَهْف: 82).

تِلْكَ الْآيَةُ الْكَرِيمَةُ تُعَلِّمُنَا أَنَّ صَلَاحَ الْأَبِ لَا يَنْحَصِرُ أَثَرُهُ عَلَى شَخْصِهِ فَقَطْ، بَلْ يَمْتَدُّ لِيَشْمَلَ ذُرِّيَّتَهُ وَأَحْفَادَهُ مِنْ بَعْدِهِ. فَهَذَا الْكَنْزُ الَّذِي حُفِظَ لِغُلَامَيْنِ يَتِيمَيْنِ كَانَ بَرَكَةً وَجَزَاءً عَلَى صَلَاحِ أَبِيهِمَا الَّذِي مَاتَ وَلَمْ يُدْرِكْ صَغِيرَيْهِ. فَاللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى حَفِظَ لَهُمَا حَقَّهُمَا فِي هَذَا الْكَنْزِ بِسَبَبِ صَلَاحِ وَتَقْوَى أَبِيهِمَا.

أَيُّهَا السَّادَةُ الْكِرَامُ: إِنَّ الْأُبُوَّةَ الصَّالِحَةَ لَيْسَتْ مُجَرَّدَ وِرَاثَةٍ لِلْمَالِ، بَلْ هِيَ وِرَاثَةٌ لِلْخُلُقِ وَالْقِيَمِ. فَكَمْ مِنْ آبَاءٍ تَرَكُوا لِأَبْنَائِهِمْ ثَرَوَاتٍ طَائِلَةً، لَكِنَّهُمْ أَهْمَلُوا تَرْبِيَتَهُمْ عَلَى الصَّلَاحِ وَالتَّقْوَى، فَأَضَاعَ الْأَبْنَاءُ الْمَالَ وَأَهْلَكُوا أَنْفُسَهُمْ. وَكَمْ مِنْ آبَاءٍ تَرَكُوا لِأَبْنَائِهِمْ الْقَلِيلَ مِنَ الْمَالِ، لَكِنَّهُمْ غَرَسُوا فِيهِمْ حُبَّ اللَّهِ وَتَقْوَاهُ، فَبَارَكَ اللَّهُ لَهُمْ فِي قَلِيلِهِمْ وَحَفِظَ عَلَيْهِمْ دِينَهُمْ وَدُنْيَاهُمْ.

لَقَدْ كَانَ السَّلَفُ الصَّالِحُ يَرَوْنَ فِي صَلَاحِ الْأَبِ كَنْزًا لِأَبْنَائِهِ، وَمِنْ قَصَصِهِمْ وَأَقْوَالِهِمْ فِي ذَلِكَ:

قِصَّةُ مَالِكِ بْنِ دِينَارٍ: كَانَ مَالِكُ بْنُ دِينَارٍ يَدْعُو لِأَبْنَائِهِ وَيَقُولُ: "إِنِّي لَأَجِدُ فِي كِتَابِ اللَّهِ أَنَّ اللَّهَ يُصْلِحُ لِلْعَبْدِ أَوْلَادَهُ بِصَلَاحِهِ".
وَقِصَّةُ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ: كَانَ يَقُولُ لِابْنِهِ: "يَا بُنَيَّ، إِنِّي لَأُصْلِي مِنْ أَجْلِكَ". أيْ: يُصلي ويتعبّد ويجتهد في الطاعة رجاء أن يحفظ الله أبناءه ببركة عمله الصالح.
وَقَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ: "كَانَ يُقَالُ: إِنَّ الرَّجُلَ إِذَا كَانَ صَالِحًا، أَصْلَحَ اللَّهُ لَهُ فِي ذُرِّيَّتِهِ".
كَانَ يُقَالُ أَنَّ رَجُلًا صَالِحًا عِنْدَمَا مَاتَ، وَجَدُوا فِي وَصِيَّتِهِ: "وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا". فَقَالُوا: "إِنَّهُ يُشِيرُ إِلَى أَنَّ اللَّهَ حَفِظَ أََبْنَائِهِ مِنْ بَعْدِهِ بِسَبَبِ صَلَاحِهِ".
وَكَانَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ رَحِمَهُ اللَّهُ يَقُولُ: "مَا أُرِيدُ أَنْ أَتْرُكَ لِأَبْنَائِي مَالًا كَثِيرًا، فَاللَّهُ الَّذِي حَفِظَهُمْ وَحَفِظَنِي قَبْلَهُمْ هُوَ الَّذِي سَيَحْفَظُهُمْ بَعْدِي".

وَلَقَدْ كَانَ السَّلَفُ الصَّالِحُ يُؤْمِنُونَ بِهَذَا الْمَبْدَأِ إِيمَانًا قَوِيًّا، حَتَّى كَانُوا يَعْتَبِرُونَ صَلَاحَهُمْ دِرْعًا وَحِصْنًا لِأَبْنَائِهِمْ. وَمِنْ أَعْظَمِ الْقِصَصِ الَّتِي تَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ مَا يُحْكَى عَنْ رَجُلٍ صَالِحٍ كَانَ يُرَبِّي أَبْنَاءَهُ عَلَى حُبِّ اللَّهِ وَخَشْيَتِهِ. وَفِي يَوْمٍ مِنَ الْأَيَّامِ، بَيْنَمَا كَانَ الرَّجُلُ فِي سَفَرٍ، سَمِعَ أَنَّ بَيْتَهُ قَدْ هُدِمَ وَوَقَعَ عَلَى مَنْ فِيهِ. فَصَاحَ الرَّجُلُ بِصَوْتٍ عَالٍ: "يَا رَبَّاه، يَا اللَّهَ! إِنَّ بَيْتِي قَدْ وَقَعَ عَلَى أَوْلَادِي وَأَهْلِي، وَأَنْتَ الَّذِي أَمَرْتَنِي بِأَنْ أَكُونَ لَهُمْ أَبًا صَالِحًا، فَلَا تُضِعْ عَمَلِي وَصَلَاحِي! يَا رَبَّاه، بِحَقِّ صَلَاحِي وَتَقْوَايَ وَاجْتِهَادِي، احْفَظْ لِي أَوْلَادِي".

وَلَمْ يَمُرَّ وَقْتٌ طَوِيلٌ حَتَّى جَاءَهُ رَجُلٌ مُهْرَعٌ مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ، وَبَشَّرَهُ بِأَنَّ أَوْلَادَهُ وَأَهْلَهُ قَدْ سَلِمُوا مِنْ تَحْتِ الرَّدْمِ، وَلَمْ يُصَبْ مِنْهُمْ أَحَدٌ بِأَذَى. فَتَعَجَّبَ الرَّجُلُ، وَسَأَلَ كَيْفَ نَجَوْا، فَأَخْبَرَهُ أَهْلُ بَيْتِهِ أَنَّهُمْ كَانُوا فِي مَكَانٍ مِنْ الْبَيْتِ لَمْ يَنْهَدِمْ. فَعَلِمَ الرَّجُلُ أَنَّ هَذِهِ الْكَرَامَةَ إِنَّمَا هِيَ بِفَضْلِ صَلَاحِهِ وَدُعَائِهِ لِأَبْنَائِهِ. فَبِصَلَاحِ الْأَبِ، حَفِظَ اللَّهُ أَبْنَاءَهُ مِنَ الْهَلَاكِ، وَجَعَلَ لَهُمْ بَرَكَةً فِي عَمَلِهِ الصَّالِحِ.

أَيُّهَا السَّادَةُ الْكِرَامُ: لِكَيْ نَكُونَ آبَاءً صَالِحِينَ لِأَبْنَائِنَا، عَلَيْنَا أَنْ نَعْمَلَ عَلَى:

تَقْوَى اللَّهِ: فَصَلَاحُنَا هُوَ سَبَبُ بَرَكَةِ اللَّهِ فِي حَيَاتِنَا وَحَيَاةِ أَبْنَائِنَا.
حُسْنِ التَّرْبِيَةِ: فَلَيْسَ كُلُّ صَلَاحٍ يَكُونُ بِدُونِ عَمَلٍ، فَالْأَبُ الصَّالِحُ يَعْمَلُ عَلَى تَرْبِيَةِ أَبْنَائِهِ عَلَى الْخُلُقِ وَالدِّينِ.
الْقُدْوَةِ الْحَسَنَةِ: فَالْأَبُ هُوَ أَوَّلُ مَعْلَمٍ فِي حَيَاةِ أَبْنَائِهِ، وَأَفْعَالُهُ هِيَ الَّتِي يَتَعَلَّمُونَ مِنْهَا أَكْثَرَ مِنْ أَقْوَالِهِ.

إِنَّ صَلَاحَ الْآبَاءِ لَيْسَ مُجَرَّدَ عِبَادَةٍ، بَلْ هُوَ اسْتِثْمَارٌ فِي الْمُسْتَقْبَلِ. فَاللَّهُ الَّذِي حَفِظَ كَنْزَ الْيَتِيمَيْنِ بِسَبَبِ صَلَاحِ أَبِيهِمَا، سَيَحْفَظُ لَنَا أَبْنَاءَنَا وَأَحْفَادَنَا إِنْ كُنَّا مِنَ الصَّالِحِينَ. فَهَنِيئًا لِمَنْ غَرَسَ فِي قَلْبِهِ حُبًّا صَادِقًا لِلَّهِ وَعَمِلَ بِهِ، فَقَادَهُ هَذَا الْحُبُّ إِلَى أَنْ يَكُونَ أَبًا صَالِحًا، فَيَجْعَلَهُ اللَّهُ سَبَبًا فِي صَلَاحِ ذُرِّيَّتِهِ.

وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ.

البَابُ الثَّالِثُ
خاطرة 18

خُطُوَاتٌ عَلَى طَرِيقِ النَّجَاحِ (1): التَّخْطِيطُ وَالصَّبْرُ

بقلم الشيخ أحمد إسماعيل الفشني

الحمدُ للهِ ربِّ العالمينَ، والعاقبةُ للمتقينَ، ولا عدوانَ إلا على الظالمينَ. وأشهدُ أنْ لا إلهَ إلا اللهُ وليُّ الصالحينَ، شهادةً تذكرُنَا عندَ السؤالِ حُجَّتَنَا، وتُيَسِّرُ على الصراطِ مُرُورَنَا، وتَرْوِينَا يومَ العطشِ الأكبرِ مِنْ حوضِ نبيِّنَا ﷺ. ونشهدُ أنَّ سيِّدَنَا ونبيَّنَا وعظيمَنَا وقائدَنَا سيِّدَنَا مُحَمَّدًا ﷺ، شَرَحَ اللهُ صدرَهُ ورَفَعَ فِي العالمينَ ذِكْرَهُ. اللهمَّ صَلِّ على سيِّدِنَا مُحَمَّدٍ الفاتحِ لِمَا أُغْلِقَ، والخاتمِ لِمَا سَبَقَ، ناصرِ الحقِّ بالحقِّ، والهادي إلى صراطِكَ المستقيمِ، وعلى آلِهِ حقَّ قَدْرِهِ ومِقْدَارِهِ العظيمِ.

وَبَعْدُ؛

فإنَّ مِنْ أفضلِ مَا ينبغي أنْ يتعرَّضَ لهُ المسلمُ هو كلُّ ما يُقَرِّبُهُ مِنَ النجاحِ والفلاحِ في حياتِهِ. وقدْ يتساءَلُ كثيرٌ مِنَ الأحبابِ الكرامِ: كيفَ أُحَقِّقُ النجاحَ والفلاحَ في حياتي؟ وكيفَ أَصِلُ إلى مَا وَصَلَ إليهِ فلانٌ وفلانٌ؟

وللإجابةِ عنْ هذا السؤالِ ينبغي أنْ ننظرَ لحياةِ سيِّدِنَا رسولِ اللهِ ﷺ، فهو القدوةُ والأسوةُ في كلِّ حياتِنَا. ولَمَّا تَتَبَّعْتُ حياتَهُ ﷺ وَجَدْتُ عَوَامِلَ لِلنَّجَاحِ اهْتَمَّ بِهَا، مِنْهَا:

أَوَّلًا: التَّخْطِيطُ الجَيِّدُ وَتَحْدِيدُ الأَهْدَافِ:

مِنْ ذَلِكَ مَا حَدَثَ فِي رِحْلَةِ الهِجْرَةِ النَّبَوِيَّةِ المُبَارَكَةِ؛ فَإِنَّ مَنْ تَأَمَّلَ حَادِثَةَ الهِجْرَةِ، وَرَأَى دِقَّةَ التَّخْطِيطِ فِيهَا، وَدِقَّةَ الأَخْذِ بِالأَسْبَابِ مِنْ ابْتِدَائِهَا إِلَى انْتِهَائِهَا، يُدْرِكُ أَنَّ التَّخْطِيطَ المُسَدَّدَ بِالوَحْيِ كَانَ مِنْ أَعْظَمِ أَهْدَافِهِ ﷺ.

فَعِنْدَمَا حَانَ وَقْتُ الهِجْرَةِ، اهْتَمَّ ﷺ بِالتَّنْظِيمِ وَالتَّخْطِيطِ الجَيِّدِ حَتَّى تَمَّتْ عَلَى أَكْمَلِ وَجْهٍ، رَغْمَ كُلِّ الصُّعُوبَاتِ وَالعَقَبَاتِ. وَمِنْ مَظَاهِرِ هَذَا التَّخْطِيطِ:

اخْتِيَارُ الرَّفِيقِ: جَاءَ ﷺ إِلَى بَيْتِ سَيِّدِنَا أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ فِي وَقْتٍ شَدِيدِ الحَرِّ (وَقْتُ الظَّهِيرَةِ)، وَهُوَ الوَقْتُ الَّذِي لَا يَخْرُجُ فِيهِ أَحَدٌ، لِضَمَانِ السِّرِّيَّةِ.
السِّرِّيَّةُ التَّامَّةُ: أَمَرَ أَبَا بَكْرٍ أَنْ يُخْرِجَ مَنْ عِنْدَهُ، وَلَمْ يُبَيِّنْ إِلَّا الأَمْرَ بِالهِجْرَةِ دُونَ تَحْدِيدِ الوَقْتِ وَالطَّرِيقَةِ فِي البِدَايَةِ، وَأَمَرَ أَنْ يَكُونَ الخُرُوجُ لَيْلًا.
اخْتِيَارُ الطَّرِيقِ وَالدَّلِيلِ: اخْتَارَ طَرِيقًا غَيْرَ مَأْلُوفَةٍ لِقُرَيْشٍ، وَاسْتَعَانَ بِخَبِيرٍ (عَبْدِ اللهِ بْنِ أُرَيْقِطٍ) يَعْرِفُ الطَّرِيقَ بِدِقَّةٍ، رَغْمَ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ مُسْلِمًا، لِيُعَلِّمَنَا اعْتِمَادَ الكَفَاءَاتِ مَا دَامَ هَذَا الخَبِيرُ عَلَى خُلُقٍ وَيَحْفَظُ الأَسْرَارَ.

ثَانِيًا: الصَّبْرُ وَالمُثَابَرَةُ:

وَمِنَ الخُطُوَاتِ الَّتِي كَانَ ﷺ يَعْتَنِي بِهَا، وَيُعَلِّمُ أَصْحَابَهُ التَّمَسُّكَ بِهَا: الصَّبْرُ وَالمُثَابَرَةُ لِلْوُصُولِ إِلَى الهَدَفِ.

مَوْقِفُ خَبَّابٍ: عَنْ خَبَّابِ بْنِ الأَرَتِّ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ: شَكَوْنَا إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ وَهُوَ مُتَوَسِّدٌ بُرْدَةً لَهُ فِي ظِلِّ الكَعْبَةِ، فَقُلْنَا: أَلَا تَسْتَنْصِرُ لَنَا؟ أَلَا تَدْعُو لَنَا؟ فَقَالَ: "قَدْ كَانَ مَنْ قَبْلَكُمْ يُؤْخَذُ الرَّجُلُ فَيُحْفَرُ لَهُ فِي الأَرْضِ... وَلَا يَصُدُّهُ ذَلِكَ عَنْ دِينِهِ... وَاللهِ لَيُتِمَّنَّ اللهُ هَذَا الأَمْرَ... وَلَكِنَّكُمْ تَسْتَعْجِلُونَ".
* ثَمَرَةُ الصَّبْرِ: كَانَ هَذَا فِي مَكَّةَ وَقْتَ الاسْتِضْعَافِ، فَنَصَرَهُمُ اللهُ بَعْدَ الصَّبْرِ وَالمُثَابَرَةِ، قَالَ تَعَالَى: ﴿وَلَئِن صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ﴾.

خِتَامًا:

الصَّبْرُ وَالمُثَابَرَةُ صِفَتَانِ أَسَاسِيَّتَانِ لِتَحْقِيقِ النَّجَاحِ؛ فَالصَّبْرُ هُوَ القُدْرَةُ عَلَى التَّحَمُّلِ، وَالمُثَابَرَةُ هِيَ الاسْتِمْرَارُ فِي بَذْلِ الجُهْدِ.

فَفِي الدِّرَاسَةِ يَحْتَاجُ الطَّالِبُ إِلَى مُثَابَرَةٍ، وَفِي العَمَلِ يَحْتَاجُ المُوَظَّفُ إِلَى صَبْرٍ لِتَطْوِيرِ مَهَارَاتِهِ. بِهِمَا نَصِلُ إِلَى السَّعَادَةِ وَالتَّفَوُّقِ.

أَسْأَلُ اللهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى أَنْ يَرْزُقَنَا الصَّبْرَ وَالمُثَابَرَةَ، وَأَنْ يَعِينَنَا عَلَى ذَلِكَ، وَأَنْ يَحْفَظَ بِلَادَنَا مِنْ كُلِّ مَكْرُوهٍ وَسُوءٍ.

خاطرة 19

خُطُوَاتٌ عَلَى طَرِيقِ النَّجَاحِ : إِدَارَةُ الوَقْتِ

الحمد لله رب العالمين وصلاة وسلاماً علي سيدي رسول الله وآله وصحبه ومن والاه واتبع هداه وبعد ؛

أيها السادة الكرام: ﻟﻘﺪ عني اﻟﻘﺮآن الكريم ُ واﻟﺴﻨﺔ النبوية الشريفة ُ ﺑﺎﻟﻮﻗﺖ إعتناءاً كبيراً ومن نواح شتَّى وبصور عديدة، فقدْ أقسم الله به في مطلع بعض السور بجزء منهُ مثل الليلِ، والنهارِ، والفجرِ، والضحَى، والعصرِ، وغيرِ ذلكَ. ومعروفٌ أنّ اللهَ إذَا أقسمَ بشيء مِن خلقه دلَّ ذلكَ على أهميته وعظمته وجليل منفعتِه للعباد .

وكذلكَ جاءت السنة النبوية المطهرة لتؤكدَ على أهمية الوقت فنجد أنّ سيدنا رسول الله ﷺ قالَ: ” لنْ تَزُولَ قَدَمَا عبدٍ يومَ القيامةِ حتى يُسْأَلَ عن أَرْبَعِ خِصالٍ عن عُمُرِهِ فيمَ أَفْناهُ ؟ وعَنْ شَبابِهِ فيمَ أَبْلاهُ ؟ وعَن مالِهِ مِن أينَ اكْتَسَبَهُ وفيمَ أنْفَقَهُ ؟ وعَنْ علمِهِ ماذَا عمِلَ فيهِ .

فالآيات والأحاديث تشير إلى أهمية الوقت في حياة المسلم وأنه ينبغي للمسلم أن يحافظ على وقته لانه سوف يسأل عنه يوم القيامة وخاصة مراحل الشباب فهي مراحل الجد والعمل والبناء

‏والذي ينظر إلى حال السلف الصالح رضوان الله تعالى عليهم أجمعين يجد أنهم استغلوا وقتهم أعظم استغلال فخرجت لنا نماذج مشرفة ومشرقة من هؤلاء الأعلام

‏فمن هذه النماذج الرائعة سيدنا الحسن البصري رضي الله تعالى عنه الذي كان يحث الناس على استغلال أوقاتهم فيقول يا ابن آدم إنما أنت أيام فإذا ذهب يومك ذهب بعضك ، وكان يقول أيضا يا ابن آدم نهارك ضيفك فأحسن إليه فإنك إن أحسنت إليه إرتحل بحمدك وإن أسأت إليه إرتحل بذمك وكذلك ليلتك، وكان أحد السلف يقول أيضاً ما ندمت على شيء ندمي على يوم إنقضي نقص في أجلي ولم يزداد فيه عملي

‏ونقل ايضاً عن بعض السلف أنه كان لا يأكل الخبز فقيل له لما لا تأكل الخبز وتأكل الفتات فقال لأن بين أكل الخبز وشرب الفتات مقدار قراءة 50 آية من القرآن الكريم

فياحسرتنا كم نضيع من أوقاتنا بلا فائدة في ديننا أو دنيانا فتذهب أعمارنا ولم نحصّل كثير من أهدافنا ولم نحقق أيضا كثير من نجاحاتنا كل هذا بسبب ضياع الوقت وعدم الاهتمام به

‏أيها السادة الكرام: استغلوا أوقاتكم في طاعة الله استغلوا أوقاتكم في العمل والجد والاجتهاد فسيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أخبرنا أن من النعم التي لا يعرف قدرها إلا من ضاعت منه وحرم منها ومن ذلك نعمة الوقت فقال عليه الصلاة والسلام نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس الصحة والفراغ .

‏فهنيئا هنيئا لمن استغل وقته وجد واجتهد حتى يحقق أهدافه وحتى يصل إلى النجاح والفلاح في كل جوانب حياته

‏أيها السادة الكرام: هناك عوامل مهمة تجعلنا نحفظ أوقاتنا تتلخص في ما يلي :

‏أولا: محاسبة النفس على الوقت الذي أنت مسؤول عنه يوم القيامة والذي ستندم على تضييعه في غير محله فقد كان عمر بن الخطاب رضي الله عنه يقول حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا وزنوا اعمالكم قبل أن توزن عليكم

فقد نقل عن احد الصالحين انه كان يقول .. على قدرِ أهلِ العزمِ تأتِي العزائم :وتأتِي على قدرِ الكرامِ المكارمُ

وتعظمُ في عينِ الصغيرِ صغارُهَا : وتصغرُ في عينِ العظيمِ العظائمُ

ثانيا : ومنها ايضاً : معرفةُ حال السلف مع الوقت فإنَّ معرفةَ أحوالِهِم وقراءةَ سيرِهِم لهو أكبرُ عونٍ للمسلمِ على حسنِ استغلالِ وقتِهِ، فهم خيرُ مَن أدركَ قيمةَ الوقتِ وأهميةَ العمرِ، وهم أروعُ الأمثلةِ في اغتنامِ دقائقِ العمرِ واستغلالِ أنفاسِهِ في طاعة اللهِ

ثالثا : ومنها: تنويع ما يُستغلّ به الوقت فإنَّ النفسَ بطبيعتِهَا سريعةُ المللِ، وتنفر مِن الشيء المكررِ، وتنويع الأعمالِ يساعدُ النفسَ على استغلالِ أكبرَ قدر ممكن مِن الوقت وأنا دائما أقول اضرب لنفسك بسهم في كل عمل صالح ومقبول حتى لا تمل

فهيا إلى اغتنام الأوقات والعودة إلى ربِّ الأرض والسماوات، واياكم والتسويف فان التسويف آفة تدمر الوقت وتقتل العمر ، فانظر كم تضيع مِن أوقاتك في مواقع التواصل الاجتماعي بلا فائدة وسوف تسأل عن ذلك لا محاله ... وبالله تعالي التوفيق .

خاطرة 20

خُطُوَاتٌ عَلَى طَرِيقِ النَّجَاحِ (التَّفَاؤُلُ وَالأَمَلُ)

الحمد لله رب العالمين وصلاة وسلاماً على سيدي رسول الله وآله وصحبه ومن والاه واتبع هداه، وبعد؛

أيها السادة الكرام: لقد جاء الإسلام بدين الرحمة والتفاؤل، ونهى عن اليأس والقنوط، وربط قلوب المؤمنين دائماً بالرجاء في الله وحسن الظن به.

قال تعالى: "إِنَّهُ لَا يَيْأَسُ مِن رَّوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ" [يوسف: 87].

فالآيات القرآنية العظيمة والأحاديث النبوية الشريفة كلها تحثّ المسلم على التفاؤل، وتزرع في قلبه الأمل مهما اشتدت عليه الظروف.

فقد قال رسول الله ﷺ: "تفاءلوا بالخير تجدوه".

أهمية التفاؤل والأمل: إن التفاؤل والأمل من أعظم أسباب النجاح والفلاح في الدنيا والآخرة، فالمتفائل يرى في كل محنة منحة، وفي كل ابتلاء باباً للرجاء والفرج.

وإذا تأملنا في سيرة النبي ﷺ وجدناه أروع مثال للتفاؤل، فقد واجه الصعاب بعزيمة راسخة وأمل كبير في نصر الله، حتى قال لأبي بكر في الغار: "لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا" [التوبة: 40].

أيها السادة الكرام، إن الأمل هو وقود الحياة، به تتحرك النفوس وتنهض الأمم، وبدونه يعيش الإنسان في ظلام اليأس والإحباط.

نماذج من سلفنا الصالح:

لقد كان السلف رضوان الله عليهم أهل أمل وثقة بالله، يستمدون قوتهم من يقينهم بوعد الله، ومن حسن ظنهم بربهم.

فهذا عبد الله بن مسعود رضي الله عنه كان يقول: "الهلاك في اثنتين: القنوط والعُجب". فهو يبين أن فقدان الأمل طريق للهلاك.
وكان الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله في أشد محنته يُجلد بالسياط، ومع ذلك كان يقول لتلاميذه: "بيننا وبين القوم الجنائز". أي أن الأيام ستكشف الحق بإذن الله، وهذا منتهى الثقة والأمل في نصر الله.
وقال سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه: "لا يقعد أحدكم عن طلب الرزق ويقول: اللهم ارزقني، وقد علم أن السماء لا تمطر ذهباً ولا فضة". فهو يحث على الجمع بين التفاؤل والسعي والعمل.
أما الإمام الشافعي رحمه الله فقد كان يقول:

"ضاقت فلما استحكمت حلقاتها ... فُرجت وكنت أظنها لا تُفرج"

فهذا الشعر يبين يقينه بأن الشدة لا تدوم، وأن مع العسر يسراً.

وكان بعض السلف إذا اشتدت عليه الكروب قال: "لعل الله يحدث بعد ذلك أمراً"، فيستبشر بالفرج القريب.

كيف نغرس التفاؤل والأمل؟

حسن الظن بالله: وهو من أعظم العبادات القلبية.
قراءة قصص الأنبياء والصالحين: ففيها دروس في الصبر والأمل.
مجاهدة النفس على البعد عن التشاؤم.
التوكل على الله مع بذل الأسباب.
مرافقة أهل التفاؤل والإيجابية.

أيها السادة الكرام: التفاؤل ليس مجرد شعور، بل هو عبادة وسلوك يرفع الإنسان درجات ويجعله ثابتاً أمام الشدائد.

فليكن شعارنا دائماً: لا يأس مع الحياة، ولا حياة مع اليأس.

فهنيئاً لمن ملأ قلبه بالأمل والتفاؤل، فصار يسعى في حياته بثقة في ربه، ويواجه مصاعبها بوجه مبتسم وروح مطمئنة، وبالله تعالى التوفيق، وللحديث بقية إن شاء الله...

خاطرة 21

خُطُوَاتٌ عَلَى طَرِيقِ النَّجَاحِ (القُدْوَةُ الحَسَنَةُ)

الحمد لله رب العالمين، والعاقبة للمتقين، ولا عدوان إلا على الظالمين. وأشهد أن لا إله إلا الله ولي الصالحين شهادةً تذكرنا عند السؤال، حجتنا وتيسر على الصراط مرورنا، وتروينا يوم العطش الأكبر من حوض نبينا ﷺ. ونشهد أن سيدنا ونبينا وعظيمنا وقائدنا وقدوتنا وأستاذنا وقرة أعيننا ومخرجنا من الظلمات إلى النور سيدنا محمد ﷺ ، شرح الله صدره ورفع في العالمين ذكره، وصلى عليه ثم أمرنا نحن المؤمنين بالصلاة والسلام عليه فقال جل وعلا: { إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ ۚ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا } اللهم صل على سيدنا محمد الفاتح لما أغلق، والخاتم لما سبق، ناصر الحق بالحق، والهادي إلى صراطك المستقيم، وعلى آله حق قدره ومقداره العظيم. مولاي صل وسلم دائماً أبداً على حبيبك خير الخلق كلهم.

وبعد : فإن من أفضل ما ينبغي أن يتعرض له المسلم هو كل ما يقربه من النجاح والفلاح في حياته، وقد يتسائل كثير من الأحباب الكرام كيف أحقق النجاح والفلاح في حياتي ، كيف أحقق النجاح والفلاح في حياتي ، كيف أصل إلي ما وصل إليه فلان وفلان ، وللإجابة عن هذا السؤال ينبغي أن ننظر لحياة سيدنا رسول الله صلي الله علية وسلم فهو القدوة والأسوة في كل حياتنا ، ولما تتبعت حياته صلي الله عليه وسلم وجدت عوامل للنجاح أهتم بها سيدنا رسول الله صلي الله علية وسلم منها التخطيط الجيد وتحديد الهدف ومنها الصبر والمثابرة حتي يصل الشخص إلي أهدافة وقد تكلمنا عنهما في مقال سابق ، ومن هذه الخطوات التي اعتني بها سيدنا رسول الله ﷺ وبثها في صحابته الكرام أن يكون لكل واحد منا قدوة يسير خلفة ويقتفي خطواته حتي يصل بها إلي أهدافه ويحقق النجاح والفلاح وقد فهم الصحابة الكرام هذا الدرس وطبقوة واتخذوا سيدنا رسول االله ﷺ قدوتهم كما علمهم ربنا في كتابه الكريم حيث قال جل وعلا في سورة الأحزاب ( لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا) معنى الأسوة الحسنة في الآية: تشير إلى أن سيدنا رسول الله ﷺ هو المثال الأعلى في الأخلاق والسلوك، ويجب على المسلمين أن يقتدوا به ، وأذا قلبنا صفحات القران الكريم نجد هذه الكلمة المهمة (القدوة والأسوة الحسنة ) في ايآت عديدة وفي كل مرة لها معني ينبغي أن نتعلمة منها ، فالأسوة الحسنة في القرآن جاءت في المواضع التالية :

إبراهيم عليه السلام في التوحيد والتبرؤ من الشرك، كما ورد ذلك في سورة الممتحنة في قولة تعالي ( قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ......... )
الأنبياء والمرسلين في الصبر والثبات على الحق ، كما ورد ذلك في سورة الممتحنة ايضاً في قولة تعالي ( لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِيهِمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ ۚ.......)
أهل الإيمان في مواقف الشدة والابتلاء ، وما اكثر ذكرهم في القران الكريم .

ومن خلال ما سبق نفهم أهمية الأسوة والقدوة في القران الكريم : أهمية الأسوة في القرآن:

أولا :توجيه للمسلمين: فالآيات تأمر المسلمين بالاقتداء بسيدنا رسول االله ﷺ في جميع أقواله وأفعاله.

ثانياً : بناء الشخصية: فالاقتداء بالقدوة الحسنة يساعد على بناء شخصية المسلم وتنميتها.

ثالثاً : تحقيق الكمال الأخلاقي: فمن خلال التأسي بسيدنا رسول االله ﷺ ، يسعى المسلم إلى تحقيق الكمال الأخلاقي والتحلي بالفضائل.

رابعاً : الاستقامة في السلوك: فالأسوة الحسنة تساعد على الاستقامة في السلوك والابتعاد عن الرذائل.

• وإذا نظرنا في حياة الصحابة الكرام ومواقفهم مع رسولنا الكريم ﷺ نجد عجباً في القدوة والتأسي به ﷺ

ففي عمرة الحدييية وحكايتها المشهوره :لما صدَّ المشركون سيدنا رسول االله ﷺ ـ وأصحابه عن البيت الحرام، حين أرادوا العمرة عام الحديبية، وبعد إبرام الصلح مع قريش، كان هذا الأمر عظيماً على الصحابة ـ رضوان الله عليهم -، فلما أمرهم النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ بنحر ما معهم من الهَدْي ليُحِلُّوا من إحرامهم، ترددوا مع شدةِ حرصهم على طاعته ـ صلى الله عليه وسلم ـ، وهنا يتجلى الأثرُ العظيم للقدوة العملية، إذ أشارت أمُّ المؤمنين أمُّ سَلَمَة - رضي الله عنها ـ على سيدنا رسول االله ﷺ - أن يقوم هو أولاً فينحر ويحلق شعره ـ عمليا ـ، لأن صحابته سيقتدون به عند ذلك لا محالة . فخرج سيدنا رسول االله ﷺ فلم يكلم أحداً منهم حتى فعل ذلك، نَحَرَ بُدْنَهُ، ودعا حالقَه فحلقه، فلما رأى الناس ذلك قاموا فنحروا، وجعل بعضهم يحلق بعضاً، حتى كاد بعضهم يقتل بعضاً غمّاً .

أيها السادة الكرام لقد كان سيدنا رسول االله ﷺ صورةً حيةً لأخلاق وتعاليم الإسلام السامية، رأَى الناس فيه الإسلام رأْيَ العين، فهو أفضل معلم وأعظم قدوةً في تاريخ البشرية كلها، والذي أمرنا ربنا ـ سبحانه ـ بطاعته واتباعه والاقتداء به ، فمنه ﷺ ينبغي ان نتعلم هذا الخلق العظيم إتخاذ القدوة وذلك في كل أُمور حياتنا سواء في العمل او التعليم او العبادات والقربات حتي يصل كل واحد منا إلي ما يتمني من أهداف في حياته ،

فالقدوة الحسنة هي نور يضيء الدرب ومرشد أمين يدعو إلى الخير ويهدي إلى الصراط المستقيم. إنها ليست مجرد تقليد أعمى، بل هي اقتداء بالصفات الحميدة والأفعال الصالحة التي يتحلى بها الأفراد المتميزون، سواء كانوا من الصالحين أو من أهل العلم أو من أصحاب الأخلاق العالية. القدوة الحسنة تلهم الأجيال وتدفعهم نحو التقدم والرقي، وتساهم في بناء مجتمع سليم ومتماسك. وللحديث بقية ان شاء الله .............

اسأل الله تبارك وتعالى باسمة الأعظم الذي إذا دعي به أجاب وإذا سئل به أعطى أن يسترنا بسترة الجميل وأن يرزقنا حسن الأقتداء بالصالحين وأن يوفقنا وإياكم لكل خير وأن يديم على بلدنا مصر نعمة الأمن والأمان والإستقرار إنه ولي ذلك ومولاه. وبالله تعالى التوفيق والسداد.

البَابُ الرَّابِعُ
خاطرة 22

"دَوْلَةُ التِّلَاوَةِ": إِحْيَاءٌ لِمَكَانَةِ أَهْلِ القُرْآنِ

الحمدُ للهِ الَّذِي أَنْزَلَ الكِتَابَ نُورًا وَهُدًى، وَجَعَلَهُ رَبِيعًا لِقُلُوبِ أَهْلِ التُّقَى، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ، الَّذِي كَانَ خُلُقُهُ القُرْآنَ، وَعَلَى آلِهِ وَأَصْحَابِهِ، أَهْلِ الإِتْقَانِ وَالإِحْسَانِ.

أَيُّهَا السَّادَةُ الكِرَامُ: إِنَّ اللهَ تَعَالَى قَدْ شَرَّفَ هَذِهِ الأُمَّةَ بِأَعْظَمِ كِتَابٍ، وَجَعَلَ خَيْرِيَّتَهَا مَنُوطَةً بِهِ. فَلَيْسَ هُنَاكَ مَكَانَةٌ أَرْفَعُ، وَلَا دَرَجَةٌ أَعْلَى، مِنْ مَكَانَةِ مَنْ جَعَلَ القُرْآنَ صَاحِبَهُ فِي الدُّنْيَا لِيَكُونَ شَفِيعَهُ فِي الآخِرَةِ.

يَقُولُ سَيِّدُنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ: "خَيْرُكُمْ مَنْ تَعَلَّمَ القُرْآنَ وَعَلَّمَهُ" (رَوَاهُ البُخَارِيُّ). وَيَقُولُ ﷺ: "إِنَّ للهِ أَهْلِينَ مِنَ النَّاسِ"، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، مَنْ هُمْ؟ قَالَ: "هُمْ أَهْلُ القُرْآنِ، أَهْلُ اللهِ وَخَاصَّتُهُ" (رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ).

أَيُّهَا السَّادَةُ الكِرَامُ: هَكَذَا يَرْفَعُ القُرْآنُ أَهْلَهُ : لَقَدْ كَانَتْ رِعَايَةُ أَهْلِ القُرْآنِ وَتَقْدِيمُهُمْ دَأَبَ الصَّالِحِينَ فِي كُلِّ زَمَانٍ، لِأَنَّهُمْ عَلِمُوا أَنَّ فِي إِكْرَامِهِمْ إِكْرَامًا لِكِتَابِ اللهِ.

فِي عَهْدِ النُّبُوَّةِ: كَانَ سَيِّدُنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ يُقَدِّمُ أَهْلَ القُرْآنِ فِي كُلِّ شَيْءٍ؛ فِي الإِمَامَةِ فِي الصَّلَاةِ، وَحَتَّى فِي القِيَادَةِ. فَقَدْ أَمَّرَ ﷺ شَابًّا عَلَى بَعْثٍ (سَرِيَّةٍ) لِأَنَّهُ يَحْفَظُ سُورَةَ البَقَرَةِ، وَكَانَ فِيهِمْ مَنْ هُوَ أَكْبَرُ مِنْهُ سِنًّا. وَكَانَ إِذَا أَرَادَ دَفْنَ الشُّهَدَاءِ فِي أُحُدٍ، يَسْأَلُ: "أَيُّهُمْ أَكْثَرُ أَخْذًا لِلْقُرْآنِ؟" فَإِذَا أُشِيرَ لَهُ إِلَى أَحَدِهِمْ، قَدَّمَهُ فِي اللَّحْدِ.
فِي عَهْدِ الخُلَفَاءِ: هَذَا سَيِّدُنَا عُمَرُ بْنُ الخَطَّابِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، كَانَ يَجْعَلُ القُرَّاءَ أَهْلَ مَجْلِسِهِ وَمَشُورَتِهِ، كُهُولًا كَانُوا أَوْ شُبَّانًا. وَلَمَّا سَأَلَ وَالِيَهُ عَلَى مَكَّةَ: "مَنِ اسْتَخْلَفْتَ عَلَى أَهْلِ الوَادِي؟" قَالَ: "ابْنَ أَبْزَى". قَالَ: "وَمَنِ ابْنُ أَبْزَى؟" قَالَ: "مَوْلًى مِنْ مَوَالِينَا". فَكَأَنَّ سَيِّدَنَا عُمَرَ تَعَجَّبَ، فَقَالَ الوَالِي: "إِنَّهُ قَارِئٌ لِكِتَابِ اللهِ، عَالِمٌ بِالفَرَائِضِ". فَقَالَ سَيِّدُنَا عُمَرُ: "أَمَا إِنَّ نَبِيَّكُمْ ﷺ قَدْ قَالَ: إِنَّ اللهَ يَرْفَعُ بِهَذَا الكِتَابِ أَقْوَامًا وَيَضَعُ بِهِ آخَرِينَ" (رَوَاهُ مُسْلِمٌ).
فِي عَصْرِنَا الحَدِيثِ: لَمْ يَنْقَطِعْ هَذَا الإِرْثُ. فَقَدْ كَانَتْ مِصْرُ وَلَا تَزَالُ، هِيَ "دَوْلَةُ التِّلَاوَةِ" الحَقِيقِيَّةُ. فَقَدَّمَتْ لِلْعَالَمِ أَصْوَاتًا خَاشِعَةً صَارَتْ جُزْءًا مِنْ وِجْدَانِ الأُمَّةِ، كَأَصْوَاتِ المَشَايِخِ الكِبَارِ (كَالحُصَرِيِّ وَعَبْدِ البَاسِطِ وَالمِنْشَاوِيِّ وَغَيْرِهِمْ) الَّذِينَ كَانُوا وَلَا يَزَالُونَ مَنَارَاتٍ لِلتِّلَاوَةِ الصَّحِيحَةِ.
أَيُّهَا السَّادَةُ الكِرَامُ: بَرَكَةُ الاِسْتِمَاعِ وَالتَّدَبُّرِ: لَمْ يَقْتَصِرِ الأَجْرُ عَلَى القَارِئِ وَالحَافِظِ فَحَسْبُ، بَلْ إِنَّ "الاِسْتِمَاعَ" وَ "التَّدَبُّرَ" هُوَ عِبَادَةٌ فِي ذَاتِهِ، وَبَابٌ عَظِيمٌ لِنُزُولِ الرَّحَمَاتِ. قَالَ تَعَالَى: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾.

وَلَقَدْ كَانَ سَيِّدُنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ، وَهُوَ الَّذِي أُنْزِلَ عَلَيْهِ الكِتَابُ، يُحِبُّ أَنْ يَسْمَعَهُ مِنْ غَيْرِهِ. قَالَ لِسَيِّدِنَا عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ: "اقْرَأْ عَلَيَّ"، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَقْرَأُ عَلَيْكَ وَعَلَيْكَ أُنْزِلَ؟ قَالَ: "إِنِّي أُحِبُّ أَنْ أَسْمَعَهُ مِنْ غَيْرِي" (رَوَاهُ البُخَارِيُّ).

وَمِنْ هَذَا المُنْطَلَقِ الرَّفِيعِ، وَاسْتِمْرَارًا لِمَسِيرَةِ الرِّعَايَةِ، تَأْتِي المُبَادَرَاتُ الطَّيِّبَةُ. وَإِنَّنَا لَنُشِيدُ اليَوْمَ بِبَرْنَامَجٍ مُبَارَكٍ يَحْمِلُ اسْمًا عَظِيمًا: "دَوْلَةُ التِّلَاوَةِ".

إِنَّ هَذَا البَرْنَامَجَ لَيْسَ مُجَرَّدَ مُسَابَقَةٍ، بَلْ هُوَ إِحْيَاءٌ لِلإِرْثِ العَظِيمِ الَّذِي تَمَيَّزَتْ بِهِ مِصْرُ. إِنَّ هَذِهِ المُسَابَقَةَ تُقَدِّمُ خِدْمَةً جَلِيلَةً:

تَحْفِيزُ النَّشْءِ: فَهِيَ تَفْتَحُ بَابَ التَّنَافُسِ المَحْمُودِ بَيْنَ شَبَابِنَا، وَتُوَجِّهُ طَاقَاتِهِمْ نَحْوَ أَشْرَفِ غَايَةٍ.
إِكْرَامُ أَهْلِ القُرْآنِ: حِينَ نَرَى هَذَا الاحْتِفَاءَ بِالحَفَظَةِ وَالمُجَوِّدِينَ، فَإِنَّنَا نُطَبِّقُ وَصِيَّةَ نَبِيِّنَا ﷺ بِإِكْرَامِ حَامِلِ القُرْآنِ.
إِحْيَاءُ فَنِّ الاِسْتِمَاعِ: تُعِيدُ هَذِهِ المُسَابَقَاتُ لِلنَّاسِ ذَوْقَ الاِسْتِمَاعِ الخَاشِعِ، وَالتَّأَثُّرِ بِكَلامِ اللهِ، فِي زَمَنِ الضَّجِيجِ وَالصَّخَبِ.

إِنَّ كُلَّ جُهْدٍ يُبْذَلُ فِي خِدْمَةِ القُرْآنِ هُوَ جُهْدٌ مُبَارَكٌ. فَلْنَحْتَفِ بِهَذِهِ المَوَاهِبِ، وَلْنَدْعَمْ هَذِهِ البَرَامِجَ، فَإِنَّهَا تُعَمِّرُ القُلُوبَ بِالنُّورِ، وَتَحْفَظُ الأُمَّةَ بِبَرَكَةِ كِتَابِ رَبِّهَا. وَبِاللهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ.

خاطرة 23

جَلَالُ الكَلِمَةِ وَآدَابُ القَارِئِ: وَرَتِّلِ القُرْآنَ تَرْتِيلًا

الحمدُ للهِ الَّذِي شَرَّفَنَا بِأَعْظَمِ كِتَابٍ، وَجَعَلَ تِلَاوَتَهُ نُورًا لِلصُّدُورِ وَهَدْيًا لِلأَلْبَابِ. وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ، الَّذِي كَانَ قُرْآنًا يَمْشِي عَلَى الأَرْضِ، وَعَلَى آلِهِ وَأَصْحَابِهِ الَّذِينَ تَلَوْهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ.

أَيُّهَا السَّادَةُ الكِرَامُ: إِنَّ القُرْآنَ الكَرِيمَ لَيْسَ كَسَائِرِ الكُتُبِ. إِنَّهُ كَلَامُ اللهِ، وَهُوَ الصِّفَةُ الَّتِي خَاطَبَ بِهَا رَبُّ العِزَّةِ عِبَادَهُ. وَلِذَلِكَ، فَإِنَّ التَّعَامُلَ مَعَهُ لَا يَكُونُ كَالتَّعَامُلِ مَعَ أَيِّ كَلَامٍ آخَرَ. لَقَدْ بَيَّنَ اللهُ جَلَالَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿لَوْ أَنْزَلْنَا هَٰذَا الْقُرْآنَ عَلَىٰ جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ﴾ (الحَشْر: 21). فَإِذَا كَانَ هَذَا أَثَرَهُ عَلَى الحَجَرِ الأَصَمِّ، فَكَيْفَ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ حَالُ القَلْبِ المُؤْمِنِ عِنْدَ تِلَاوَتِهِ؟

مِنْ هُنَا، وَضَعَ لَنَا أَهْلُ الفَهْمِ وَالبَصِيرَةِ آدَابًا لِتِلَاوَةِ هَذَا الكِتَابِ المَجِيدِ، تَنْقَسِمُ إِلَى ظَاهِرٍ وَبَاطِنٍ.

أَوَّلًا: الآدَابُ الظَّاهِرَةُ (الأَدَبُ مَعَ الحُرُوفِ)

وَهِيَ السِّيَاجُ الأَوَّلُ لِتَعْظِيمِ الكَلَامِ. وَتَشْمَلُ مَا يَلِي:

الطَّهَارَةُ: أَنْ يَكُونَ القَارِئُ عَلَى أَكْمَلِ حَالٍ مِنَ الطَّهَارَةِ، وَلَا يَمَسُّ المُصْحَفَ إِلَّا مُتَوَضِّئًا.
الاِسْتِعَاذَةُ وَالبَسْمَلَةُ: طَلَبًا لِلْحِمَايَةِ مِنَ الشَّيْطَانِ، وَاسْتِعَانَةً بِالرَّحْمَنِ.
الاِسْتِقْبَالُ وَالجُلُوسُ بِأَدَبٍ: فَالجُلُوسُ بِوَقَارٍ وَسَكِينَةٍ أَدْعَى لِلتَّرْكِيزِ وَالخُشُوعِ.

ثَانِيًا: الآدَابُ البَاطِنَةُ (الأَدَبُ مَعَ المَعْنَى)

وَهَذَا هُوَ لُبُّ المَقْصُودِ، وَهُوَ مَا يُمَيِّزُ قَارِئًا عَنْ قَارِئٍ:

* حُضُورُ القَلْبِ وَالتَّدَبُّرُ: إِنَّ اللهَ تَعَالَى أَنْزَلَ القُرْآنَ لِيُتَدَبَّرَ، فَقَالَ: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَىٰ قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا﴾ (مُحَمَّد: 24). وَكَانَ سَيِّدُنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ يَقُولُ: "لَا تَهُذُّوا القُرْآنَ هَذَّ الشِّعْرِ (أَيْ لَا تُسْرِعُوا فِيهِ)، وَلَا تَنْثُرُوهُ نَثْرَ الدَّقَلِ (التَّمْرِ الرَّدِيءِ)، وَلَكِنْ قِفُوا عِنْدَ عَجَائِبِهِ، وَحَرِّكُوا بِهِ القُلُوبَ".
أَنْ يَتَلَقَّى الخِطَابَ: قَالَ بَعْضُ أَهْلِ البَصِيرَةِ (كَالإِمَامِ الغَزَالِيِّ): "يَنْبَغِي لِقَارِئِ القُرْآنِ أَنْ يَسْتَحْضِرَ أَنَّ اللهَ يُخَاطِبُهُ هُوَ". فَيَقْرَأُ الوَعْدَ وَكَأَنَّهُ مَوْعُودٌ بِهِ، وَيَقْرَأُ الوَعِيدَ وَكَأَنَّهُ مُهَدَّدٌ بِهِ، فَيَزْدَادُ رَجَاءً وَخَوْفًا.
التَّأَثُّرُ وَالبُكَاءُ: فَإِنَّ القَلْبَ إِذَا فَهِمَ تَأَثَّرَ. وَقَدْ قَالَ سَيِّدُنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ: "إِنَّ هَذَا القُرْآنَ نَزَلَ بِحُزْنٍ، فَإِذَا قَرَأْتُمُوهُ فَابْكُوا، فَإِنْ لَمْ تَبْكُوا فَتَبَاكَوْا" (رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ). وَكَانَ سَيِّدُنَا عُمَرُ بْنُ الخَطَّابِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ يُصَلِّي بِالنَّاسِ، فَيَقْرَأُ سُورَةَ يُوسُفَ، فَيُسْمَعُ نَشِيجُهُ (صَوْتُ بُكَائِهِ) مِنْ آخِرِ الصُّفُوفِ.

أَيُّهَا السَّادَةُ الكِرَامُ: مِيزَانُ النَّغَمِ وَالأَحْكَامِ

وَهُنَا نَصِلُ إِلَى قَضِيَّةٍ دَقِيقَةٍ، وَهِيَ سَبِيلُ القَارِئِ بَيْنَ جَمَالِ الصَّوْتِ وَجَلَالِ المَعْنَى.

لَقَدْ أَمَرَنَا سَيِّدُنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ بِتَحْسِينِ الصَّوْتِ فَقَالَ: "زَيِّنُوا القُرْآنَ بِأَصْوَاتِكُمْ" (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ). وَأَمَرَنَا اللهُ بِالتَّرْتِيلِ فَقَالَ: ﴿وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا﴾ (المُزَّمِّل: 4).

وَلَكِنْ، يَجِبُ أَنْ نَعْلَمَ أَنَّ "التَّرْتِيلَ" وَ "التَّزْيِينَ" هُمَا وَسِيلَتَانِ لِخِدْمَةِ المَعْنَى وَإِبْرَازِ الخُشُوعِ، وَلَيْسَا غَايَةً فِي ذَاتِهِمَا.

إِنَّ الكَارِثَةَ تَقَعُ حِينَ يَتَحَوَّلُ القَارِئُ مِنْ "مُبَلِّغٍ" عَنِ اللهِ إِلَى "مُطْرِبٍ" لِلنَّاسِ.

حِينَ يَهْتَمُّ القَارِئُ بِ "النَّغَمِ" وَيُضَحِّي بِ "الأَحْكَامِ"، فَهُوَ يَرْتَكِبُ إِثْمًا عَظِيمًا.

فَأَحْكَامُ التَّجْوِيدِ لَمْ تُوضَعْ عَبَثًا؛ فَالمَدُّ وَالقَصْرُ، وَالإِدْغَامُ وَالإِظْهَارُ، كُلُّهَا لِضَبْطِ المَعْنَى كَمَا أُنْزِلَ.

فَأَنْ يَتَلَاعَبَ القَارِئُ بِالأَحْكَامِ لِيُوَافِقَ "مَقَامًا مُوسِيقِيًّا" فَيَمُدُّ مَا لَا يُمَدُّ، أَوْ يَقْصُرُ مَا لَا يُقْصَرُ، فَيُفْسِدُ المَعْنَى أَحْيَانًا، فَهَذَا لَيْسَ مِنَ التَّعْظِيمِ فِي شَيْءٍ، بَلْ هُوَ مِنَ اللَّعِبِ بِكَلَامِ اللهِ.

لَقَدْ كَانَ السَّلَفُ يَكْرَهُونَ "التَّطْرِيبَ" الَّذِي يُخْرِجُ القُرْآنَ عَنْ سَمْتِهِ وَوَقَارِهِ.

إِنَّ القُرْآنَ أُنْزِلَ لِيُخْشَعَ بِهِ، لَا لِيُطْرَبَ بِهِ.

خَاتِمَةٌ وَوَصَايَا لِقَارِئِ القُرْآنِ:

أَخْلِصِ النِّيَّةَ: اجْعَلْ قِرَاءَتَكَ للهِ، لَا لِيُقَالَ "صَوْتُهُ جَمِيلٌ" أَوْ "نَفَسُهُ طَوِيلٌ".
قَدِّمِ الأَحْكَامَ: الأَحْكَامُ أَوَّلًا، ثُمَّ يَأْتِي جَمَالُ الصَّوْتِ تَابِعًا لَهَا. فَالتَّجْوِيدُ هُوَ الَّذِي يَحْكُمُ النَّغَمَ، وَلَيْسَ العَكْسُ.
اقْرَأْ بِقَلْبِكَ: لَا تَقْرَأْ بِلِسَانِكَ فَقَطْ. اجْعَلْ قَلْبَكَ يَتَدَبَّرُ، وَجَوَارِحَكَ تَتَأَثَّرُ.
تَذَكَّرْ: إِنَّ رُبَّ قَارِئٍ لِلْقُرْآنِ وَالقُرْآنُ يَلْعَنُهُ - كَمَا جَاءَ فِي الأَثَرِ - لِأَنَّهُ يَقْرَأُ آيَاتِ النَّهْيِ عَنِ الظُّلْمِ وَهُوَ ظَالِمٌ، أَوْ يَقْرَأُ آيَاتِ الرِّبَا وَهُوَ آكِلٌ لَهُ.

فَلْنَتَّقِ اللهَ فِي كِتَابِهِ، وَلْنُعْطِهِ حَقَّهُ مِنَ الإِجْلَالِ وَالتَّعْظِيمِ وَالتَّدَبُّرِ، لِيَكُونَ حُجَّةً لَنَا لَا حُجَّةً عَلَيْنَا. وَبِاللهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ.

خاطرة 24

الفِكْرُ الْإِلْحَادِيُّ وكَيْفِيَّةُ مُوَاجَهَتِهِ

الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، الَّذِي أَوْدَعَ فِي الْكَوْنِ آيَاتٍ لِلْمُتَفَكِّرِينَ، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى سَيِّدِنَا وَنَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ الَّذِي جَاءَ بِالنُّورِ الْمُبِينِ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَمَنْ تَبِعَهُمْ بِإِحْسَانٍ يَوْمِ الدِّينِ.

الفِكْرُ الْإِلْحَادِيُّ دَاءٌ يُهَدِّدُ الْيَقِينَ وَيُزَعْزِعُ الْفِطْرَةَ

أَيُّهَا السَّادَةُ الْكِرَامُ: لَيْسَ الْإِلْحَادُ فِكْرَةً حَدِيثَةً، بَلْ هُوَ دَاءٌ قَدِيمٌ يَتَجَدَّدُ بِتَغَيُّرِ الْأَزْمَانِ. إِنَّهُ فِكْرٌ يَضْرِبُ فِي الصَّمِيمِ يَقِينَ الْفِطْرَةِ بِوُجُودِ الْخَالِقِ سُبْحَانَهُ، وَيَعْمَلُ عَلَى نَزْعِ كُلِّ مَعْنًى سَامٍ لِلْوُجُودِ. لَقَدْ أَكَّدَ سَيِّدُنَا الْنَبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هَذِهِ الْفِطْرَةَ الْأَصِيلَةَ فِي كُلِّ إِنْسَانٍ، فَقَالَ: "كُلُّ مَوْلُودٍ يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ". فَالْأَصْلُ فِي الْإِنْسَانِ هُوَ الْتَّوْحِيدُ، وَالْإِلْحَادُ إِنَّمَا هُوَ انْحِرَافٌ يَطْرَأُ عَلَى الْقَلْبِ.

بَدِيهِيَّةُ الْفِطْرَةِ فِي قَوْلِ الْأَعْرَابِيِّ : وَلَيْسَتْ هَذِهِ الْفِطْرَةُ حِكْرًا عَلَى الْعُلَمَاءِ وَالْفَلَاسِفَةِ، بَلْ هِيَ نُورٌ يَقْذِفُهُ اللَّهُ فِي قُلُوبِ الْبُسَطَاءِ. يُحْكَى أَنَّ أَعْرَابِيًّا سُئِلَ: "بِمَ عَرَفْتَ رَبَّكَ؟" فَقَالَ قَوْلَتَهُ الشَّهِيرَةَ الَّتِي صَارَتْ مَثَلًا فِي قُوَّةِ الْحُجَّةِ الْفِطْرِيَّةِ: "الْبَعَرَةُ تَدُلُّ عَلَى الْبَعِيرِ، وَالْأَثَرُ يَدُلُّ عَلَى الْمَسِيرِ، فَسَمَاءٌ ذَاتُ أَبْرَاجٍ، وَأَرْضٌ ذَاتُ فِجَاجٍ، وَبِحَارٌ ذَاتُ أَمْوَاجٍ، أَلَا يَدُلُّ ذَلِكَ عَلَى اللَّطِيفِ الْخَبِيرِ؟!". فَهَذَا هُوَ صَوْتُ الْفِطْرَةِ الَّذِي لَا يَحْتَاجُ إِلَى مُقَدِّمَاتٍ مُعَقَّدَةٍ.

وَقَدْ أَوْضَحَ الْقُرْآنُ الْكَرِيمُ أَنَّ إِنْكَارَ الْخَالِقِ هُوَ خُرُوجٌ عَنْ نِظَامِ الْعَقْلِ وَالْبَدَاهَةِ، فَيَقُولُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ:

﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ * أَمْ خَلَقُوا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بَل لَّا يُوقِنُونَ﴾ (الطُّور: 35-36).

إِنَّ هَذِهِ الْآيَةَ تُلَخِّصُ مَنْهَجَ الْمُوَاجَهَةِ: لَا بُدَّ لِلْوُجُودِ مِنْ مُوجِدٍ، وَلَا بُدَّ لِلْخَلْقِ مِنْ خَالِقٍ، فَلَا يُمْكِنُ لِلْإِنْسَانِ أَنْ يَخْلُقَ نَفْسَهُ، وَلَا أَنْ يَخْلُقَ مَا هُوَ أَعْظَمُ مِنْهُ.

بَيَانُ الْحَقِّ بِبَدَاهَةِ الْعَقْلِ: دَرْسٌ مِنْ سَيِّدِنَا أَبِي حَنِيفَةَ

كَانَ سَلَفُنَا يُؤْمِنُونَ بِأَنَّ بَرَاهِينَ الْحَقِّ كَامِنَةٌ فِي كُلِّ نَاظِرَةٍ، وَمِنْ أَعْظَمِ الْمَوَاقِفِ الَّتِي تَدُلُّ عَلَى عُمْقِ الْفِكْرِ وَقُوَّةِ الْحُجَّةِ: مُنَاظَرَةُ سَيِّدِنَا الْإِمَامِ أَبِي حَنِيفَةَ النُّعْمَانِ رَحِمَهُ اللَّهُ مَعَ قَوْمٍ مِنَ الْمُلْحِدِينَ.

لَقَدْ تَعَمَّدَ سَيِّدُنَا الْإِمَامُ أَبُو حَنِيفَةَ التَّأَخُّرَ عَنِ الْمَوْعِدِ الْمُحَدَّدِ، فَلَمَّا حَضَرَ سَأَلُوهُ عَنْ سَبَبِ تَأْخِيرِهِ، فَقَالَ: "كُنْتُ مُشْتَغِلًا بِأَمْرٍ عَجِيبٍ: إِنَّ سَفِينَةً مَشْحُونَةً بِأَنْوَاعِ الْبَضَائِعِ الْعَظِيمَةِ، جَاءَتْ فِي نَهْرِ دِجْلَةَ، وَسَارَتْ بِنَفْسِهَا، لَا مَلَّاحَ يَسُوقُهَا، وَلَا رُبَّانَ يَقُودُهَا، تَخْتَرِقُ الْأَمْوَاجَ وَتَسِيرُ مُسْتَوِيَةً بِمُفْرَدِهَا، حَتَّى رَسَتْ عَلَى الشَّاطِئِ ثُمَّ فَرَغَتْ بِنَفْسِهَا، ثُمَّ عَادَتْ لِتَمْتَلِئَ دُونَ صَانِعٍ أَوْ مُدَبِّرٍ!"

فَصَاحَ الْمُلْحِدُونَ مُتَعَجِّبِينَ: "هَذَا مُحَالٌ! كَيْفَ لِسَفِينَةٍ أَنْ تَسِيرَ وَتُرْسِيَ بِهَذِهِ الدِّقَّةِ دُونَ صَانِعٍ وَمُدَبِّرٍ؟ إِنَّ هَذَا لَا يَقْبَلُهُ عَقْلٌ!"

فَعِنْدَهَا أَجَابَهُمْ سَيِّدُنَا الْإِمَامُ أَبُو حَنِيفَةَ: "وَيْحَكُمْ! إِذَا كَانَ مُجَرَّدُ سَفِينَةٍ صَغِيرَةٍ لَا يُمْكِنُ أَنْ تَسِيرَ بِدُونِ مُسَيِّرٍ، فَكَيْفَ بِهَذَا الْعَالَمِ كُلِّهِ، بِسَمَاوَاتِهِ وَأَرْضِهِ، وَشَمْسِهِ وَقَمَرِهِ، هَلْ يَجُوزُ أَنْ يَقُومَ بِدُونِ خَالِقٍ وَحَافِظٍ وَمُدَبِّرٍ لَهُ؟!"

فَكَانَتْ حُجَّتُهُ هِيَ بَدَاهَةَ الْعَقْلِ وَشَهَادَةَ الْكَوْنِ، فَسَكَتُوا وَأَقَرُّوا.

دَلَائِلُ الْكَوْنِ وَآيَاتُ الْحَقِّ : لَقَدْ مَلَأَ اللَّهُ الْكَوْنَ بِآيَاتٍ تُؤَكِّدُ وُجُودَهُ وَوَحْدَانِيَّتَهُ، فَالنَّظَرُ الْمُتَجَرِّدُ فِي الطَّبِيعَةِ هُوَ أَكْبَرُ رَدٍّ عَلَى الْإِلْحَادِ. يَقُولُ الْحَقُّ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى:

﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِّأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ (آل عمران: 190).

وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ؟ إِنَّ أَقْرَبَ الْآيَاتِ إِلَيْنَا هِيَ أَنْفُسُنَا الَّتِي بَيْنَ جُنُوبِنَا. تَأَمَّلْ -أَخِي الْكَرِيمُ- فِي هَذَا الْجَسَدِ الْعَجِيبِ. الْقَلْبُ يَنْبِضُ مِائَةَ أَلْفِ مَرَّةٍ فِي الْيَوْمِ دُونَ كَلَلٍ أَوْ مَلَلٍ، فَمَنْ أَوْدَعَ فِيهِ هَذِهِ الْقُوَّةَ؟ وَالْعَيْنُ تَرَى بِأَدَقِّ التَّفَاصِيلِ وَأَجْمَلِ الْأَلْوَانِ، فَمَنْ صَمَّمَ هَذِهِ الْعَدَسَةَ الرَّبَّانِيَّةَ؟ وَالدِّمَاغُ يَحْوِي مِنَ الْخَلَايَا وَالْوَصَلَاتِ مَا يَفُوقُ أَعْقَدَ الْحَوَاسِيبِ فِي الْعَالَمِ، فَمَنْ نَظَّمَهُ وَدَبَّرَهُ؟ إِنَّهَا لَآيَاتٌ نَاطِقَةٌ بِعَظَمَةِ الْخَالِقِ لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ.

وَفِي دَعْوَةٍ صَرِيحَةٍ لِلتَّفَكُّرِ فِي أَصْغَرِ الْمَخْلُوقَاتِ، يَقُولُ جَلَّ فِي عُلَاهُ: ﴿أَفَلَا يَنظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ * وَإِلَى السَّمَاءِ كَيْفَ رُفِعَتْ * وَإِلَى الْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ * وَإِلَى الْأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ﴾ (الْغَاشِيَة: 17-20).

فَكُلُّ نِظَامٍ دَقِيقٍ فِي هَذَا الْكَوْنِ، مِنْ دَوَرَانِ الْأَفْلَاكِ إِلَى نُزُولِ الْقَطْرِ، إِنَّمَا هُوَ شَاهِدٌ عَلَى قُدْرَةِ الْخَالِقِ الْعَظِيمِ.

كَيْفِيَّةُ الْمُوَاجَهَةِ الْحَدِيثَةِ وَبَرَكَةُ الصَّلَاحِ

أَيُّهَا السَّادَةُ الْكِرَامُ: إِنَّ الْمُوَاجَهَةَ الْحَقِيقِيَّةَ لِلْإِلْحَادِ تَبْدَأُ مِنْ دَاخِلِ الْبُيُوتِ، بِتَرْسِيخِ الْيَقِينِ وَغَرْسِ الصَّلَاحِ، كَمَا وَرَدَ فِي قِصَّةِ سَيِّدِنَا مُوسَى وَالْخَضِرِ عَلَيْهِمَا السَّلَامُ عِنْدَ بِنَاءِ الْجِدَارِ، فَيَقُولُ اللَّهُ سُبْحَانَهُ:

﴿وَأَمَّا الْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلَامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ وَكَانَ تَحْتَهُ كَنزٌ لَّهُمَا وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا فَأَرَادَ رَبُّكَ أَن يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا وَيَسْتَخْرِجَا كَنزَهُمَا رَحْمَةً مِّن رَّبِّكَ﴾ (الْكَهْف: 82).

إِنَّ صَلَاحَ الْأَبِ حَفِظَ كَنْزَ أَبْنَائِهِ فِي الْأَرْضِ. وَكَذَلِكَ الْأَمْرُ مَعَ الْإِيمَانِ، فَصَلَاحُنَا وَاسْتِقَامَتُنَا هُمَا كَنْزُ الْيَقِينِ الَّذِي نُورِّثُهُ لِأَبْنَائِنَا.

وَمِنْ أَعْظَمِ الْمُوَاجَهَاتِ:

قُوَّةُ الْيَقِينِ وَالْعِلْمُ: إِنَّ مَنْ تَعَلَّمَ وَتَعَمَّقَ فِي عِلْمِ الْعَقِيدَةِ الصَّحِيحَةِ، صَارَ كَالدِّرْعِ فِي وَجْهِ الشُّبُهَاتِ. وَلْنَتَذَكَّرْ قِصَّةَ ذَاكَ الرَّجُلِ الَّذِي جَاءَ إِلَى سَيِّدِنَا الْإِمَامِ الشَّافِعِيِّ يَسْأَلُهُ: "كَيْفَ يَعْذِبُ اللَّهُ إِبْلِيسَ بِالنَّارِ وَقَدْ خُلِقَ مِنْهَا؟" فَأَخَذَ سَيِّدُنَا الشَّافِعِيُّ بِلَبْنَةٍ مِنْ طِينٍ وَضَرَبَ بِهَا الرَّجُلَ، فَتَوَجَّعَ الرَّجُلُ، فَقَالَ لَهُ سَيِّدُنَا الشَّافِعِيُّ: "إِنَّ الطِّينَ خُلِقْتَ مِنْهُ وَقَدْ أَوْجَعَكَ، فَلَا تَتَعَجَّبْ مِنْ قُدْرَةِ اللَّهِ عَلَى تَعْذِيبِ مَخْلُوقٍ بِمَا خُلِقَ مِنْهُ".
الْقُدْوَةُ الْحَسَنَةُ وَالْأَمَانَةُ: لَيْسَ الصَّلَاحُ مُجَرَّدَ عِبَادَةٍ شَخْصِيَّةٍ، بَلْ هُوَ سَبَبُ الْبَرَكَةِ فِي الْأَهْلِ وَالْمَالِ. فَالْأَبُ الصَّالِحُ هُوَ أَوَّلُ مَعْلَمٍ فِي حَيَاةِ أَبْنَائِهِ، وَأَفْعَالُهُ هِيَ الَّتِي يَتَعَلَّمُونَ مِنْهَا حُبَّ اللَّهِ.

فَاللَّهُ الَّذِي حَفِظَ كَنْزَ الْيَتِيمَيْنِ بِسَبَبِ صَلَاحِ أَبِيهِمَا، سَيَحْفَظُ لَنَا أَبْنَاءَنَا وَأَحْفَادَنَا إِنْ غَرَسْنَا فِي قُلُوبِهِمُ الْيَقِينَ، وَاجْتَهَدْنَا فِي الْعَمَلِ الصَّالِحِ. وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ.

خاطرة 25

قِيمَةُ الْآثَارِ بَيْنَ الذِّكْرَى وَالِاعْتِبَارِ وَمَوْقِفُ الصَّحَابَةِ وَالسَّلَفِ الصَّالِحِ مِنَ الْآثَارِ الْفِرْعَوْنِيَّةِ

الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ، عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ، أَفْصَحِ الْخَلْقِ لِسَانًا، وَأَعْمَقِهِمْ فَهْمًا، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَمَنْ تَبِعَهُمْ بِإِحْسَانٍ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ.

أَيٌّهَا الْسَادَةٌ الْكِرَام : إِنَّ الْآثَارَ الَّتِي خَلَّفَتْهَا الْأُمَمُ الْغَابِرَةُ لَيْسَتْ مُجَرَّدَ أَحْجَارٍ صَمَّاءَ أَوْ نُقُوشٍ بَاهِتَةٍ، بَلْ هِيَ سِجِلُّ التَّارِيخِ الْحَيُّ، وَدِيوَانُ الْحَضَارَاتِ الَّذِي يُطْلِعُ الْأَجْيَالَ اللَّاحِقَةَ عَلَى أَحْوَالِ مَنْ سَبَقُوهُمْ؛ عَلَى مَا وَصَلُوا إِلَيْهِ مِنْ عُلُومٍ وَفُنُونٍ، وَعَلَى مَا عَاشُوهُ مِنْ رَخَاءٍ أَوْ شِدَّةٍ، وَعَلَى مَا اعْتَنَقُوهُ مِنْ أَفْكَارٍ وَمُعْتَقَدَاتٍ.

هِيَ "ذَاكِرَةُ الْإِنْسَانِيَّةِ" الَّتِي تَحْفَظُ لَهَا مَسِيرَتَهَا. وَالْحِفَاظُ عَلَيْهَا لَيْسَ تَرَفًا، بَلْ هُوَ ضَرُورَةٌ لِفَهْمِ السُّنَنِ الْكَوْنِيَّةِ وَالِاجْتِمَاعِيَّةِ. فَمِنْ خِلَالِ هَذِهِ الشَّوَاهِدِ، نَقْرَأُ صُعُودَ الْأُمَمِ وَسُقُوطَهَا، وَنَسْتَلْهِمُ الدُّرُوسَ وَالْعِبَرَ لِبِنَاءِ مُسْتَقْبَلِنَا. لِذَا، كَانَ الْوَعْيُ بِقِيمَتِهَا وَالْحِرْصُ عَلَى صِيَانَتِهَا مَطْلَبًا حَضَارِيًّا وَإِنْسَانِيًّا رَفِيعًا، وَهُوَ مَا أَدْرَكَتْهُ شَرِيعَتُنَا الْغَرَّاءُ كَمَا سَيَأْتِي بَيَانُهُ.

أَيٌّهَا الْسَادَةٌ الْكِرَام : وَبَعْدَ هَذِهِ الْمُقَدِّمَةِ الَّتِي لَا بُدَّ مِنْهَا، فَأَقُولُ:

إِنَّ مِنْ أَعْظَمِ خَصَائِصِ الْإِسْلَامِ أَنَّهُ دِينُ الْفَهْمِ وَالْوَعْيِ وَالِاعْتِبَارِ. لَمَّا فَتَحَ اللهُ عَلَى الْمُسْلِمِينَ مِصْرَ عَلَى يَدِ سَيِّدِنَا عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- وَمَعَهُ ثُلَّةٌ مِنْ خِيرَةِ أَصْحَابِ رَسُولِ اللهِ ﷺ، دَخَلُوا أَرْضًا عَامِرَةً بِالْعَجَائِبِ، وَشَاهَدُوا بِأَعْيُنِهِمْ آثَارَ أُمَمٍ سَابِقَةٍ، تَرَكَتْ وَرَاءَهَا صُرُوحًا وَأَهْرَامًا وَمَعَابِدَ تَشْهَدُ عَلَى قُوَّةٍ وَبَأْسٍ، كَمَا تَشْهَدُ عَلَى مَصِيرِ الْغَابِرِينَ.

وَكَانَ السُّؤَالُ الَّذِي يَطْرَحُ نَفْسَهُ عَلَى مَرِّ الْعُصُورِ: كَيْفَ تَعَامَلَ هَؤُلَاءِ الصَّحَابَةُ الْكِرَامُ، وَمَنْ بَعْدَهُمْ مِنَ السَّلَفِ الصَّالِحِ، مَعَ هَذِهِ الْآثَارِ الْفِرْعَوْنِيَّةِ الْبَاقِيَةِ؟

شَهَادَةُ التَّارِيخِ وَ "إِجْمَاعُ السُّكُوتِ" عِنْدَ السُّيُوطِيِّ

يُقَدِّمُ لَنَا الْإِمَامُ جَلَالُ الْدِيِن السُّيُوطِيُّ (رَحِمَهُ اللهُ) فِي كِتَابِهِ الْقَيِّمِ "حُسْنُ الْمُحَاضَرَةِ فِي تَارِيخِ مِصْرَ وَالْقَاهِرَةِ"، وَصْفًا دَقِيقًا لِمِصْرَ وَعَجَائِبِهَا وَآثَارِهَا كَالْأَهْرَامَاتِ وَأَبِي الْهَوْلِ وَالْمَعَابِدِ.

وَالْمُلَاحَظَةُ الْجَدِيرَةُ بِالتَّأَمُّلِ أَنَّ الْإِمَامَ السُّيُوطِيَّ، وَهُوَ يَسْتَعْرِضُ تَارِيخَ مِصْرَ مُنْذُ الْقِدَمِ وَحَتَّى عَصْرِهِ، وَيَذْكُرُ فَتْحَهَا وَدُخُولَ الصَّحَابَةِ إِلَيْهَا، لَمْ يُشِرْ مِنْ قَرِيبٍ أَوْ بَعِيدٍ إِلَى أَنَّ وَاحِدًا مِنَ الصَّحَابَةِ أَوْ التَّابِعِينَ قَدْ أَمَرَ بِهَدْمِ هَذِهِ الْآثَارِ أَوِ التَّعَرُّضِ لَهَا بِسُوءٍ.

أَيٌّهَا الْسَادَةٌ الْكِرَام : إِنَّ سُكُوتَ كُتُبِ التَّارِيخِ الْمُعْتَمَدَةِ -كَكِتَابِ السُّيُوطِيِّ- عَنْ ذِكْرِ أَيِّ حَادِثَةِ هَدْمٍ، هُوَ فِي ذَاتِهِ أَقْوَى دَلِيلٍ. فَلَوْ حَدَثَ أَمْرٌ بِهَذَا الْجَلَلِ، كَهَدْمِ الْأَهْرَامَاتِ أَوْ تِمْثَالِ أَبِي الْهَوْلِ، لَتَنَاقَلَتْهُ كُتُبُ السِّيَرِ وَالتَّارِيخِ بِالتَّفْصِيلِ، وَلَأَصْبَحَ حَدَثًا مَشْهُورًا.

بَلْ عَلَى الْعَكْسِ، بَنَى سَيِّدُنَا عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ مَدِينَةَ الْفُسْطَاطِ، وَبَنَى مَسْجِدَهُ الْعَتِيقَ، عَلَى مَقْرُبَةٍ مِنْ هَذِهِ الْآثَارِ، وَتَعَايَشَ الْمُسْلِمُونَ مَعَهَا قُرُونًا طَوِيلَةً. هَذَا التَّعَايُشُ وَعَدَمُ التَّعَرُّضِ يُمَثِّلُ "إِجْمَاعًا سُكُوتِيًّا" أَوْ "إِجْمَاعًا عَمَلِيًّا" مِنْ جِيلِ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ الَّذِينَ كَانُوا بِمِصْرَ، عَلَى أَنَّ حُكْمَ هَذِهِ الْآثَارِ يَخْتَلِفُ عَنْ حُكْمِ الْأَصْنَامِ.

وَلَمْ يَقْتَصِرِ الْأَمْرُ عَلَى الْإِمَامِ السُّيُوطِيِّ، بَلْ إِنَّ كِبَارَ الْمُؤَرِّخِينَ وَالْجُغْرَافِيِّينَ الْمُسْلِمِينَ قَدْ فَعَلُوا الشَّيْءَ ذَاتَهُ:

الْإِمَامُ تَقِيُّ الدِّينِ الْمَقْرِيزِيُّ (رَحِمَهُ اللهُ): فِي مَوْسُوعَتِهِ الْعُظْمَى "الْمَوَاعِظُ وَالِاعْتِبَارُ بِذِكْرِ الْخِطَطِ وَالْآثَارِ" (الْمَعْرُوفَةِ بِـ "خِطَطِ الْمَقْرِيزِيِّ")، يُفْرِدُ الْمَقْرِيزِيُّ فُصُولًا كَامِلَةً لِوَصْفِ عَجَائِبِ مِصْرَ، وَعَلَى رَأْسِهَا الْأَهْرَامَاتُ وَأَبُو الْهَوْلِ وَالْبَرَابِي (الْمَعَابِدُ الْقَدِيمَةُ). وَيَنْقُلُ لَنَا بِدِقَّةٍ مَا قِيلَ عَنْهَا وَكَيْفَ بُنِيَتْ، وَيَصِفُ عَظَمَتَهَا الْهَنْدَسِيَّةَ. كَانَ تَعَامُلُهُ مَعَهَا تَعَامُلَ الْمُؤَرِّخِ الْوَاصِفِ وَالْمُعْتَبِرِ، لَا تَعَامُلَ النَّاقِدِ الدِّينِيِّ الدَّاعِي لِلْإِزَالَةِ. وَهَذَا يُؤَكِّدُ أَنَّهَا كَانَتْ عَلَى مَدَى قُرُونِ الْحُكْمِ الْإِسْلَامِيِّ جُزْءًا مِنْ مَعَالِمِ الْأَرْضِ الَّتِي يُؤْخَذُ مِنْهَا الدَّرْسُ.
مُوَفَّقُ الدِّينِ عَبْدُ اللَّطِيفِ الْبَغْدَادِيُّ (رَحِمَهُ اللهُ): هَذَا الطَّبِيبُ وَالرَّحَّالَةُ الْبَغْدَادِيُّ، الَّذِي زَارَ مِصْرَ فِي أَوَائِلِ الْقَرْنِ السَّابِعِ الْهِجْرِيِّ، تَرَكَ لَنَا كِتَابًا نَفِيسًا هُوَ "الْإِفَادَةُ وَالِاعْتِبَارُ فِي الْأُمُورِ الْمُشَاهَدَةِ وَالْحَوَادِثِ الْمُعَايَنَةِ بِأَرْضِ مِصْرَ". وَفِيهِ يَصِفُ الْبَغْدَادِيُّ مَا شَاهَدَهُ بِعَيْنِهِ مِنْ عَظَمَةِ الْآثَارِ فِي "مَنْفَ" وَغَيْرِهَا، وَيُعَبِّرُ عَنِ انْدِهَاشِهِ الْبَالِغِ مِنْ دِقَّةِ الْهَنْدَسَةِ وَبَرَاعَةِ الصَّنْعَةِ، وَيَتَحَسَّرُ عَلَى زَوَالِ أَهْلِهَا. كَانَ مَنْهَجُهُ مَنْهَجَ الْعَالِمِ الْمُدَقِّقِ وَالْمُؤْمِنِ الْمُعْتَبِرِ بِزَوَالِ الدُّوَلِ.

أَيٌّهَا الْسَادَةٌ الْكِرَام : فِقْهُ التَّفْرِيقِ: بَيْنَ "الصَّنَمِ" وَ "الْأَثَرِ"

لَقَدْ كَانَ لَدَى الرَّعِيلِ الْأَوَّلِ فَهْمٌ عَمِيقٌ وَوَعْيٌ دَقِيقٌ، مَكَّنَهُمْ مِنَ التَّفْرِيقِ الْوَاضِحِ بَيْنَ أَمْرَيْنِ:

الصَّنَمُ (الْوَثَنُ الْمَعْبُودُ): وَهُوَ مَا يُتَّخَذُ لِلْعِبَادَةِ مِنْ دُونِ اللهِ. وَهَذَا هُوَ مَا أَمَرَ الْإِسْلَامُ بِإِزَالَتِهِ وَتَطْهِيرِ الْأَرْضِ مِنْهُ، كَمَا فَعَلَ سَيْدُنَا النَّبِيُّ ﷺ بِأَصْنَامِ الْكَعْبَةِ، لِأَنَّهَا تُمَثِّلُ شِرْكًا مُبَاشِرًا وَعِبَادَةً ظَاهِرَةً.
التِّمْثَالُ (الْأَثَرُ التَّارِيخِيُّ): وَهُوَ مَا بَقِيَ مِنْ حَضَارَاتٍ سَابِقَةٍ، انْقَطَعَتْ عِبَادَتُهُ، وَلَمْ يَعُدْ يُمَثِّلُ أَيَّ فِتْنَةٍ عَقَدِيَّةٍ لِلنَّاسِ، وَتَحَوَّلَ إِلَى مُجَرَّدِ شَاهِدٍ عَلَى التَّارِيخِ وَعِبْرَةٍ لِلنَّاظِرِينَ.

أَدْرَكَ الصَّحَابَةُ الْكِرَامُ أَنَّ الْآثَارَ الْفِرْعَوْنِيَّةَ تَنْدَرِجُ تَحْتَ النَّوْعِ الثَّانِي. فَهِيَ لَمْ تَكُنْ مَعْبُودَةً فِي زَمَنِهِمْ، لَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ وَلَا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ الَّذِينَ كَانُوا بِمِصْرَ. لِذَا، لَمْ يَنْطَبِقْ عَلَيْهَا حُكْمُ "الصَّنَمِ" الْوَاجِبِ إِزَالَتُهُ.

أَيٌّهَا الْسَادَةٌ الْكِرَام : وَقَدْ أَكَّدَ الْفُقَهَاءُ هَذَا الْمَعْنَى حِينَ فَرَّقُوا بِدِقَّةٍ بَيْنَ التَّمَاثِيلِ الَّتِي تُصْنَعُ لِتُعْبَدَ، وَتِلْكَ الَّتِي تُصْنَعُ لِأَغْرَاضٍ أُخْرَى كَالزِّينَةِ أَوْ تَعْلِيمِ الْأَطْفَالِ (كَلُعَبِ الْبَنَاتِ الَّتِي أَقَرَّتْهَا السُّنَّةُ). فَالتَّحْرِيمُ الْقَاطِعُ مُرْتَبِطٌ بِعِلَّةِ "الْمُضَاهَاةِ لِخَلْقِ اللهِ" أَوْ "قَصْدِ التَّعْظِيمِ وَالْعِبَادَةِ". وَبِمُجَرَّدِ انْتِفَاءِ عِلَّةِ الْعِبَادَةِ عَنْ هَذِهِ الْآثَارِ الْقَدِيمَةِ، وَتَحَوُّلِهَا إِلَى مُجَرَّدِ أَحْجَارٍ تَحْكِي التَّارِيخَ، زَالَتْ عَنْهَا سِمَةُ "الْوَثَنِ" وَبَقِيَتْ لَهَا سِمَةُ "الْآيَةِ" وَ "الْعِبْرَةِ".

الْآثَارُ: عِبْرَةٌ قُرْآنِيَّةٌ وَشَاهِدٌ تَارِيخِيٌّ

أَيٌّهَا الْسَادَةٌ الْكِرَام : إِنَّ مَوْقِفَ السَّلَفِ هَذَا لَمْ يَكُنِ اجْتِهَادًا مُخَالِفًا لِلنُّصُوصِ، بَلْ كَانَ تَطْبِيقًا لِرُوحِ الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ. فَالْقُرْآنُ نَفْسُهُ حَثَّنَا فِي مَوَاضِعَ عَدِيدَةٍ عَلَى النَّظَرِ وَالِاعْتِبَارِ فِي مَصَائِرِ الْأُمَمِ السَّابِقَةِ.

قَالَ تَعَالَى: ﴿قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلُ﴾ (الرُّوم: 42).
وَقَالَ جَلَّ شَأْنُهُ: ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ ۚ دَمَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ ۖ وَلِلْكَافِرِينَ أَمْثَالُهَا﴾ (مُحَمَّد: 10).

فَكَيْفَ يَتِمُّ "النَّظَرُ" وَ "الِاعْتِبَارُ" إِذَا تَمَّ هَدْمُ الشَّوَاهِدِ وَطَمْسُ الْآثَارِ؟

لَقَدْ فَهِمَ الصَّحَابَةُ أَنَّ هَذِهِ الصُّرُوحَ الْعَظِيمَةَ -الَّتِي تَرَكَهَا فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ الَّذِينَ ذَكَرَهُمُ الْقُرْآنُ- هِيَ خَيْرُ شَاهِدٍ عَمَلِيٍّ عَلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً﴾ (يُونُس: 92). فَهِيَ "آيَةٌ" لِمَنْ خَلْفَهُمْ، تُرِيهِمْ عَاقِبَةَ الْجَبَرُوتِ وَالْعُلُوِّ فِي الْأَرْضِ، وَتُذَكِّرُهُمْ بِقُدْرَةِ اللهِ الْبَالِغَةِ.

خُلَاصَةُ الْقَوْلِ سَادَتِي : إِنَّ مَا نَقَلَهُ الْإِمَامُ السُّيُوطِيُّ وَالْمَقْرِيزِيُّ وَالْبَغْدَادِيُّ وَغَيْرُهُمْ مِنْ مُؤَرِّخِي الْإِسْلَامِ، يُثْبِتُ بِمَا لَا يَدَعُ مَجَالًا لِلشَّكِّ أَنَّ مَسْلَكَ الصَّحَابَةِ وَالسَّلَفِ الصَّالِحِ كَانَ هُوَ الْحِفَاظَ عَلَى هَذِهِ الْآثَارِ لِلْعِبْرَةِ وَالْعِظَةِ، وَلَيْسَ الْهَدْمَ وَالْإِزَالَةَ.

وَهَذَا الْفَهْمُ الْعَمِيقُ هُوَ الَّذِي تَوَارَثَتْهُ الْمُؤَسَّسَاتُ الْإِسْلَامِيَّةُ الْعَرِيقَةُ -وَعَلَى رَأْسِهَا الْأَزْهَرُ الشَّرِيفُ وَدَارُ الْإِفْتَاءِ الْمِصْرِيَّةُ- فِي فَتَاوَاهَا الرَّصِينَةِ الَّتِي تُحَرِّمُ التَّعَدِّيَ عَلَى الْآثَارِ وَتَعُدُّهَا إِرْثًا إِنْسَانِيًّا وَتَارِيخِيًّا يَجِبُ الْحِفَاظُ عَلَيْهِ.

خَاتِمَةٌ وَنَصِيحَةٌ: كَيْفَ نَتَعَامَلُ مَعَ الْآثَارِ؟

أَيٌّهَا الْسَادَةٌ الْكِرَام : وَبِنَاءً عَلَى مَا تَقَدَّمَ، فَإِنَّ النَّصِيحَةَ الْوَاجِبَةَ فِي التَّعَامُلِ مَعَ هَذَا الْإِرْثِ التَّارِيخِيِّ تَتَلَخَّصُ فِي الْآتِي:

التَّعَامُلُ بِمَنْظُورِ "الِاعْتِبَارِ " فَنَحْنُ نَنْظُرُ إِلَيْهَا بِعَيْنِ الْمُتَعَلِّمِ مِنْ تَجَارِبِ السَّابِقِينَ، نَرَى فِيهَا قُوَّتَهُمْ وَعِلْمَهُمْ، وَنَرَى فِيهَا -فِي الْوَقْتِ ذَاتِهِ- مَصِيرَهُمْ وَزَوَالَهُمْ، فَيَتَعَاظَمُ فِي قُلُوبِنَا قُدْرَةُ اللهِ الْبَاقِي سُبْحَانَهُ.
الْحِفَاظُ عَلَيْهَا كَإِرْثٍ إِنْسَانِيٍّ: إِنَّهَا مِلْكٌ لِلتَّارِيخِ الْإِنْسَانِيِّ عَامَّةً، وَلِبِلَادِنَا خَاصَّةً. وَالْحِفَاظُ عَلَيْهَا مِنْ كُلِّ مَا يُشَوِّهُهَا أَوْ يُعَرِّضُهَا لِلتَّلَفِ هُوَ وَاجِبٌ شَرْعِيٌّ وَوَطَنِيٌّ وَحَضَارِيٌّ.
تَنْزِيهُهَا عَنِ الشَّوَائِبِ: يَجِبُ أَنْ يَبْقَى التَّعَامُلُ مَعَهَا فِي إِطَارِهَا التَّارِيخِيِّ وَالْعِلْمِيِّ، وَأَلَّا تُنْسَجَ حَوْلَهَا الْخُرَافَاتُ أَوِ الْمُمَارَسَاتُ الَّتِي تُخَالِفُ صَحِيحَ الْعَقِيدَةِ، كَالتَّبَرُّكِ بِهَا أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ.

إِنَّ فَهْمَ السَّلَفِ الصَّالِحِ كَانَ فَهْمًا رَاقِيًا وَوَاعِيًا، حَافَظَ عَلَى الْآثَارِ لِتَكُونَ شَاهِدًا، وَحَافَظَ عَلَى الْقُلُوبِ مِنْ أَنْ تَتَعَلَّقَ بِغَيْرِ خَالِقِهَا.

وَاللهُ تَعَالَى أَعْلَى وَأَعْلَمُ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ.

خاطرة 26

أَرْضُنَا: أَمَانَةُ الإِيمَانِ وَإِرْثُ الأَجْدَادِ

الحمدُ للهِ الذي جَعَلَ لَنَا مِنَ الأَرْضِ مَهْدًا وَقَرَارًا، وَكَرَّمَ الإِنْسَانَ بِعِمَارَتِهَا وَاسْتِخْلافِهِ فِيهَا، وَجَعَلَ الإِتْقَانَ فِي العَمَلِ قُرْبَةً وَشِعَارًا. والصلاةُ والسلامُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ، الَّذِي عَلَّمَنَا أَنَّ حُبَّ الأَوْطَانِ فِطْرَةٌ أَصِيلَةٌ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ الَّذِينَ بَنَوْا وَأَعْمَرُوا وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا.

أيُّها السادةُ الكرامُ: إِنَّ حُبَّ الوَطَنِ لَيْسَ مُجَرَّدَ كَلِمَاتٍ تُنْشَدُ، أَوْ أَهَازِيجَ تُرَدَّدُ، بَلْ هُوَ شُعُورٌ عَمِيقٌ غَرَسَهُ اللهُ فِي فِطْرَةِ الإِنْسَانِ. وَهَلْ هُنَاكَ أَقْوَى دَلِيلًا عَلَى شَرَفِ هَذَا الشُّعُورِ، مِنْ مَوْقِفِ سَيِّدِنَا رَسُولِ اللهِ ﷺ وَهُوَ يَتْرُكُ مَكَّةَ مُهَاجِرًا؟

لَقَدْ وَقَفَ سَيِّدُ الخَلْقِ ﷺ يُخَاطِبُ وَطَنَهُ الأَوَّلَ (مَكَّةَ) بِقَلْبِهِ قَبْلَ لِسَانِهِ، وَقَالَ قَوْلَتَهُ الخَالِدَةَ: "مَا أَطْيَبَكِ مِنْ بَلَدٍ، وَأَحَبَّكِ إِلَيَّ! وَلَوْلا أَنَّ قَوْمِي أَخْرَجُونِي مِنْكِ، مَا سَكَنْتُ غَيْرَكِ" (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ).

أيُّها السادةُ الكرامُ: إِنَّ هَذَا الحُبَّ الفِطْرِيَّ لِلأَرْضِ، يُحَوِّلُهُ الإِيمَانُ مِنْ مُجَرَّدِ عَاطِفَةٍ إِلَى "مَسْؤُولِيَّةٍ" وَ "عِمَارَةٍ". فَدِينُنَا هُوَ دِينُ البِنَاءِ وَالإِتْقَانِ. فَمَا قَصَصُ القُرْآنِ إِلَّا تَأْكِيدٌ لِهَذَا المَعْنَى:

* فَهَذَا سَيِّدُنَا إِبْرَاهِيمُ عَلَيْهِ السَّلَامُ، بَعْدَ أَنْ وَضَعَ أُسُسَ البَيْتِ، لَمْ يَنْسَ وَطَنَهُ الجَدِيدَ، بَلْ تَرْجَمَ حُبَّهُ لَهُ إِلَى دُعَاءٍ بِالأَمْنِ وَالرِّزْقِ فَقَالَ: ﴿رَبِّ اجْعَلْ هَٰذَا بَلَدًا آمِنًا وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ﴾. فَهَكَذَا يُحِبُّ الأَنْبِيَاءُ الأَوْطَانَ: بِالدُّعَاءِ لَهَا بِالأَمْنِ وَالنَّمَاءِ.
* وَهَذَا سَيِّدُنَا يُوسُفُ عَلَيْهِ السَّلَامُ، لَمَّا مَكَّنَهُ اللهُ فِي أَرْضِ مِصْرَ، لَمْ يَعْتَبِرْهَا مَغْنَمًا، بَلْ اعْتَبَرَهَا أَمَانَةً. وَقَدَّمَ أَرْقَى صُورَةٍ لِخِدْمَةِ الوَطَنِ بِالإِتْقَانِ وَالعِلْمِ، فَقَالَ: ﴿اجْعَلْنِي عَلَىٰ خَزَائِنِ الْأَرْضِ ۖ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ﴾. "حَفِيظٌ" عَلَى مُقَدَّرَاتِ الوَطَنِ، "عَلِيمٌ" بِكَيْفِيَّةِ إِدَارَتِهِ.
* وَهَذَا سَيِّدُنَا دَاوُدُ عَلَيْهِ السَّلَامُ، يُعَلِّمُنَا اللهُ عَلَى يَدِهِ قِيمَةَ "الصَّنْعَةِ" وَ "الإِتْقَانِ" فَيَقُولُ: ﴿وَعَلَّمْنَاهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَكُمْ...﴾. فَالصَّنْعَةُ المتقَنَةُ هِبَةٌ مِنَ اللهِ وَطَرِيقٌ لِعِمَارَةِ الأَرْضِ.

وَلَقَدْ قَالَ نَبِيُّنَا ﷺ: "إِنَّ اللهَ يُحِبُّ إِذَا عَمِلَ أَحَدُكُمْ عَمَلًا أَنْ يُتْقِنَهُ" (رَوَاهُ البَيْهَقِيُّ). وَهَا نَحْنُ اليَوْمَ فِي مِصْرَ، نَشْهَدُ تَجَسُّدًا لِهَذَا المَعْنَى العَظِيمِ "لِلإِتْقَانِ" وَ "الإِعْمَارِ" فِي افْتِتَاحِ المَتحَفِ المِصْرِيِّ الكَبِيرِ.

إِنَّ هَذَا الصَّرْحَ العَظِيمَ لَيْسَ مُجَرَّدَ بِنَاءٍ يُضَافُ، بَلْ هُوَ رِسَالَةٌ تَقُولُ لِلعَالَمِ إِنَّ الأَحْفَادَ يُكَمِّلُونَ مَسِيرَةَ الأَجْدَادِ. إِذَا كَانَ الأَجْدَادُ قَدْ أَتْقَنُوا "الصَّنْعَةَ" فَبَهَرُوا بِهَا الدُّنْيَا، فَإِنَّ وَاجِبَ الأَحْفَادِ هُوَ "إِتْقَانُ الحِفَاظِ" عَلَى هَذَا الإِرْثِ وَتَقْدِيمِهِ بِأَرْقَى صُورَةٍ.

أَيُّهَا السَّادَةُ الكِرَامُ: لَقَدْ دَعَانَا القُرْآنُ الكَرِيمُ إِلَى "الاعْتِبَارِ" بِتَارِيخِ الأُمَمِ. قَالَ تَعَالَى: ﴿قُلْ سِيرُوا فِي الأَرْضِ فَانْظُرُوا...﴾. وَهَذَا المَتحَفُ يُقَدِّمُ لَنَا فُرْصَةً لِلنَّظَرِ وَالاعْتِبَارِ. نَرَى فِيهِ إِتْقَانَ الصَّانِعِ، وَدِقَّةَ المُهَنْدِسِ، وَعَظَمَةَ التَّخْطِيطِ.

إِنَّ هَذَا المَتحَفَ هُوَ جِسْرٌ يَرْبِطُ المَاضِيَ بِالحَاضِرِ. وَحُبُّنَا الحَقِيقِيُّ لِوَطَنِنَا اليَوْمَ يَتَمَثَّلُ فِي أَنْ نَسْتَلْهِمَ "إِتْقَانَ" الأَجْدَادِ، لِنَبْنِيَ بِهِ "مُسْتَقْبَلَ" الأَحْفَادِ. وَبِاللهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ.

خاطرة 27

وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللهِ

الحَمْدُ للهِ قَاصِمِ الجَبَّارِينَ، وَنَاصِرِ المُسْتَضْعَفِينَ، وَمُعِزِّ أَوْلِيَائِهِ المُؤْمِنِينَ، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ قَائِدِ الغُرِّ المُحَجَّلِينَ، الَّذِي أَرْسَى قَوَاعِدَ النَّصْرِ وَالتَّمْكِينِ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَمَنْ تَبِعَهُمْ بِإِحْسَانٍ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ.

أَيُّهَا السَّادَةُ الكِرَامُ، إِنَّهَا الحَقِيقَةُ الأَزَلِيَّةُ، وَالقَاعِدَةُ الرَّبَّانِيَّةُ الَّتِي يَجِبُ أَنْ تَسْتَقِرَّ فِي قَلْبِ كُلِّ مُؤْمِنٍ؛ حَقِيقَةُ أَنَّ النَّصْرَ لَيْسَ بِالعَدَدِ وَلَا بِالعُدَّةِ، وَلَيْسَ بِالقُوَّةِ المَادِّيَّةِ وَحْدَهَا، بَلْ هُوَ مِنَّةٌ مِنَ اللهِ وَهِبَةٌ، يُنْزِلُهَا عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَفْقَ حِكْمَتِهِ وَعَدْلِهِ. يَقُولُ المَوْلَى عَزَّ وَجَلَّ فِي مُحْكَمِ التَّنْزِيلِ: ﴿وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ﴾ (آل عمران: 126). فَمَهْمَا بَلَغَتْ قُوَّةُ الأُمَمِ، وَمَهْمَا تَعَاظَمَتْ أَسْبَابُهَا، فَإِنَّ مَفَاتِيحَ النَّصْرِ تَبْقَى بِيَدِ اللهِ وَحْدَهُ.

أَيُّهَا السَّادَةُ الكِرَامُ: أَسْبَابُ النَّصْرِ الحَقِيقِيَّةُ

إِنَّ نُصْرَةَ اللهِ لَهَا أَسْبَابٌ وَعَوَامِلُ، مَنْ أَخَذَ بِهَا حَقَّ لَهُ أَنْ يَسْتَمْطِرَ نَصْرَ السَّمَاءِ. وَلَقَدْ عَلَّمَنَا القُرْآنُ الكَرِيمُ وَسُنَّةُ نَبِيِّنَا ﷺ أَنَّ هُنَاكَ شُرُوطًا لِهَذَا النَّصْرِ، مِنْ أَهَمِّهَا:

صِدْقُ الإِيمَانِ وَالتَّوَكُّلُ عَلَى اللهِ: فَالقَلْبُ المُعَلَّقُ بِاللهِ، الَّذِي يَعْلَمُ يَقِينًا أَنَّ القُوَّةَ كُلَّهَا للهِ، هُوَ قَلْبٌ لاَ يُهْزَمُ.
طَاعَةُ اللهِ وَرَسُولِهِ وَاجْتِنَابُ المَعْصِيَةِ: إِنَّ أَعْظَمَ سَبَبٍ لِلْهَزِيمَةِ هُوَ التَّفْرِيطُ فِي جَنْبِ اللهِ.
وَحْدَةُ الصَّفِّ وَنَبْذُ الفُرْقَةِ: مَا ضَعُفَتِ الأُمَّةُ إِلَّا حِينَ تَشَتَّتَ أَبْنَاؤُهَا، وَمَا تَغَلَّبَ عَلَيْهَا عَدُوٌّ إِلَّا حِينَ دَبَّ فِيهَا النِّزَاعُ.
الإِعْدَادُ المَادِّيُّ المُسْتَطَاعُ: فَالإِسْلَامُ دِينُ الوَاقِعِيَّةِ، لاَ يَدْعُو إِلَى التَّوَكُّلِ المُنْفَصِلِ عَنِ الأَخْذِ بِالأَسْبَابِ.

أَيُّهَا السَّادَةُ الكِرَامُ: تَجَلِّيَاتُ النَّصْرِ فِي سِيرَةِ المُصْطَفَى وَالصَّالِحِينَ

وَلِكَيْ لاَ يَظَلَّ الكَلاَمُ نَظَرِيًّا، فَإِنَّ تَارِيخَنَا يَزْخَرُ بِالمَوَاقِفِ الَّتِي تَجَلَّى فِيهَا نَصْرُ اللهِ كَفَلَقِ الصُّبْحِ:

* يَوْمَ بَدْرٍ... حِينَ اسْتَنْزَلَ الدُّعَاءُ جُنُودَ السَّمَاءِ: هَا هُوَ سَيِّدُنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ يَقِفُ فِي قِلَّةٍ مِنْ أَصْحَابِهِ، مُسْتَقْبِلَ القِبْلَةِ، رَافِعًا يَدَيْهِ الشَّرِيفَتَيْنِ حَتَّى سَقَطَ رِدَاؤُهُ، يُنَاجِي رَبَّهُ بِقَلْبٍ مُوقِنٍ وَيَقُولُ: "اللَّهُمَّ أَنْجِزْ لِي مَا وَعَدْتَنِي، اللَّهُمَّ إِنْ تُهْلِكْ هَذِهِ العِصَابَةَ مِنْ أَهْلِ الإِسْلاَمِ لاَ تُعْبَدْ فِي الأَرْضِ". فَمَا زَالَ يَهْتِفُ بِرَبِّهِ حَتَّى جَاءَهُ البُشْرَى وَنَزَلَ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُرْدِفِينَ﴾ (الأنفال: 9). فَلَمْ يَكُنِ النَّصْرُ بِعَدَدِهِمْ، بَلْ بِصِدْقِ تَوَجُّهِهِمْ وَإِيمَانِ قَائِدِهِمْ.
سَيِّدُنَا سَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ... وَمَفَاتِيحُ القَادِسِيَّةِ: وَفِي عَهدِ سَيِّدِنَا عُمَرَ بْنِ الخَطَّابِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، حِينَ جَهَّزَ جَيْشَ القَادِسِيَّةِ لِقِتَالِ الفُرْسِ، وَكَانُوا أَضْعَافَ المُسْلِمِينَ عَدَدًا وَعُدَّةً، كَتَبَ أَمِيرُ المُؤْمِنِينَ إِلَى قَائِدِ الجَيْشِ سَيِّدِنَا سَعْدَ بْنَ أَبِي وَقَّاصٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ وَصِيَّةً خَالِدَةً قَالَ فِيهَا: "فَإِنِّي آمُرُكَ وَمَنْ مَعَكَ مِنْ الأَجْنَادِ بِتَقْوَى اللهِ عَلَى كُلِّ حَالٍ؛ فَإِنَّ تَقْوَى اللهِ أَفْضَلُ العُدَّةِ عَلَى العَدُوِّ، وَأَقْوَى المَكِيدَةِ فِي الحَرْبِ". فَلَمَّا الْتَزَمَ الجُنْدُ بِتَقْوَى اللهِ، وَأَقْبَلُوا عَلَى الشَّهَادَةِ بِصِدْقٍ، وَلَجَأَ قَائِدُهُمْ إِلَى اللهِ بِالدُّعَاءِ، أَنْزَلَ اللهُ نَصْرَهُ، وَفُتِحَتْ عَلَى أَيْدِيهِمْ بِلَادُ فَارِسَ، لِيَعْلَمَ العَالَمُونَ أَنَّ جُنُودَ اللهِ هُمُ الغَالِبُونَ.

أَيُّهَا السَّادَةُ الكِرَامُ: نَصْرُ أُكْتُوبَرَ تَجْسِيدٌ لِلمَعَانِي الرَّبَّانِيَّةِ

وَلَعَلَّ مِنْ أَبْرَزِ الأَمْثِلَةِ فِي تَارِيخِنَا الحَدِيثِ، الَّتِي تَجَلَّتْ فِيهَا هَذِهِ السُّنَنُ الإِلَهِيَّةُ، هُوَ نَصْرُ أُكْتُوبَرَ المَجِيدُ. لَمْ يَكُنْ هَذَا النَّصْرُ مُجَرَّدَ انْتِصَارٍ عَسْكَرِيٍّ، بَلْ كَانَ لَوْحَةً إِيمَانِيَّةً اجْتَمَعَتْ فِيهَا أَسْبَابُ النَّصْرِ الأَرْضِيَّةُ وَالسَّمَاوِيَّةُ.

لَقَدْ أَخَذَ قَادَتُنَا وَجُنُودُنَا بِأَسْبَابِ القُوَّةِ المَادِّيَّةِ؛ فَخَطَّطُوا بِأَعْلَى دَرَجَاتِ الدِّقَّةِ وَالإِتْقَانِ، وَأَعَدُّوا العُدَّةَ بِكُلِّ مَا أُوتُوا مِنْ حِيلَةٍ وَوَسِيلَةٍ. وَلَكِنَّ السِّرَّ الأَعْظَمَ كَانَ فِي الرُّوحِ الَّتِي سَرَتْ فِي عُرُوقِ الجَيْشِ؛ رُوحُ الإِيمَانِ باللهِ. كَانَتْ صَيْحَةُ "اللهُ أَكْبَرُ" هِيَ السِّلَاحَ الَّذِي زَلْزَلَ قُلُوبَ الأَعْدَاءِ وَحَطَّمَ أُسْطُورَةَ جَيْشِهِمُ الَّذِي لاَ يُقْهَرُ.

أَيُّهَا السَّادَةُ الكِرَامُ: طَرِيقُنَا إِلَى نَصْرٍ جَدِيدٍ: إِنَّ قِصَّةَ النَّصْرِ لاَ تَتَغَيَّرُ، وَقَوَانِينَهَا ثَابِتَةٌ. فَإِذَا أَرَدْنَا لأُمَّتِنَا عِزًّا وَتَمْكِينًا، فَلَيْسَ لَنَا مِنْ طَرِيقٍ سِوَى العَوْدَةِ الصَّادِقَةِ إِلَى اللهِ، وَتَحْقِيقِ شُرُوطِ النَّصْرِ الَّتِي أَرْسَاهَا. عَلَيْنَا أَنْ نُعِدَّ قُوَّةَ الإِيمَانِ فِي القُلُوبِ، مَعَ قُوَّةِ العِلْمِ وَالعَمَلِ فِي الوَاقِعِ. فَلْنَتَذَكَّرْ دَائِمًا أَنَّ النَّصْرَ الحَقِيقِيَّ يَبْدَأُ مِنَ الانْتِصَارِ عَلَى شَهَوَاتِ النَّفْسِ وَأَهْوَائِهَا، فَمَنْ نَصَرَ اللهَ فِي نَفْسِهِ، نَصَرَهُ اللهُ عَلَى عَدُوِّهِ. وَبِاللهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ.

خاطرة 28

الإِسْلَامُ وَاحْتِرَامُ خُصُوصِيَّةِ الآخَرِينَ

الحمدُ للهِ المَلِكِ القُدُّوسِ السَّلَامِ، الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ عَلَى الكَمَالِ وَعَلَى التَّمَامِ، رَفَعَ السَّمَاءَ بِلَا عَمَدٍ وَالأَرْضَ وَضَعَهَا لِلأَنَامِ. وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ الأَتَمَّانِ الأَكْمَلَانِ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ، الفَاتِحِ لِمَا أُغْلِقَ، وَالخَاتِمِ لِمَا سَبَقَ، نَاصِرِ الحَقِّ بِالحَقِّ، وَالهَادِي إِلَى صِرَاطِكَ المُسْتَقِيمِ، وَعَلَى آلِهِ حَقَّ قَدْرِهِ وَمِقْدَارِهِ العَظِيمِ.

مَوْلَايَ صَلِّ وَسَلِّمْ دَائِمًا أَبَدًا عَلَى حَبِيبِكَ خَيْرِ الخَلْقِ كُلِّهِمُ. يَا رَبِّ بِالمُصْطَفَى بَلِّغْ مَقَاصِدَنَا، وَاغْفِرْ لَنَا مَا مَضَى يَا وَاسِعَ الكَرَمِ.

وَبَعْدُ؛

فَإِنَّ مِنْ أَعْظَمِ القِيَمِ الَّتِي حَرَصَ الإِسْلَامُ عَلَى بَثِّهَا بَيْنَ المُسْلِمِينَ قَدِيمًا وَحَدِيثًا، قِيمَةُ "احْتِرَامِ خُصُوصِيَّةِ الآخَرِينَ".

التَّأْصِيلُ القُرْآنِيُّ لِلْخُصُوصِيَّةِ:

نَجِدُ قَاعِدَةً عَظِيمَةً فِي كِتَابِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ تَحُثُّنَا عَلَى ذَلِكَ، حَيْثُ يَقُولُ رَبُّنَا تَبَارَكَ وَتَعَالَى فِي سُورَةِ الحُجُرَاتِ:

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِّنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ ۖ وَلَا تَجَسَّسُوا وَلَا يَغْتَب بَّعْضُكُم بَعْضًا...﴾.

وَلَمْ يَقِفِ الأَمْرُ عِنْدَ النَّهْيِ عَنِ التَّجَسُّسِ العَامِّ، بَلْ حَدَّدَ القُرْآنُ الكَرِيمُ أَوْقَاتًا خَاصَّةً لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ أَنْ يَدْخُلَ عَلَى أَحَدٍ فِيهَا إِلَّا بِإِذْنٍ، حَتَّى دَاخِلَ البَيْتِ الوَاحِدِ، فَقَالَ تَعَالَى فِي سُورَةِ النُّورِ:

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِيَسْتَأْذِنكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ مِنكُمْ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ ۚ مِّن قَبْلِ صَلَاةِ الْفَجْرِ وَحِينَ تَضَعُونَ ثِيَابَكُم مِّنَ الظَّهِيرَةِ وَمِن بَعْدِ صَلَاةِ الْعِشَاءِ ۚ ثَلَاثُ عَوْرَاتٍ لَّكُمْ...﴾.

فَأَصَّلَ لَنَا رَبُّنَا تَبَارَكَ وَتَعَالَى مِنْ خِلَالِ هَذِهِ الآيَةِ قِيمَةَ احْتِرَامِ الخُصُوصِيَّةِ، بَلْ وَجَعَلَ أَوْقَاتًا لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ أَنْ يَزُورَ أَحَدًا فِيهَا مِنْ بَابِ الأَدَبِ.

آدَابُ الزِّيَارَةِ وَالاسْتِئْذَانِ:

وَجَعَلَ رَبُّنَا تَبَارَكَ وَتَعَالَى أَسَاسِيَّاتٍ وَآدَابًا يَنْبَغِي احْتِرَامُهَا فِي التَّعَامُلِ مَعَ الآخَرِينَ:

* إِتْيَانُ البُيُوتِ مِنْ أَبْوَابِهَا: فَلَا يَأْتِي الإِنْسَانُ بَيْتَ أَحَدٍ مِنْ ظَهْرِهِ أَوْ يَتَلَصَّصُ عَلَيْهِ، قَالَ تَعَالَى: ﴿وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَن تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِن ظُهُورِهَا وَلَٰكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقَىٰ ۗ وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا...﴾ (البَقَرَة).
* أَدَبُ الاسْتِئْذَانِ: وَهُوَ بَابٌ أَصِيلٌ لاحْتِرَامِ خُصُوصِيَّةِ النَّاسِ، قَالَ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّىٰ تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَىٰ أَهْلِهَا... فَإِن لَّمْ تَجِدُوا فِيهَا أَحَدًا فَلَا تَدْخُلُوهَا حَتَّىٰ يُؤْذَنَ لَكُمْ ۖ وَإِن قِيلَ لَكُمُ ارْجِعُوا فَارْجِعُوا ۖ هُوَ أَزْكَىٰ لَكُمْ...﴾ (النُّور).

النَّهْيُ النَّبَوِيُّ عَنْ تَتَبُّعِ العَوْرَاتِ:

بَلْ وَنَهَى سَيِّدُنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ فِي عِدَّةِ أَحَادِيثَ عَنْ تَتَبُّعِ عَوْرَاتِ النَّاسِ وَاخْتِرَاقِ خُصُوصِيَّاتِهِمْ، وَجَعَلَ فِيهَا عِقَابًا عَظِيمًا وَعَذَابًا مُهِينًا.

رَوَى التِّرْمِذِيُّ عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: "يَا مَعْشَرَ مَن آمن بلسانِه ولم يَدْخُلِ الإيمانُ قلبَه، لا تغتابوا المسلمينَ، ولا تَتَّبِعُوا عَوْرَاتِهِم، فإنه مَن تَتَبَّعَ عَوْرَةَ أَخِيه المسلمِ، تَتَبَّعَ اللهُ عَوْرَتَه، ومَن تَتَبَّعَ اللهُ عَوْرَتَه، يَفْضَحْهُ ولو في جوفِ بيتِه".
وَمِنَ الوَصَايَا الجَامِعَةِ لِسَيِّدِنَا مُعَاوِيَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، قَالَ لَهُ ﷺ: "إِنَّكَ إِنِ اتَّبَعْتَ عَوْرَاتِ الناسِ؛ أَفْسَدْتَهُمْ، أوْ كِدْتَ أنْ تُفْسِدَهُمْ" (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ).

حُقُوقُ الجَارِ وَفَضْلُ السَّتْرِ:

فَإِنَّنَا نَدْعُو السَّادَةَ الكِرَامَ أَنْ يَحْرِصُوا عَلَى احْتِرَامِ خُصُوصِيَّةِ النَّاسِ، خَاصَّةً الجِيرَانَ. فَلَا يَتَجَسَّسُ أَحَدٌ عَلَى أَحَدٍ، لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ حَذَّرَ مِنْ ذَلِكَ فَقَالَ: "واللهِ لا يؤمِنُ، واللهِ لا يؤمِنُ، واللهِ لا يؤمِنُ. قالوا: وما ذاكَ يا رسولَ اللهِ؟ قال: جارٌ لا يأمن جارُهُ بوائقَهُ. قالوا: وما بوائقُهُ؟ قال: شرُّهُ". (رَوَاهُ البُخَارِيُّ). وَمِنْ ضِمْنِ هَذِهِ البَوَائِقِ عَدَمُ احْتِرَامِ الخُصُوصِيَّةِ.

فَاحْرِصُوا أَيُّهَا السَّادَةُ الكِرَامُ عَلَى هَذَا الخُلُقِ حَتَّى لَا تَدْخُلُوا تَحْتَ هَذَا الوَعِيدِ. إِيَّاكُمْ وَالتَّجَسُّسَ، إِيَّاكُمْ وَكَشْفَ أَسْتَارِ النَّاسِ.

فَمَنْ سَتَرَ مُسْلِمًا سَتَرَهُ اللهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ، كَمَا وَرَدَ فِي الحَدِيثِ الصَّحِيحِ: "المسلمُ أخو المسلمِ... ومن ستر مسلمًا سترهُ اللهُ يومَ القيامةِ".

أَسْأَلُ اللهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى بِاسْمِهِ الأَعْظَمِ أَنْ يَسْتُرَنَا بِسِتْرِهِ الجَمِيلِ، وَأَنْ يَحْفَظَ أَسْرَارَنَا، وَأَنْ يُوَفِّقَنَا وَإِيَّاكُمْ لِكُلِّ خَيْرٍ، وَأَنْ يُدِيمَ عَلَى بَلَدِنَا مِصْرَ نِعْمَةَ الأَمْنِ وَالأَمَانِ وَالاسْتِقْرَارِ، إِنَّهُ وَلِيُّ ذَلِكَ وَمَوْلَاهُ. وَبِاللهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ وَالسَّدَادُ.

خاطرة 29

تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلَامٌ

الحمدُ للهِ ربِّ العالمينَ، والعاقبةُ للمتقينَ، ولا عدوانَ إلا على الظالمينَ. وأشهدُ أنْ لا إلهَ إلا اللهُ وليُّ الصالحينَ، شهادةً تذكرُنَا عندَ السؤالِ حُجَّتَنَا، وتُيَسِّرُ على الصراطِ مُرُورَنَا، وتَرْوِينَا يومَ العطشِ الأكبرِ مِنْ حوضِ نبيِّنَا ﷺ. ونشهدُ أنَّ سيِّدَنَا ونبيَّنَا وعظيمَنَا وقائدَنَا وقُدْوَتَنَا وأستاذَنَا وقُرَّةَ أعيُنِنَا ومُخْرِجَنَا مِنَ الظلماتِ إلى النورِ سيِّدَنَا مُحَمَّدًا ﷺ، شَرَحَ اللهُ صدرَهُ ورَفَعَ فِي العالمينَ ذِكْرَهُ، وصلَّى عليهِ ثُمَّ أَمَرَنَا نحنُ المؤمنينَ بالصلاةِ والسلامِ عليهِ فقالَ جلَّ وعلا: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ ۚ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾.

اللهمَّ صَلِّ على سيِّدِنَا مُحَمَّدٍ الفاتحِ لِمَا أُغْلِقَ، والخاتمِ لِمَا سَبَقَ، ناصرِ الحقِّ بالحقِّ، والهادي إلى صراطِكَ المستقيمِ، وعلى آلِهِ حقَّ قَدْرِهِ ومِقْدَارِهِ العظيمِ. مولايَ صَلِّ وَسَلِّمْ دَائِمًا أَبَدًا عَلَى حَبِيبِكَ خَيْرِ الخَلْقِ كُلِّهِمُ.

وَبَعْدُ : فَإِنَّ مِنْ أَعْظَمِ النِّعَمِ الَّتِي يَمْتَنُّ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ بِهَا عَلَى عِبَادِهِ نِعْمَةَ الأَمَانِ وَالسَّلَامِ. وَالَّذِي يَتَتَبَّعُ وَيَتَدَبَّرُ آيَاتِ القُرْآنِ الكَرِيمِ يَجِدُ أَنَّ رَبَّنَا تَبَارَكَ وَتَعَالَى ذَكَرَ السَّلَامَ وَالأَمَانَ فِي مَوَاضِعَ عَدِيدَةٍ:

* اسْمُ اللهِ: فَجَعَلَ رَبُّنَا تَبَارَكَ وَتَعَالَى السَّلَامَ اسْمًا مِنْ أَسْمَائِهِ الحُسْنَى فَقَالَ جَلَّ وَعَلَا: ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ﴾.
* اسْمُ الجَنَّةِ: وَجَعَلَ السَّلَامَ اسْمًا مِنْ أَسْمَاءِ الجَنَّةِ فَقَالَ تَعَالَى: ﴿لَهُمْ دَارُ السَّلَامِ عِندَ رَبِّهِمْ ۖ وَهُوَ وَلِيُّهُم بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾.
* تَحِيَّةُ أَهْلِ الجَنَّةِ: وَجَعَلَ تَحِيَّةَ أَهْلِ الجَنَّةِ السَّلَامَ فَقَالَ تَعَالَى: ﴿تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلَامٌ ۚ وَأَعَدَّ لَهُمْ أَجْرًا كَرِيمًا﴾. بَلْ إِنَّ أَهْلَ الجَنَّةِ يُسَاقُونَ إِلَيْهَا بِالسَّلَامِ: ﴿وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَرًا ۖ حَتَّىٰ إِذَا جَاءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا سَلَامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ﴾.

السَّلَامُ فِي السُّنَّةِ النَّبَوِيَّةِ: وَالَّذِي يَنْظُرُ فِي سُنَّةِ سَيِّدِنَا رَسُولِ اللهِ ﷺ يَجِدُ أَنَّ أَوَّلَ خِطَابٍ لِلرَّسُولِ ﷺ فِي المَدِينَةِ المُنَوَّرَةِ كَانَ تَأْسِيسًا لِلسَّلَامِ. فَعَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ سَلَامٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: "أَيُّهَا النَّاسُ أَفْشوا السَّلامَ، وَأَطْعِمُوا الطَّعَامَ، وَصَلُّوا باللَّيْل وَالنَّاسُ نِيامٌ، تَدخُلُوا الجَنَّةَ بِسَلامٍ". (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ).

أَجْرُ السَّلَامِ: بَلْ وَرَغَّبَ سَيِّدُنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ الصَّحَابَةَ الكِرَامَ فِي السَّلَامِ، وَأَخْبَرَ أَنَّ السَّلَامَ وَلَوْ بِالكَلِمَةِ لَهُ أَجْرٌ مَحْسُوبٌ: فَعَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: السَّلامُ عَلَيكُم، فَرَدَّ عَلَيْهِ، ثُمَّ جَلَسَ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: "عَشْرٌ"، ثُمَّ جَاءَ آخَرُ فَقَالَ: السَّلامُ عَلَيكُم وَرَحْمَةُ اللهِ، فَرَدَّ عَلَيْهِ، فَجَلَسَ، فَقَالَ: "عِشْرون"، ثُمَّ جَاءَ آخَرُ فَقَالَ: السَّلامُ عَلَيكُم وَرَحْمَةُ الله وَبَرَكَاتُه، فَرَدَّ عَلَيْهِ، فَجَلَسَ، فَقَالَ: "ثَلاثُونَ". (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ).

بَلْ وَجِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلَامُ كَانَ حِينَمَا يَلْقَى سَيِّدَنَا رَسُولَ اللهِ ﷺ يَبْدَأُهُ بِالسَّلَامِ، فَعَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا قَالَتْ: قَالَ لِي رَسُولُ اللهِ ﷺ: "هَذَا جِبرِيلُ يَقْرَأُ عَلَيْكِ السَّلامَ"، قَالَتْ: قُلْتُ: وَعَلَيْه السَّلامُ ورحْمَةُ اللهِ وَبَرَكَاتُهُ. (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ).

السَّلَامُ حِصْنٌ مِنَ القَطِيعَةِ: السَّلَامُ قُرْبَةٌ وَسُنَّةٌ وَمَشْرُوعٌ لِلْمُسْلِمِينَ رِجَالًا وَنِسَاءً؛ لِمَا فِيهِ مِنَ المَصَالِحِ الكَثِيرَةِ، وَجَلْبِ المَوَدَّةِ وَالتَّآلُفِ، وَالحَذَرِ مِنَ الشَّحْنَاءِ وَالبَغْضَاءِ؛ وَلِهَذَا حُرِّمَ عَلَى المُسْلِمِ أَنْ يَهْجُرَ أَخَاهُ فَوْقَ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ. يَقُولُ سَيِّدُنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ: "لا يحل لمسلمٍ أن يهجر أخاه فوق ثلاثٍ، يلتقيان فيُعرض هذا ويُعرض هذا، وخيرهما الذي يبدأ بالسلام".

فَالسَّلَامُ هُوَ الَّذِي يَقْطَعُ الهَجْرَ إِذَا كَانَتِ الخُصُومَةُ دُنْيَوِيَّةً، أَمَّا إِذَا كَانَ الهَجْرُ للهِ مِنْ أَجْلِ مَعْصِيَةٍ ظَاهِرَةٍ، فَهَذَا لَا يَتَقَيَّدُ بِثَلَاثٍ بَلْ حَتَّى يَتُوبَ، كَمَا حَدَثَ مَعَ الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ.

آدَابُ السَّلَامِ: وَلِلسَّلَامِ آدَابٌ عَلَّمَنَا إِيَّاهَا النَّبِيُّ ﷺ لِتَنْظِيمِ الحَيَاتِ: "لِيُسَلِّمِ الصَّغِيرُ عَلَى الكَبِيرِ، وَالمَارُّ عَلَى القَاعِدِ، وَالرَّاكِبُ عَلَى المَاشِي، وَالقَلِيلُ عَلَى الكَثِيرِ". فَهَذِهِ آدَابٌ شَرْعِيَّةٌ تُوَرِّثُ التَّوَاضُعَ وَالتَّوْقِيرَ.

وَمِنَ الآدَابِ العَظِيمَةِ أَيْضًا: التَّسْلِيمُ عَلَى الأَهْلِ عِنْدَ دُخُولِ البَيْتِ، قَالَ ﷺ لِأَنَسٍ: "يا بُنَيَّ، إِذَا دَخَلْتَ عَلى أَهْلِكَ فَسَلِّمْ يَكُنْ بَركةً عَلَيْكَ وَعَلَى أهْلِ بَيْتِكَ".

فَهِيَ دَعْوَةٌ إِلَى السَّلَامِ، فَاجْعَلُوا السَّلَامَ يَمْلَأُ حَيَاتَكُمْ كُلَّهَا: بُيُوتَكُمْ، وَشَوَارِعَكُمْ، وَمَسَاجِدَكُمْ، وَمَدَارِسَكُمْ، وَفِي كُلِّ مَكَانٍ.

نَسْأَلُ اللهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى بِأَسْمَائِهِ الحُسْنَى وَصِفَاتِهِ العُلَى أَنْ يُدِيمَ عَلَى بَلَدِنَا الحَبِيبَةِ مِصْرَ جَيْشِهَا وَشَعْبِهَا بِالأَمْنِ وَالأَمَانِ وَالسَّلَامِ وَالاطْمِئْنَانِ.

خَاتِمَةُ الكِتَابِ

نَسْأَلُ اللهَ العَلِيَّ القَدِيرَ أَنْ يَجْعَلَ هَذِهِ الكَلِمَاتِ نُورًا يَمْشِي بَيْنَ النَّاسِ، وَأَنْ يَكْتُبَ لَهَا القَبُولَ فِي الأَرْضِ وَفِي السَّمَاءِ، وَأَنْ يَنْفَعَ بِهَا كَاتِبَهَا وَقَارِئَهَا وَنَاشِرَهَا يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ إِلَّا مَنْ أَتَى اللهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ.

وَصَلَّى اللهُ وَسَلَّمَ وَبَارَكَ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.

(تَمَّ بِحَمْدِ اللهِ)