رحلة القلب (قصة الحج والعمرة)

لفضيلة الشيخ أحمد إسماعيل الفشني

إهـداء

إلى كل قلب مشتاق يحن إلى بيت الله عز وجل الحرام، وإلى كل روح تتوق للسير على خطى الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم، وإلى كل حاج ومعتمر يبغي رحمة ربه ويرجو مغفرته. وإلى والدي الكريمين، أسأل الله عز وجل أن يجزيهما عني خير الجزاء. وإلى زوجتي الكريمة وإلى أولادي، أسأل الله جل وعلا أن يتابع لهم ولكل مشتاق بين الحج والعمرة.

أهدي هذا العمل المتواضع، راجياً من المولى عز وجل القبول والنفع.

مقدمة

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله عز وجل الذي جعل البيت مثابة للناس وأمناً، وأمر عباده بحجه لمن استطاع إليه سبيلاً، والصلاة والسلام الأتمان الأكملان على سيدنا محمد، الذي علمنا مناسكنا وقال: "خذوا عني مناسككم"، وعلى آله وصحبه أجمعين.

وبعد..

فإن الحج والعمرة ليسا مجرد سفر تقطع فيه الفيافي وتطوى فيه المسافات، بل هما "رحلة القلب" إلى خالقه، وهجرة الروح إلى بارئها جل وعلا، حيث تتطهر النفس من أدرانها، ويصقل القلب من صدئه، ويعود العبد كيوم ولدته أمه.

هي قصة ترويها خطوات الطائفين، ودعوات الساعين، ودموع الواقفين بعرفات، وتكبيرات الرامين للجمرات. إنها قصة الإيمان والتسليم والخضوع لرب العالمين. وفي هذا الكتيب المتواضع، نسعى لأن نصحبك -أيها القارئ الكريم- في جولة إيمانية عبر هذه الرحلة المباركة، نتتبع فيها المناسك خطوة بخطوة، ونستلهم العبر من كل مشعر، ونغوص في أعماق المعاني الروحية التي تكمن وراء كل عمل.

أسأل الله العظيم عز وجل أن يجعل هذا العمل خالصاً لوجهه الكريم، وأن ينفع به كل من قرأه، وأن يرزقنا وإياكم حجاً مبروراً، وسعياً مشكوراً، وذنباً مغفوراً، وعملاً صالحاً متقبلاً.

إنه سبحانه وتعالى ولي ذلك والقادر عليه.

نداء الإجابة

أيها الإخوة المؤمنون، وأيتها الأخوات المؤمنات،

إن الحديث عن الحج والعمرة ليس حديثاً عن مجرد رحلة جغرافية من مكان إلى مكان. إنه حديث عن رحلة القلب، رحلة تتوق إليها الأرواح قبل الأجساد، وتهفو إليها القلوب قبل الأبصار.

إنها دعوة إلهية قديمة متجددة، أذن بها خليل الرحمن سيدنا إبراهيم عليه السلام قبل آلاف السنين: ﴿وَأَذِّن فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَىٰ كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِن كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ﴾ (الحج: 27).

فانظروا إلى عظمة هذا النداء؛ لم يدعهم إلى متاع زائل، ولا إلى لهو عابر، بل دعاهم إلى بيت عتيق، ليقيموا ذكر الله عز وجل، ويعلنوا توحيده. وجاءت الإجابة من كل أرجاء الأرض، معلنة الولاء، ومجددة العهد، بلسان واحد ونداء واحد: "لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك، لا شريك لك".

إن هذا الكتيب هو محاولة لفك شفرات هذه الرحلة المباركة. ليس مجرد سرد فقهي جاف، بل هو إبحار في عمق المناسك، نستلهم منه المعاني، ونستشعر فيه الروح. سنمشي معاً خطوة خطوة من لحظة النية الصادقة في القلب، مروراً بالرحلة الشاقة، ووصولاً إلى لحظة الوقوف بين يدي الله عز وجل في عرفة.

فلتكن هذه الصفحات دليلاً لكل حاج ومعتمر، ومشكاة لكل مشتاق، وزاداً لكل من أراد أن يتعلم ويتأمل.

لنبـدأ رحلتنا الأولى.. رحلة التجرد والعودة إلى الفطرة.

الإحرام.. التجرد والعودة إلى الفطرة

إن أول محطة في رحلة الحج والعمرة هي محطة الإحرام. والإحرام ليس مجرد ارتداء ثوب خاص، بل هو إعلان بالنية، ودخول في حرمة المناسك. إنه لحظة الانفصال عن الدنيا، والتجرد من كل ما يثبت القلب عن الله عز وجل.

ما هو الإحرام؟

الإحرام هو نية الدخول في نسك الحج أو العمرة، مع التلفظ بالنية بالقول: "لبيك عمرة" أو "لبيك حجاً". وهو واجب من واجبات الحج والعمرة لا يصحان إلا به. وللإحرام أركان وواجبات وسنن، لكن جوهره يبقى واحداً: هو التخلي عن الماديات والتركيز على الروحانيات.

تأمل معي، أيها الحبيب، في ثوب الإحرام: قطعتان من القماش الأبيض البسيط، يرتديهما الغني والفقير، والرئيس والمرؤوس. في هذه اللحظة، لا قيمة للمال، ولا للسلطان، ولا للنسب؛ الكل سواسية، في مظهر واحد، وهدف واحد: نيل رضا الله عز وجل. هذا الثوب الأبيض يذكرك بكفن الموت، ويعلن لك أنك قد تركت خلفك كل ما يربطك بالدنيا.

مواقيت الإحرام.. حدود زمنية ومكانية

إن الشريعة الإسلامية لم تتركنا هملاً، بل حددت لنا مواقيت للإحرام، وهي قسمان:

أولاً: المواقيت المكانية (المواقيت الخمسة):

  • ذو الحليفة: وهو ميقات أهل المدينة ومن مر عليها، وهو أبعد المواقيت عن مكة.
  • الجحفة: وهو ميقات أهل الشام والمغرب ومصر ومن أتى من جهتهم، ويحرمون اليوم من "رابغ" بدلاً عنها.
  • قرن المنازل: وهو ميقات أهل نجد ومن مر به.
  • يلملم: وهو ميقات أهل اليمن ومن أتى من جهتهم.
  • ذات عرق: وهو ميقات أهل العراق ومن مر به.
  • أما من كان داخل هذه المواقيت، فإنه يحرم من مكانه.

ثانياً: المواقيت الزمانية:

  • إن زمن الإحرام للعمرة هو على مدار العام.
  • أما الإحرام للحج فله وقت محدد، يبدأ من شهر شوال إلى اليوم العاشر من ذي الحجة (يوم النحر).

إن تحديد هذه المواقيت ليس عبثاً، بل هو ترتيب إلهي يعلمنا الانضباط، ويذكرنا بضرورة التزام الحدود التي رسمها الله عز وجل لنا.

محظورات الإحرام.. صون للقلب من الشوائب

إن الإحرام يحرم على المحرم بعض الأمور التي كانت حلالاً له قبل ذلك. وهي ليست قيوداً، بل هي تطهير للنفس من الشوائب، وإبعاد لها عن كل ما قد يلهيها عن هدفها الأسمى.

ومن أهم هذه المحظورات:

  • حلق الشعر وتقليم الأظفار: ليكون المحرم على هيئة بسيطة، لا ينشغل بزينته الخارجية، بل بجماله الداخلي.
  • تغطية الرأس للرجل، وكشف الوجه والكفين للمرأة: في رمزية عظيمة إلى أن الأهم هو ما يحمله القلب، لا ما يظهره الجسد.
  • استعمال الطيب: لتبقى رائحة العبودية هي السائدة، بعيداً عن روائح الدنيا الفانية.
  • عقد النكاح ومقدماته: لتكون العبادة لله عز وجل وحده، بلا شريك أو صارف.
  • الصيد البري: في إشارة إلى حرمة المكان والزمان، وأن الأرض كلها في هذا الوقت تحرسها الملائكة.
  • لبس المخيط للرجال.

إن هذه المحظورات تعلمنا درساً بليغاً: أن العبادة ليست مجرد حركات وسكنات، بل هي حالة روحية كاملة تستوجب انقطاعاً عن الدنيا بكل ما فيها.

أيها الحاج والمعتمر:

إن الإحرام هو بوابتك إلى رحلة القلب. فإذا أحرمت، فأحرم بقلبك قبل جسدك، واترك الدنيا خلف ظهرك، وانطلق بقلب ملؤه الشوق إلى لقاء ربك. ولتكن تلبية "لبيك اللهم لبيك" هي نشيدك الذي يصدح في الكون، معلناً وحدانية الله عز وجل وعبوديتك له.

الطواف والسعي.. حركة القلب وعمل اليقين

بعد أن يتجرد الحاج أو المعتمر من الدنيا في محطة الإحرام، ينتقل إلى محطة ثانية هي قلب الرحلة النابض: الطواف حول البيت العتيق، والسعي بين الصفا والمروة. إنها ليست مجرد حركات دائرية ومشْيٍ بين جبلين، بل هي تجسيد حي لحقيقة التوحيد، وإعلان لجوهر الإيمان.

الطواف.. القلب يدور حول خالقه

الطواف هو أول عمل يؤديه الحاج أو المعتمر عند دخوله مكة، وهو رمز فريد وعميق. إنه حركة دائرية حول نقطة ثابتة هي الكعبة المشرفة. والكعبة ليست إلا علامة ودليلاً على مركز الوجود الذي يجب أن تدور حوله كل القلوب: الله جل جلاله.

تأمل معي، أيها المؤمن، في هذه الحركة؛ أنت تدور سبعة أشواط، في كل شوط تقترب وتبتعد، ولكنك لا تنفصل أبداً. هذه هي حقيقة علاقة العبد بربه: اقتراب بالعبادة، وابتعاد بالتقصير، ولكنه لا ينقطع عن حبل الله عز وجل المتين.

شروط الطواف وواجباته:

  • النية: أن ينوي بقلبه الطواف لله عز وجل وحده.
  • الستر والطهارة: أن يكون طاهراً من الحدثين الأصغر والأكبر، وأن يكون ساتراً لعورته.
  • الكعبة عن يساره: أن يجعل البيت على يساره في أثناء الطواف.
  • البدء بالحجر الأسود: أن يبدأ طوافه من ركن الحجر الأسود وينتهي به.
  • إتمام سبعة أشواط: أن يكمل العدد كاملاً.

أدعية في الطواف:

  • عند بدء الطواف، يشرع أن يقبل الحاج الحجر الأسود أو يستلمه بيده ثم يقبل يده، فإن لم يستطع، أشار إليه وقال: "بسم الله والله أكبر، اللهم إيماناً بك وتصديقاً بكتابك، ووفاء بعهدك، واتباعاً لسنة نبيك سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم".
  • في كل شوط بين الركن اليماني والحجر الأسود، يستحب أن يقول الحاج: ﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ (البقرة: 201).

أنواع الطواف:

  • طواف القدوم: وهو تحية البيت لمن دخل مكة من الحجاج.
  • طواف الإفاضة (الزيارة): وهو ركن من أركان الحج لا يصح إلا به، ويؤدى بعد الوقوف بعرفة ورمي جمرة العقبة.
  • طواف الوداع: وهو واجب على كل من أراد الخروج من مكة بعد إتمام مناسك الحج.

عند كل شوط، تذكر أن كل ذرة في الكون تدور حول مركزها، وأنك في طوافك تتوحد مع هذا الكون في تسبيح خالقه.

بعد أن يتم الطواف سبعاً، يصلي ركعتين خلف مقام سيدنا إبراهيم عليه السلام، يقرأ فيهما بسورتي "الكافرون" و"الإخلاص". ثم يتوجه إلى زمزم، فيشرب منها حتى يتضلع؛ اقتداء بفعل سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم.

وتذكر في الشرب من ماء زمزم الجانب الروحي والذي يتمثل في التبرك، والرجاء في الاستجابة للدعاء، وتحقيق ما يطلب به بإذن الله، فهو "ماء زمزم لما شرب له" كما ورد في الحديث. ويصحبه الشعور بالطمأنينة والراحة النفسية والطاقة الروحانية، خاصة عند الشرب بنية صادقة وتوجيه الدعاء لله تعالى.

السعي.. رحلة اليقين وعمل الأمل

بعد الطواف، يأتي السعي بين الصفا والمروة. وهي ليست مشياً عادياً، بل هي تجسيد لقصة عظيمة من قصص اليقين والصبر على البلاء؛ قصة السيدة هاجر وابنها سيدنا إسماعيل عليهما السلام.

لقد تركها سيدنا إبراهيم عليه السلام في واد غير ذي زرع، فجعلت تبحث عن الماء في لهفة وشوق، تصعد على الصفا وتنظر، ثم تنزل وتصعد على المروة وتنظر، سبع مرات. لم تدرك أن الله عز وجل قد جعل خطواتها ولهفتها ركناً من أركان الحج والعمرة إلى يوم القيامة.

أحكام السعي:

  • النية: أن تنوي السعي لله عز وجل.
  • البدء بالصفا: تبدأ السعي من جبل الصفا وتنهيه عند المروة.
  • العدد: أن تتم سبعة أشواط (الذهاب من الصفا إلى المروة شوط، والعودة من المروة إلى الصفا شوط آخر).
  • شروطه: أن يكون بعد طواف صحيح.

أدعية السعي:

  • عند الصعود على الصفا، يستحب أن يردد الحاج: "لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، لا إله إلا الله وحده، أنجز وعده، ونصر عبده، وهزم الأحزاب وحده". ثم يكبر ويهلل ويصلي على النبي صلى الله عليه وسلم، ويدعو بما شاء.
  • عند النزول من الصفا والمشي في الوادي، يستحب أن يقول الحاج: "رب اغفر وارحم، إنك أنت الأعز الأكرم".
  • تكرر هذه الأدعية عند الصعود على المروة، وعند المشي بين العلمين الأخضرين.

المعنى الروحي للسعي:

  • اليقين بالله عز وجل: سعي هاجر يعلمنا أن رزق الله جل وعلا وفرجه يأتي من حيث لا نحتسب. إنها لم تجد الماء في أي من الجبلين، بل نبع الماء من تحت قدم سيدنا إسماعيل عليه السلام.
  • العمل والأخذ بالأسباب: رغم يقينها، لم تتوقف هاجر عن العمل والسعي. إن هذا النسك يعلمنا أن الإيمان لا يغني عن العمل، وأن التوكل يجب أن يقترن بالسعي.

إن الطواف والسعي هما عملان متكاملان: الأول حركة قلب يدور حول مولاه، والثاني عمل جسد يعبر عن يقين راسخ في قلب لا ييأس أبداً.

  • بعد أن يتم المعتمر الطواف والسعي، يتحلل بالحلق أو التقصير، وبذلك تكون العمرة قد تمت.
  • أما إذا كانت الأعمال السابقة للحج فلها تفصيل: إذا كان الحاج متمتعاً، فإنه يتحلل ويحرم بالحج في اليوم الثامن من ذي الحجة. وأما إذا كان قارناً أو مفرداً، فإنه يبقى على إحرامه إلى أن يتحلل يوم العاشر.

يوم التروية ويوم عرفة.. ركن الحج الأعظم

بعد أن أتم الحاج والمعتمر الإحرام والطواف والسعي، تبدأ رحلة الحج الكبرى التي تبلغ ذروتها في أيام مباركة هي أيام الحج في منى وعرفة. هذه الأيام ليست مجرد أيام لرمي الجمرات والنحر، بل هي لحظات فارقة في حياة الحاج، تجدد فيها الوعود، وتمحى فيها الذنوب.

يوم التروية (الثامن من ذي الحجة): الاستعداد للرحلة الكبرى

يوم التروية هو اليوم الذي يسبق يوم عرفة. سمي بذلك لأن الحجاج كانوا يتروون فيه من الماء، أي يتزودون به لمسيرتهم إلى عرفة، حيث لم يكن بها ماء في السابق.

أعمال الحاج في يوم التروية:

  • الإحرام: إذا كان الحاج متمتعاً، فإنه يجدد إحرامه للحج من مكانه في مكة. وأما إذا كان قارناً أو مفرداً، فإنه على إحرامه السابق.
  • الخروج إلى منى: يتوجه الحجاج إلى منى بعد صلاة الفجر أو الضحى، في مشهد مهيب ترى فيه قلوب الآلاف متجهة إلى الله عز وجل.
  • الصلاة في منى: يقضي الحاج هذا اليوم والليلة في منى، يصلي الصلوات الخمس قصراً (الظهر، العصر، العشاء) دون جمع، ويستعد لليوم العظيم.

إن هذا اليوم هو بمثابة التمهيد والتهيئة الروحية ليوم عرفة. هو فترة انقطاع عن الدنيا بشكل كامل، وانغماس في العبادة والدعاء، والتأمل في عظمة النسك القادم.

يوم عرفة (التاسع من ذي الحجة): الركن الأعظم للحج

هو قمة المناسك، وهو الركن الذي قال فيه سيدنا النبي صلى الله عليه وسلم: "الحج عرفة". لا حج لمن لم يقف بعرفة. إنه يوم التجلي الإلهي، ويوم إعلان العفو والمغفرة.

أعمال الحاج في يوم عرفة:

  • الوقوف بعرفة: يتوجه الحجاج من منى إلى عرفة بعد شروق الشمس، ويقفون في عرفة من بعد زوال الشمس إلى غروبها.
  • الصلاة: يؤدي الحاج في عرفة صلاتي الظهر والعصر جمع تقديم وقصراً، بأذان واحد وإقامتين.
  • الدعاء والذكر والتضرع: هذا هو جوهر اليوم. يرفع الحجاج أيديهم بالدعاء، وتتلفظ ألسنتهم بالذكر، وتسر قلوبهم بالمناجاة. إن يوم عرفة هو يوم الوقفة الكبرى بين العبد وربه.

أدعية في عرفة:

  • أفضل الدعاء في هذا اليوم هو دعاء سيدنا النبي صلى الله عليه وسلم: "لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير".
  • يستحب الإكثار من: "اللهم إنك عفو كريم تحب العفو فاعف عني".
  • يمكن للحاج أن يدعو لنفسه ولأهله وجميع المسلمين بكل ما يتمنى من خير الدنيا والآخرة، فدعاء عرفة مجاب بإذن الله عز وجل.

تأمل معي، أيها الحبيب، في هذا المشهد العظيم. ملايين البشر، على اختلاف ألوانهم وأجناسهم ولغاتهم، يقفون في مكان واحد في ثياب بيضاء، وجوههم مغبرة، وعيونهم تفيض بالدمع، يطلبون شيئاً واحداً: المغفرة. في هذا الموقف، تحط الذنوب، وتجاب الدعوات، ويباهي الله عز وجل بعباده ملائكته.

يوم النحر وأيام التشريق.. إتمام النسك وفرحة العيد

بعد أن يتطهر الحاج في عرفة من ذنوبه، ويشهد عظمة الموقف بين يدي الله عز وجل، تأتي أيام النحر والتشريق، وهي الأيام التي يكمل فيها الحاج مناسكه، ويتحلل من إحرامه، ويعيد فيها الحياة إلى طبيعتها بعد رحلة روحانية عميقة. هذه الأيام هي بمثابة ثمرة الرحلة، حيث تترجم فيها المشاعر إلى أفعال محسوسة.

المزدلفة: ليلة السكينة بعد عرفة

بعد غروب شمس يوم عرفة، يفيض الحجاج من عرفات إلى المزدلفة. المزدلفة ليست مجرد محطة للنوم، بل هي ليلة سكون وهدوء بعد صخب عرفة، حيث يقضي الحاج ليلته تحت قبة السماء، مستغفراً ومتأملاً.

أعمال الحاج في المزدلفة:

  • صلاة المغرب والعشاء: يجمع الحاج بين صلاتي المغرب والعشاء جمع تأخير وقصراً.
  • المبيت في المزدلفة: وهو واجب من واجبات الحج، ويبقى الحاج في المزدلفة حتى طلوع الفجر.
  • التقاط الحصى: يلتقط الحاج من المزدلفة حصى لرمي الجمرات، سبع حصيات لجمرة العقبة الكبرى.

يوم النحر (العاشر من ذي الحجة): العيد الأكبر

يوم النحر هو يوم عيد الأضحى، وهو يوم إتمام الأعمال الرئيسية للحج. إنه يوم فرحة وبهجة، حيث يشعر الحاج فيه بإنجاز أعظم ركن من أركان الإسلام.

أعمال الحاج في يوم النحر (على الترتيب):

  • رمي جمرة العقبة الكبرى: بعد وصول الحاج إلى منى، يتجه لرمي جمرة العقبة بسبع حصيات، مكبراً مع كل حصاة. إن رمي الجمار هو رمز لرفض الشيطان، وتجسيد لما فعله سيدنا إبراهيم عليه السلام.
  • النحر أو الأضحية: يذبح الحاج هديه بعد رمي الجمرة، وهو واجب على الحاج المتمتع والقارن. إنه تجسيد لقصة الفداء والتضحية.
  • الحلق أو التقصير: يحلق الحاج رأسه كاملاً أو يقصر من شعره. وهو من أعظم شعائر التحلل. إن هذا العمل يعلن نهاية فترة الإحرام الأولى، ويرمز إلى التجديد الروحي.
  • طواف الإفاضة (طواف الزيارة): بعد التحلل من الإحرام، يتجه الحاج إلى مكة للطواف حول البيت العتيق. هذا الطواف هو ركن من أركان الحج، ولا يكتمل الحج إلا به.

بعد يوم النحر، يكون الحاج قد أتم معظم أعمال الحج، ويتحلل "التحلل الأصغر"، فيباح له كل شيء إلا النساء.

أيام التشريق: أيام الأكل والشرب وذكر الله عز وجل

أيام التشريق هي الأيام الثلاثة التي تلي يوم النحر (الحادي عشر والثاني عشر والثالث عشر من ذي الحجة). وهي أيام عيد، حيث يحرم صومها، وتعرف بـ "أيام الأكل والشرب وذكر الله عز وجل".

أعمال الحاج في أيام التشريق:

  • المبيت في منى: يجب على الحاج المبيت في منى ليلتي الحادي عشر والثاني عشر.
  • رمي الجمرات الثلاث: في كل يوم من أيام التشريق، يقوم الحاج برمي الجمرات الثلاث (الصغرى، ثم الوسطى، ثم الكبرى)، بسبع حصيات لكل جمرة.
  • التعجيل والتأخير: يجوز للحاج المتعجل أن يغادر منى بعد رمي الجمرات في اليوم الثاني عشر، أما المتأخر فيكمل رمي الجمرات في اليوم الثالث عشر.

إن أيام التشريق تعلمنا أن العبادة ليست انعزالاً عن الحياة، بل هي جزء منها. فكما أننا نذكر الله عز وجل في أيام الوقوف والدعاء، فإننا نذكره أيضاً في أيام الأكل والشرب والفرح، فالحياة كلها لله عز وجل.

طواف الوداع وخاتمة الرحلة

بعد أن أتم الحاج مناسكه العظيمة، وأشبع قلبه من الذكر والدعاء، تأتي اللحظات الأخيرة التي تعلن عن نهاية الرحلة الإيمانية، وهي لحظة الوداع.

طواف الوداع.. آخر العهد بالبيت

طواف الوداع هو آخر عمل يقوم به الحاج قبل أن يغادر مكة المكرمة. وهو واجب من واجبات الحج، فمن تركه بغير عذر، وجب عليه دم. هذا الطواف ليس فيه رمل ولا سعي بعده، بل هو طواف عادي سبعة أشواط.

أحكامه:

  • النية: أن ينوي بقلبه طواف الوداع.
  • العدد: سبعة أشواط.
  • التوقيت: يطاف به بعد إتمام جميع المناسك، وقبل مغادرة مكة.

إن هذا الطواف الأخير هو لحظة من لحظات التأمل العميق. يتوقف الحاج عند باب الكعبة، وعينه تملؤها الدموع، ولسان حاله يقول: "يا رب، هل قبلت مناسكي؟ هل غفرت ذنوبي؟". هو آخر عهد بالبيت، وآخر نظرة إلى الكعبة.

قصة رحلة لا تنتهي

أيها المؤمن، إن الحج والعمرة ليسا نهاية، بل هما بداية جديدة. إن الحاج الذي يعود إلى وطنه ليس هو الحاج الذي خرج منه. لقد عاد بقلب جديد، ونفس طاهرة، وعهد متجدد مع الله عز وجل.

لقد عدت كي تطبق ما تعلمته. فاجعل كل يوم في حياتك حجاً إلى الله عز وجل، وكل خطوة سعياً في سبيل الله عز وجل، وكل عمل صالح طوافاً حول محبة الله عز وجل.

______________

فَضْلُ مَكَّةَ.. حَرَمُ اللهِ وَمَهْبِطُ الْوَحْيِ

أَيُّهَا الْمُحِبُّ لِرَبِّهِ،

إِنَّ الْحَدِيثَ عَنْ مَكَّةَ لَيْسَ حَدِيثًا عَنْ رُقْعَةٍ مِنَ الْأَرْضِ، بَلْ هُوَ حَدِيثٌ عَنْ قِطْعَةٍ مِنَ الْجَنَّةِ اخْتَارَهَا اللهُ عَزَّ وَجَلَّ لِتَكُونَ مَهْبِطًا لِوَحْيِهِ، وَمِيزَانًا لِأَهْلِ الْأَرْضِ.

إِنَّهَا الْبَلَدُ الْحَرَامُ الَّذِي أَقْسَمَ اللهُ بِهِ فِي كِتَابِهِ، وَهِيَ أَحَبُّ بِلَادِ اللهِ إِلَى اللهِ، وَأَحَبُّ الْبِلَادِ إِلَى قَلْبِ سَيِّدِنَا رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.

تَأَمَّلْ مَعِي عَظَمَةَ هَذَا الْمَكَانِ؛ الصَّلَاةُ فِيهِ بِمِائَةِ أَلْفِ صَلَاةٍ، وَالْحَسَنَةُ فِيهِ مُضَاعَفَةٌ، وَالذَّنْبُ فِيهِ عَظِيمٌ. إِنَّ مُجَرَّدَ النَّظَرِ إِلَى الْكَعْبَةِ عِبَادَةٌ، وَمُجَرَّدَ الْمَشْيِ فِي طُرُقَاتِهَا قُرْبَةٌ.

فَإِذَا وَطِئَتْ قَدَمُكَ أَرْضَ مَكَّةَ، فَتَذَكَّرْ أَنَّكَ تَمْشِي عَلَى تُرَابٍ مَشَى عَلَيْهِ الْأَنْبِيَاءُ، وَتَتَنَفَّسُ هَوَاءً تَرَدَّدَ فِيهِ صَدَى الْقُرْآنِ لِأَوَّلِ مَرَّةٍ.

فَضْلُ الْمَدِينَةِ الْمُنَوَّرَةِ.. مَأْرَزُ الْإِيمَانِ

إِذَا كَانَتْ مَكَّةُ هِيَ بَيْتُ الْجَلَالِ، فَإِنَّ الْمَدِينَةَ هِيَ دَارُ الْجَمَالِ.

إِنَّهَا طَيْبَةُ الطَّيِّبَةُ، مُهَاجَرُ الْحَبِيبِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَمَثْوَاهُ، وَمَوْطِنُ الَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ.

لَقَدْ دَعَا لَهَا النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْبَرَكَةِ، وَحَرَّمَ مَا بَيْنَ لَابَتَيْهَا، وَجَعَلَهَا تَنْفِي خَبَثَهَا كَمَا يَنْفِي الْكِيرُ خَبَثَ الْحَدِيدِ.

وَمِنْ فَضْلِهَا الْعَظِيمِ: أَنَّ مَنْ زَارَهَا وَصَلَّى فِي مَسْجِدِهَا كَانَ فِي ضِيَافَةِ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَفِي الْحَدِيثِ: "مَنْ زَارَنِي بَعْدَ مَمَاتِي فَكَأَنَّمَا زَارَنِي فِي حَيَاتِي".

فَأَدِّبْ قَلْبَكَ وَأَنْتَ تَدْخُلُهَا، وَاخْفِضْ صَوْتَكَ، فَأَنْتَ فِي حَضْرَةِ مَدِينَةِ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، حَيْثُ السَّكِينَةُ الَّتِي لَا تُضَاهِيهَا سَكِينَةٌ فِي الْوُجُودِ.

مَعَالِمُ الْحَرَمِ الْمَكِّيِّ.. شَوَاهِدُ التَّارِيخِ وَالْعَقِيدَةِ

عِنْدَمَا تَدْخُلُ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ، لَا تَكْتَفِ بِالنَّظَرِ الْعَابِرِ، بَلِ انْظُرْ بِعَيْنِ الْبَصِيرَةِ لِهَذِهِ الْمَعَالِمِ الَّتِي تَحْكِي قِصَّةَ التَّوْحِيدِ:

  • الْمُلْتَزَمُ: هُوَ الْمَكَانُ بَيْنَ بَابِ الْكَعْبَةِ وَالْحَجَرِ الْأَسْوَدِ. سُمِّيَ بِذَلِكَ لِأَنَّ النَّاسَ يَلْتَزِمُونَهُ بِصُدُورِهِمْ وَوُجُوهِهِمْ يَدْعُونَ اللهَ. إِنَّهُ مَوْضِعُ إِجَابَةٍ، وَمَكَانُ سَكْبِ الْعَبَرَاتِ.
  • مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ: هُوَ الْحَجَرُ الَّذِي قَامَ عَلَيْهِ سَيِّدُنَا إِبْرَاهِيمُ حِينَ بَنَى الْبَيْتَ. إِنَّهُ رَمْزٌ لِلْثَبَاتِ عَلَى أَمْرِ اللهِ، وَأَمَرَنَا اللهُ أَنْ نَتَّخِذَهُ مُصَلًّى.
  • حِجْرُ إِسْمَاعِيلَ: هُوَ الْجُزْءُ الْمُقَوَّسُ شَمَالِ الْكَعْبَةِ. اعْلَمْ أَيُّهَا الْحَاجُّ أَنَّ الصَّلَاةَ فِيهِ كَالصَّلَاةِ دَاخِلَ الْكَعْبَةِ تَمَامًا، فَهُوَ جُزْءٌ مِنْهَا.
  • مَاءُ زَمْزَمَ: الْمُعْجِزَةُ الْخَالِدَةُ الَّتِي نَبَعَتْ رَحْمَةً بِهَا تَحْتَ أَقْدَامِ إِسْمَاعِيلَ، وَمَازَالَتْ تَرْوِي ظَمَأَ الْعَالَمِينَ.

مَعَالِمُ الْمَسْجِدِ النَّبَوِيِّ.. فِي رِحَابِ الْمُصْطَفَى

فِي مَسْجِدِ الْحَبِيبِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، كُلُّ سَارِيَةٍ لَهَا قِصَّةٌ، وَكُلُّ زَاوِيَةٍ لَهَا حِكَايَةٌ:

  • الرَّوْضَةُ الشَّرِيفَةُ: هِيَ الْمَكَانُ بَيْنَ بَيْتِ النَّبِيِّ وَمِنْبَرِهِ. قَالَ عَنْهَا: "مَا بَيْنَ بَيْتِي وَمِنْبَرِي رَوْضَةٌ مِنْ رِيَاضِ الْجَنَّةِ". فَاغْتَنِمِ الصَّلَاةَ فِيهَا، فَأَنْتَ تُصَلِّي فِي قِطْعَةٍ مِنَ الْجَنَّةِ عَلَى الْأَرْضِ.
  • الْحُجْرَةُ النَّبَوِيَّةُ: حَيْثُ يَرْقُدُ الْجَسَدُ الطَّاهِرُ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَبِجِوَارِهِ صَاحِبَاهُ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا. قِفْ هُنَاكَ بِأَدَبٍ وَوَقَارٍ، وَسَلِّمْ بِصَوْتٍ خَافِضٍ وَقَلْبٍ خَاشِعٍ.
  • الْمِنْبَرُ الشَّرِيفُ: هُوَ مَوْضِعُ خُطْبَتِهِ وَتَعْلِيمِهِ لِلْأُمَّةِ.

أَيُّهَا الزَّائِرُ الْكَرِيمُ، لَا تَكُنْ كَمَنْ يَنْظُرُ إِلَى الْجُدْرَانِ وَالزَّخَارِفِ، بَلِ اسْتَشْعِرْ أَنَّ هُنَا كَانَ يَمْشِي، وَهُنَا كَانَ يُصَلِّي، وَهُنَا كَانَ يَنْزِلُ الْوَحْيُ.

الْمَزَارَاتُ فِي مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ.. عِبْرَةٌ لَا مُجَرَّدَ نُزْهَةٍ

إِنَّ زِيَارَةَ الْمَآثِرِ الْإِسْلَامِيَّةِ لَيْسَتْ لِلتَّصْوِيرِ وَالتَّنَزُّهِ، بَلْ هِيَ لِاسْتِلْهَامِ الْعِبَرِ:

  • فِي الْمَدِينَةِ:
  • مَسْجِدُ قُبَاءٍ: أَوَّلُ مَسْجِدٍ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى. احْرِصْ عَلَى زِيَارَتِهِ وَالصَّلَاةِ فِيهِ، فَإِنَّ الصَّلَاةَ فِيهِ تَعْدِلُ عُمْرَةً.
  • جَبَلُ أُحُدٍ وَمَقْبَرَةُ الشُّهَدَاءِ: حَيْثُ دَمُ الصَّحَابَةِ الَّذِي رَوَى الْأَرْضَ دِفَاعًا عَنِ الدِّينِ. وَتَذَكَّرْ قَوْلَهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "أُحُدٌ جَبَلٌ يُحِبُّنَا وَنُحِبُّهُ".
  • الْبَقِيعُ: حَيْثُ يَرْقُدُ الْآلُ وَالْأَصْحَابُ، تَذَكَّرْ هُنَاكَ الْمَصِيرَ وَادْعُ لَهُمْ بِالرَّحْمَةِ.
  • فِي مَكَّةَ:
  • غَارُ حِرَاءٍ: مَهْبِطُ الْوَحْيِ الْأَوَّلِ "اقْرَأْ".
  • غَارُ ثَوْرٍ: شَاهِدُ الْهِجْرَةِ وَالْمَعِيَّةِ الْإِلَهِيَّةِ "لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللهَ مَعَنَا".

فَتَاوَى الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ.. سِرَاجُ الْحَائِرِينَ

فِي زِحَامِ الْمَشَاعِرِ، وَبَيْنَ أَمْوَاجِ الْبَشَرِ، قَدْ تَعْرِضُ لِلْحَاجِّ مَسَائِلُ تُقْلِقُ سَكِينَتَهُ، وَهَذِهِ إِجَابَاتٌ شَافِيَةٌ لِأَكْثَرَ مَا يَدُورُ فِي الْأَذْهَانِ، جَمَعْنَاهَا لَكَ تَيْسِيرًا وَرَحْمَةً، عَمَلًا بِقَوْلِ الْمُصْطَفَى ﷺ فِي حَجَّتِهِ: "افْعَلْ وَلَا حَرَجَ":

  • الْمُرُورُ بِالْمِيقَاتِ فِي الطَّائِرَةِ:

مَنْ قَدِمَ بِالطَّائِرَةِ فَعَلَيْهِ أَنْ يُحْرِمَ إِذَا حَاذَى الْمِيقَاتَ جَوًّا، وَلَا يَجُوزُ لَهُ تَأْخِيرُ الْإِحْرَامِ إِلَى مَطَارِ جُدَّةَ. فَإِنْ خَشِيَ فَوْتَ الْوَقْتِ، لَبِسَ مَلَابِسَ الْإِحْرَامِ مِنْ بَلَدِهِ أَوْ فِي الطَّائِرَةِ، وَنَوَى عِنْدَ الْمُحَاذَاةِ.

  • اسْتِعْمَالُ الصَّابُونِ الْمُعَطَّرِ وَالْمَنَادِيلِ الْمُعَطَّرَةِ:

الْمُحْرِمُ مَمْنُوعٌ مِنَ الطِّيبِ؛ لِذَا يَنْبَغِي تَجَنُّبُ الصَّابُونِ وَالْمَنَادِيلِ ذَاتِ الرَّوَائِحِ الْعِطْرِيَّةِ الْقَوِيَّةِ احْتِيَاطًا. أَمَّا إِذَا اسْتَعْمَلَهَا نَاسِيًا أَوْ جَاهِلًا فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ، وَاللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ.

  • لُبْسُ الْحِزَامِ وَالْحَقِيبَةِ وَالسَّاعَةِ لِلرَّجُلِ:

يَظُنُّ الْبَعْضُ أَنَّ "الْمَخِيطَ" هُوَ كُلُّ مَا فِيهِ خَيْطٌ، وَهَذَا خَطَأٌ. الْمَقْصُودُ بِالْمَخِيطِ مَا فُصِّلَ عَلَى قَدْرِ الْعُضْوِ (كَالْقَمِيصِ وَالسَّرَاوِيلِ). لِذَا؛ يَجُوزُ لُبْسُ الْحِزَامِ (الْكَمَرِ)، وَالسَّاعَةِ، وَالنَّظَّارَةِ، وَالْحِذَاءِ الَّذِي لَا يُغَطِّي الْكَعْبَيْنِ.

  • انْتِقَاضُ الْوُضُوءِ فِي أَثْنَاءِ الطَّوَافِ:

الطَّهَارَةُ شَرْطٌ لِصِحَّةِ الطَّوَافِ عِنْدَ الْجُمْهُورِ. فَإِنِ انْتَقَضَ وُضُوءُ الْحَاجِّ، خَرَجَ فَتَوَضَّأَ ثُمَّ بَنَى عَلَى مَا مَضَى مِنْ أَشْوَاطٍ (عِنْدَ مَنْ أَجَازَ)، وَالْأَحْوَطُ أَنْ يُعِيدَ الطَّوَافَ مِنْ جَدِيدٍ خُرُوجًا مِنَ الْخِلَافِ.

  • الشَّكُّ فِي عَدَدِ أَشْوَاطِ الطَّوَافِ أَوِ السَّعْيِ:

إِذَا شَكَكْتَ هَلْ طُفْتَ ثَلَاثَةً أَمْ أَرْبَعَةً؟ فَاجْعَلْهَا ثَلَاثَةً (ابْنِ عَلَى الْأَقَلِّ وَهُوَ الْيَقِينُ)، وَأَكْمِلْ بَاقِيَ الْأَشْوَاطِ، لِيَطْمَئِنَّ قَلْبُكَ بِالتَّمَامِ.

  • تَغْطِيَةُ وَجْهِ الْمَرْأَةِ (النِّقَابُ) فِي الْإِحْرَامِ:

الْمَرْأَةُ الْمُحْرِمَةُ لَا تَلْبَسُ النِّقَابَ وَلَا الْقُفَّازَيْنِ، وَلَكِنْ إِذَا مَرَّ الرِّجَالُ الْأَجَانِبُ قَرِيبًا مِنْهَا، جَازَ لَهَا أَنْ تُسْدِلَ طَرَفَ خِمَارِهَا عَلَى وَجْهِهَا لِتَسْتُرَهُ، وَلَا شَيْءَ عَلَيْهَا فِي ذَلِكَ.

  • سُقُوطُ الشَّعْرِ عِنْدَ الْوُضُوءِ أَوِ التَّمْشِيطِ:

إِذَا سَقَطَ شَعْرُ الْمُحْرِمِ بِلَا قَصْدٍ أَثْنَاءَ الْوُضُوءِ أَوِ الْحَكِّ، فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ وَلَا فِدْيَةَ؛ لِأَنَّ اللهَ لَا يُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا.

  • اسْتِخْدَامُ الْمِظَلَّةِ الشَّمْسِيَّةِ:

يَجُوزُ لِلْمُحْرِمِ الاسْتِظْلَالُ بِالْمِظَلَّةِ (الشَّمْسِيَّةِ) أَوْ بِسَقْفِ السَّيَّارَةِ؛ لِأَنَّ الْمَنْهِيَّ عَنْهُ هُوَ تَغْطِيَةُ الرَّأْسِ بِمَا يُلَاصِقُهُ (كَالْطَّاقِيَّةِ وَالْعِمَامَةِ)، لَا الاسْتِظْلَالُ.

  • تَغْيِيرُ ثِيَابِ الْإِحْرَامِ لِلنَّظَافَةِ:

يَجُوزُ لِلْمُحْرِمِ أَنْ يَخْلَعَ ثَوْبَ الْإِحْرَامِ لِيَغْتَسِلَ، أَوْ لِيُبَدِّلَهُ بِثَوْبٍ آخَرَ نَظِيفٍ، فَلَيْسَ الشَّرْطُ أَنْ يَبْقَى فِي نَفْسِ الثَّوْبِ طِوَالَ الرِّحْلَةِ.

  • مُزَاحَمَةُ الرِّجَالِ لِلنِّسَاءِ فِي الطَّوَافِ:

فِي الزِّحَامِ الشَّدِيدِ، قَدْ يَتَلَامَسُ الرِّجَالُ وَالنِّسَاءُ بِغَيْرِ قَصْدٍ. هَذَا مِمَّا عَمَّتْ بِهِ الْبَلْوَى وَلَا يُفْسِدُ الْحَجَّ وَلَا الطَّوَافَ، وَعَلَى الْحَاجِّ أَنْ يَغُضَّ بَصَرَهُ وَيَحْفَظَ قَلْبَهُ مَا اسْتَطَاعَ.

  • أَخْذُ حُبُوبٍ لِمَنْعِ الْحَيْضِ:

يَجُوزُ لِلْمَرْأَةِ اسْتِعْمَالُ الْعَقَاقِيرِ الطِّبِّيَّةِ لِتَأْخِيرِ الْحَيْضِ حَتَّى تَتَمَكَّنَ مِنْ أَدَاءِ الْمَنَاسِكِ مَعَ النَّاسِ، بِشَرْطِ أَلَّا يَضُرَّ ذَلِكَ بِصِحَّتِهَا.

  • تَقْبِيلُ الْحَجَرِ الْأَسْوَدِ:

تَقْبِيلُ الْحَجَرِ سُنَّةٌ، وَإِيذَاءُ الْمُسْلِمِينَ بِالْمُدَافَعَةِ وَالضَّرْبِ حَرَامٌ. فَلَا تَرْتَكِبْ حَرَامًا لِتُدْرِكَ سُنَّةً! يَكْفِيكَ الْإِشَارَةُ مِنْ بَعِيدٍ مَعَ التَّكْبِيرِ، وَأَجْرُكَ كَامِلٌ بِإِذْنِ اللهِ.

  • الصَّلَاةُ فِي فَنَادِقِ الْحَرَمِ مَعَ الْإِمَامِ:

مَنْ صَلَّى فِي الْفُنْدُقِ مُقْتَدِيًا بِإِمَامِ الْحَرَمِ، فَصَلَاتُهُ صَحِيحَةٌ عِنْدَ كَثِيرٍ مِنَ الْعُلَمَاءِ إِذَا كَانَتِ الصُّفُوفُ مُتَّصِلَةً أَوْ يَرَى الْمَأْمُومُ مَنْ أَمَامَهُ، وَالْأَوْلَى وَالْأَتَمُّ هُوَ النُّزُولُ لِلْمَسْجِدِ لِنَيْلِ فَضْلِ الْجَمَاعَةِ وَالْمَكَانِ.

  • مَنْ نَسِيَ شَوْطًا فِي الطَّوَافِ:

إِنْ تَذَكَّرَ وَهُوَ فِي الْمَطَافِ أَتَى بِهِ، وَإِنْ طَالَ الْفَصْلُ أَوْ خَرَجَ مِنَ الْمَسْجِدِ، فَالْأَحْوَطُ إِعَادَةُ الطَّوَافِ؛ لِأَنَّ الْمُوَالَاةَ شَرْطٌ عِنْدَ الْجُمْهُورِ، وَيَسَّرَ الْبَعْضُ فِي حَالَةِ الْعَجْزِ أَوِ الْجَهْلِ.

  • طَوَافُ الْوَدَاعِ لِلْحَائِضِ:

خَفَّفَ اللهُ عَنِ الْمَرْأَةِ الْحَائِضِ، فَأَسْقَطَ عَنْهَا طَوَافَ الْوَدَاعِ، فَتُغَادِرُ مَكَّةَ دُونَ وَدَاعٍ، وَلَا شَيْءَ عَلَيْهَا.

  • التَّوْكِيلُ فِي رَمْيِ الْجَمَرَاتِ:

يَجُوزُ لِلْعَاجِزِ وَالْمَرِيضِ وَكَبِيرِ السِّنِّ وَالْحَامِلِ فِي حَالِ الزِّحَامِ الشَّدِيدِ وَالْخَطَرِ أَنْ يُوَكِّلُوا مَنْ يَرْمِي عَنْهُمْ، وَيَبْدَأُ الْوَكِيلُ بِالرَّمْيِ عَنْ نَفْسِهِ ثُمَّ عَمَّنْ وَكَّلَهُ فِي مَوْقِفٍ وَاحِدٍ.

  • قَصُّ الْأَظَافِرِ نِسْيَانًا:

مَنْ قَصَّ أَظَافِرَهُ أَوْ حَلَقَ شَعْرَهُ نَاسِيًا وَهُوَ مُحْرِمٌ، فَلَا فِدْيَةَ عَلَيْهِ، وَلْيَسْتَغْفِرِ اللهَ.

  • الْجَمْعُ بَيْنَ الْعُمْرَتَيْنِ فِي سَفْرَةٍ وَاحِدَةٍ:

يَجُوزُ ذَلِكَ بِأَنْ يَخْرُجَ إِلَى أَدْنَى الْحِلِّ (مَسْجِدِ التَّنْعِيمِ مَثَلًا) فَيُحْرِمُ مِنْ هُنَاكَ ثُمَّ يَعُودُ لِلْأَدَاءِ. وَلَكِنَّ اشْتِغَالَ الْوَقْتِ بِالطَّوَافِ حَوْلَ الْكَعْبَةِ لِلْمُقِيمِ بِمَكَّةَ أَفْضَلُ مِنْ تَكْرَارِ الْعُمْرَةِ عِنْدَ كَثِيرٍ مِنَ السَّلَفِ.

  • الْمَبِيتُ بِمِنًى وَمُزْدَلِفَةَ لِمَنْ لَمْ يَجِدْ مَكَانًا:

مَنْ بَذَلَ جُهْدَهُ لِلْوُصُولِ إِلَى مِنًى أَوْ مُزْدَلِفَةَ فَلَمْ يَجِدْ مَكَانًا لِلزِّحَامِ، أَوْ مَنَعَهُ الْمُرُورُ، فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ وَسَقَطَ عَنْهُ الْوَاجِبُ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾.

  • الدُّعَاءُ الْجَمَاعِيُّ فِي الطَّوَافِ:

رَفْعُ الصَّوْتِ بِالدُّعَاءِ الْجَمَاعِيِّ يُشَوِّشُ عَلَى الطَّائِفِينَ وَالْمُصَلِّينَ، وَلَمْ يَثْبُتْ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ. فَالْأَفْضَلُ أَنْ يَدْعُوَ كُلُّ حَاجٍّ رَبَّهُ بِمَا فَتَحَ عَلَيْهِ، فِي خُشُوعٍ وَتَضَرُّعٍ، فَهُوَ أَقْرَبُ لِلْإِخْلَاصِ وَالْإِجَابَةِ.

  • التَّدْخِينُ فِي الْحَجِّ:

كَيْفَ لِمَنْ جَاءَ لِيَغْسِلَ ذُنُوبَهُ أَنْ يُلَوِّثَ أَنْفَاسَهُ بِمَعْصِيَةٍ فِي الْبَلَدِ الْحَرَامِ؟! الْحَجُّ فُرْصَةٌ ذَهَبِيَّةٌ لِلْإِقْلَاعِ عَنْ هَذِهِ الْعَادَةِ، فَاجْعَلْ تَرْكَهَا جُزْءًا مِنْ هَجْرِكَ لِلشَّهَوَاتِ لِوَجْهِ اللهِ.

مِنْ أَخْطَاءِ الْحُجَّاجِ وَأَحْكَامِهَا.. رَحْمَةُ اللهِ فِي جَبْرِ الْخَلَلِ

اعْلَمْ أَيُّهَا الْحَاجُّ، أَنَّ الْمَرْءَ قَدْ يَسْهُو أَوْ يُخْطِئُ، وَمِنْ رَحْمَةِ اللهِ بِعِبَادِهِ أَنْ جَعَلَ لِكُلِّ خَلَلٍ جَبْرًا، إِلَّا مَا كَانَ رُكْنًا لَا يَقُومُ الْحَجُّ إِلَّا بِهِ، وَإِلَيْكَ بَيَانُ ذَلِكَ فِي إِيجَازٍ:

  • تَرْكُ الْوُقُوفِ بِعَرَفَةَ:

مَنْ فَاتَهُ الْوُقُوفُ بِعَرَفَةَ حَتَّى طَلَعَ فَجْرُ يَوْمِ النَّحْرِ (الْعَاشِرِ)، فَقَدْ فَاتَهُ الْحَجُّ قَوْلًا وَاحِدًا؛ لِقَوْلِهِ ﷺ: "الْحَجُّ عَرَفَةُ".

وَالْحَلُّ: يَتَحَلَّلُ بِعُمْرَةٍ (أَيْ يَطُوفُ وَيَسْعَى وَيُقَصِّرُ)، وَعَلَيْهِ الْهَدْيُ إِنْ تَيَسَّرَ، وَيَجِبُ عَلَيْهِ الْقَضَاءُ فِي الْعَامِ الْقَادِمِ.

  • مَنْ وَقَفَ بِعَرَفَةَ جُزْءًا مِنَ النَّهَارِ ثُمَّ دَفَعَ قَبْلَ الْغُرُوبِ:

السُّنَّةُ أَنْ يَجْمَعَ الْحَاجُّ بَيْنَ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ، فَيَبْقَى حَتَّى تَغْرُبَ الشَّمْسُ.

فَمَنْ خَرَجَ مِنْ حُدُودِ عَرَفَةَ قَبْلَ الْغُرُوبِ وَلَمْ يَعُدْ، فَقَدْ تَرَكَ وَاجِبًا مِنْ وَاجِبَاتِ الْحَجِّ عِنْدَ الْجُمْهُورِ، وَحَجُّهُ صَحِيحٌ، وَلَكِنْ عَلَيْهِ "دَمٌ" (ذَبْحُ شَاةٍ تُوَزَّعُ عَلَى فُقَرَاءِ الْحَرَمِ) جَبْرًا لِهَذَا النَّقْصِ.

  • مَنْ أَدْرَكَ عَرَفَةَ لَيْلًا فَقَطْ:

مَنْ جَاءَ إِلَى عَرَفَةَ لَيْلَةَ النَّحْرِ (قَبْلَ الْفَجْرِ) وَلَوْ لِلَحَظَاتٍ، فَحَجُّهُ صَحِيحٌ وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ، فَقَدْ أَدْرَكَ الرُّكْنَ.

  • تَرْكُ الْمَبِيتِ بِمُزْدَلِفَةَ:

الْمَبِيتُ بِمُزْدَلِفَةَ وَاجِبٌ، فَمَنْ تَرَكَهُ بِغَيْرِ عُذْرٍ فَعَلَيْهِ "دَمٌ". أَمَّا أَصْحَابُ الْأَعْذَارِ وَالضَّعَفَةُ وَالنِّسَاءُ، فَيَجُوزُ لَهُمُ الدَّفْعُ مِنْ مُزْدَلِفَةَ بَعْدَ مُنْتَصَفِ اللَّيْلِ (بَعْدَ غَيْبُوبَةِ الْقَمَرِ) وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِمْ.

  • نِسْيَانُ رَمْيِ الْجَمَرَاتِ:

الرَّمْيُ وَاجِبٌ، فَمَنْ تَرَكَ رَمْيَ الْجَمَرَاتِ كُلِّهَا، أَوْ تَرَكَ رَمْيَ يَوْمٍ كَامِلٍ، أَوْ تَرَكَ أَكْثَرَ الْحَصَيَاتِ فِي يَوْمٍ وَاحِدٍ وَلَمْ يَتَدَارَكْهُ فِي أَيَّامِ التَّشْرِيقِ، فَعَلَيْهِ "دَمٌ". أَمَّا مَنْ تَرَكَ حَصَاةً أَوْ حَصَاتَيْنِ، فَقَدْ تَسَامَحَ فِيهِ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ وَالْأَوْلَى أَنْ يَتَصَدَّقَ بِمَا تَيَسَّرَ.

مَزَارَاتُ الْأَبْرَارِ.. مَنَازِلُ الْآخِرَةِ

أَيُّهَا الزَّائِرُ الْمُشْتَاقُ، إِنَّ فِي الْمَدِينَةِ وَمَكَّةَ رِجَالًا وَنِسَاءً صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللهَ عَلَيْهِ، وَزِيَارَةُ مَقَابِرِهِمْ تُذَكِّرُ بِالْآخِرَةِ وَتَرْبِطُ الْقَلْبَ بِالرَّعِيلِ الْأَوَّلِ.

أَوَّلًا: فِي الْمَدِينَةِ الْمُنَوَّرَةِ

  • مَقْبَرَةُ الْبَقِيعِ (بَقِيعُ الْغَرْقَدِ):

هِيَ الْمَقْبَرَةُ الْمُلَاصِقَةُ لِلْمَسْجِدِ النَّبَوِيِّ الشَّرِيفِ. تَضُمُّ رُفَاتَ أَكْثَرَ مِنْ عَشَرَةِ آلَافٍ مِنَ الصَّحَابَةِ الْكِرَامِ.

مَنْ فِيهَا؟ فِيهَا ذُو النُّورَيْنِ عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ، وَأُمَّهَاتُ الْمُؤْمِنِينَ (زَوْجَاتُ النَّبِيِّ ﷺ) عَدَا خَدِيجَةَ وَمَيْمُونَةَ، وَفِيهَا بَنَاتُ النَّبِيِّ ﷺ (رُقَيَّةُ، وَزَيْنَبُ، وَأُمُّ كُلْثُومٍ، وَفَاطِمَةُ الزَّهْرَاءُ)، وَعَمُّهُ الْعَبَّاسُ، وَسِبْطُهُ الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ، وَالْإِمَامُ مَالِكٌ إِمَامُ دَارِ الْهِجْرَةِ.

أَدَبُ الزِّيَارَةِ: ادْخُلْ خَاشِعًا، وَسَلِّمْ عَلَيْهِمْ قَائِلًا: "السَّلَامُ عَلَيْكُمْ دَارَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ"، وَادْعُ لَهُمْ بِالرَّحْمَةِ.

  • مَقْبَرَةُ شُهَدَاءِ أُحُدٍ:

تَقَعُ عِنْدَ سَفْحِ جَبَلِ أُحُدٍ، عَلَى بُعْدِ حَوَالَيْ ٥ كِيلُومِتْرَاتٍ مِنَ الْمَسْجِدِ النَّبَوِيِّ.

مَنْ فِيهَا؟ تَضُمُّ سَبْعِينَ مِنْ أَطْهَرِ شُهَدَاءِ الْإِسْلَامِ، وَعَلَى رَأْسِهِمْ سَيِّدُ الشُّهَدَاءِ حَمْزَةُ بْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ عَمُّ النَّبِيِّ ﷺ، وَمُصْعَبُ بْنُ عُمَيْرٍ حَامِلُ اللِّوَاءِ.

الْمَعْنَى الرُّوحِيُّ: هُنَا سَالَتِ الدِّمَاءُ لِيَصِلَ إِلَيْنَا الدِّينُ، فَقِفْ مَوْقِفَ الْمُتَأَمِّلِ فِي التَّضْحِيَةِ وَالْفِدَاءِ.

ثَانِيًا: فِي مَكَّةَ الْمُكَرَّمَةِ

  • مَقْبَرَةُ الْمُعَلَّاةِ (الْحَجُونِ):

هِيَ مَقْبَرَةُ أَهْلِ مَكَّةَ مُنْذُ الْجَاهِلِيَّةِ وَإِلَى الْيَوْمِ، وَتَقَعُ قَرِيبًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ.

مَنْ فِيهَا؟ إِنَّهَا تَحْتَضِنُ جَسَدَ السَّيِّدَةِ الْعَظِيمَةِ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ خَدِيجَةَ بِنْتِ خُوَيْلِدٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا، حَبِيبَةِ رَسُولِ اللهِ ﷺ وَنَصِيرَتِهِ. كَمَا تَضُمُّ قُبُورَ بَعْضِ أَجْدَادِ النَّبِيِّ ﷺ وَأَعْمَامِهِ كَعَبْدِ الْمُطَّلِبِ وَأَبِي طَالِبٍ، وَابْنَيْهِ الْقَاسِمِ وَعَبْدِ اللهِ.

رِسَالَةٌ: عِنْدَمَا تَزُورُهَا، تَذَكَّرْ تِلْكَ الْمَرْأَةَ الَّتِي وَاسَتِ النَّبِيَّ ﷺ بِمَالِهَا وَنَفْسِهَا حِينَ كَذَّبَهُ النَّاسُ.

خاتمة: رحلة القلب تبدأ الآن

فيا من أراد الحج والعمرة، ويا من أتمهما، اعلم أن هذه الرحلة لم تنته بعد. إنها تبدأ الآن في بيتك وعملك ومع أهلك.

إياك أن تكون حجتك مجرد ذكريات! بل اجعلها منهاج حياة. وإذا سألت نفسك: هل قبلت حجتي؟ فانظر إلى حالك بعدها، فمن علامة الحج المبرور أن يرجع العبد خيراً مما كان، وأن يترك المعاصي بعدها، وأن يسارع إلى الطاعات.

اللهم اجعلنا من حجاج بيتك الحرام، واكتب لنا حجاً مبروراً وسعياً مشكوراً، واجعل حياتنا كلها في طاعتك ورضاك.

وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.