رِحْلَةُ النُّورِ
سيرة سيدنا النبي ﷺ من البداية إلى الرفيق الأعلى
المُقَدِّمَةُ
لِمَاذَا نَقْرَأُ السِّيرَةَ اليَوْمَ؟
الحَمْدُ للهِ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالهُدَى وَدِينِ الحَقِّ لِيُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ، الَّذِي لَمْ يَكُنْ مُجَرَّدَ رَجُلٍ عَظِيمٍ فِي التَّارِيخِ، بَلْ كَانَ التَّارِيخَ كُلَّهُ يَتَشَكَّلُ تَحْتَ قَدَمَيْهِ.
أَيُّهَا القَارِئُ الكَرِيمُ،
نَحْنُ لَا نَكْتُبُ هَذِهِ السِّيرَةَ لِنَسْرُدَ لَكَ قِصَصًا مِنَ المَاضِي لِلتَّسْلِيَةِ، وَلَا لِنُكَرِّرَ مَا كُتِبَ فِي أُمَّهَاتِ الكُتُبِ ، نَحْنُ نَكْتُبُ لِأَنَّنَا اليَوْمَ -فِي عَصْرِ التِّيهِ وَالقَلَقِ- أَحْوَجُ مَا نَكُونُ إِلَى "إِعَادَةِ اكْتِشَافِ" هَذَا النَّبِيِّ الإِنْسَانِ ، نُرِيدُ أَنْ نَرَى كَيْفَ وَاجَهَ سَيِّدُنَا مُحَمَّدٌ ﷺ اليُتْمَ؟ كَيْفَ تَعَامَلَ مَعَ خَذْلَانِ الأَقْرَبِينَ؟ كَيْفَ أَدَارَ الدَّوْلَةَ؟ وَكَيْفَ كَانَ زَوْجًا وَأَبًا وَقَائِدًا؟نُرِيدُ أَنْ نَفْهَمَ السِّيرَةَ لَا بِاعْتِبَارِهَا "أَحْدَاثًا مَضَتْ"، بَلْ بِاعْتِبَارِهَا "مَنْهَجَ حَيَاتِنَا" اليَوْمَ.
إِنَّهَا رِحْلَةٌ فِي أَعْمَاقِ النَّفْسِ البَشَرِيَّةِ حِينَ يَتَوَلَّى اللهُ تَرْبِيَتَهَا، لِتُصْبِحَ مُؤَهَّلَةً لِحَمْلِ أَمَانَةِ السَّمَاءِ.
فَهَلُمَّ بِنَا نَخْطُو الخُطْوَةَ الأُولَى.. قَبْلَ أَنْ يُولَدَ النُّورُ.
لَحْظَةُ اشْتِيَاقِ الأَرْضِ لِلسَّمَاءِ
أَيُّهَا السَّادَةُ الكِرَامُ:لِكَيْ نُدْرِكَ قِيمَةَ "النُّورِ"، يَجِبُ أَوَّلًا أَنْ نَتَخَيَّلَ شَكْلَ "الظَّلَامِ" الَّذِي كَانَ يُغَطِّي الكَوْنَ ، قَبْلَ مَوْلِدِ سَيِّدِنَا رَسُولِ اللهِ ﷺ بِقَلِيلٍ، كَانَتِ الكُرَةُ الأَرْضِيَّةُ تَمُرُّ بِأَسْوَأِ حَالَاتِهَا الإِنْسَانِيَّةِ وَالحَضَارِيَّةِ. لَقَدْ وَصَفَ سَيِّدُنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ هَذَا الحَالَ فَقَالَ: "إِنَّ اللهَ نَظَرَ إِلَى أَهْلِ الأَرْضِ، فَمَقَتَهُمْ عَرَبَهُمْ وَعَجَمَهُمْ، إِلَّا بَقَايَا مِنْ أَهْلِ الكِتَابِ" (رَوَاهُ مُسْلِمٌ).
كَيْفَ كَانَ المَشْهَدُ؟ دَعُونَا نُلْقِ نَظْرَةً بَانُورَامِيَّةً:
1. الإِمْبِرَاطُورِيَّاتُ الكُبْرَى (ظُلْمٌ وَطُغْيَانٌ):
* الرُّومُ (فِي الغَرْبِ): حَضَارَةٌ غَرِقَتْ فِي التَّرَفِ وَالضَّرَائِبِ البَاهِظَةِ، وَصِرَاعَاتٍ لَاهُوتِيَّةٍ دَمَوِيَّةٍ بَيْنَ المَذَاهِبِ النَّصْرَانِيَّةِ المُخْتَلِفَةِ، حَيْثُ كَانَ النَّصْرَانِيُّ يَقْتُلُ أَخَاهُ بِسَبَبِ الخِلَافِ فِي طَبِيعَةِ المَسِيحِ.
* الفُرْسُ (فِي الشَّرْقِ): نِظَامٌ طَبَقِيٌّ صَارِمٌ، يَعْبُدُونَ النَّارَ، وَيُحَلِّلُونَ زَوَاجَ المَحَارِمِ، حَتَّى إِنَّ المَرْءَ كَانَ لَا يَأْمَنُ عَلَى مَالِهِ أَوْ عِرْضِهِ إِذَا اشْتَهَاهُ أَحَدُ الكُبَرَاءِ.
2. الجَزِيرَةُ العَرَبِيَّةُ (فَوْضَى وَضَيَاعٌ):
فِي قَلْبِ هَذَا العَالَمِ المُضْطَرِبِ، كَانَتِ الجَزِيرَةُ العَرَبِيَّةُ صَحْرَاءَ مَنْسِيَّةً. لَا حُكُومَةَ مَرْكَزِيَّةَ، وَلَا قَانُونَ إِلَّا "قَانُونُ القُوَّةِ".
* الوَثَنِيَّةُ السَّاذَجَةُ: انْحَرَفُوا عَنْ دِينِ أَبِيهِمْ إِبْرَاهِيمَ، فَصَنَعُوا آلِهَتَهُمْ مِنَ الحَجَرِ وَالتَّمْرِ. يَعْبُدُونَهَا نَهَارًا، وَرُبَّمَا أَكَلُوهَا إِذَا جَاعُوا لَيْلًا!
* وَأْدُ البَنَاتِ: تِلْكَ الجَرِيمَةُ البَشِعَةُ الَّتِي تُصَوِّرُ انْحِدَارَ الإِنْسَانِيَّةِ؛ أَنْ يَدْفِنَ الأَبُ فَلْذَةَ كَبِدِهِ وَهِيَ حَيَّةٌ خَوْفًا مِنَ العَارِ أَوِ الفَقْرِ.
* العَصَبِيَّةُ القَبَلِيَّةُ: حُرُوبٌ تَشْتَعِلُ لِأَتْفَهِ الأَسْبَابِ (كَحَرْبِ البَسُوسِ) وَتَسْتَمِرُّ أَرْبَعِينَ عَامًا، تُهْرَقُ فِيهَا الدِّمَاءُ مِنْ أَجْلِ نَاقَةٍ!
وَلَكِنْ.. وَسَطَ هَذَا الرُّكَامِ، كَانَتْ هُنَاكَ "مَكَارِمُ أَخْلَاقٍ" مُبَعْثَرَةٍ: الكَرَمُ، الشَّجَاعَةُ، الوَفَاءُ بِالعَهْدِ، النَّخْوَةُ.
كَانَ العَرَبُ مَادَّةً خَامًا، مَعْدِنًا نَفِيسًا لَكِنَّهُ مَدْفُونٌ تَحْتَ تُرَابِ الجَاهِلِيَّةِ. كَانُوا يَنْتَظِرُونَ "الصَّائِغَ" الَّذِي يُعِيدُ تَشْكِيلَهُمْ.
لِمَاذَا اخْتَارَ اللهُ مَكَّةَ؟
لَمْ يَكُنِ اخْتِيَارُ مَكَّةَ عَبَثًا. فَقَدْ شَاءَتِ الحِكْمَةُ الإِلَهِيَّةُ أَنْ تَخْرُجَ الرِّسَالَةُ مِنْ مَكَانٍ "بِكْرٍ"، بَعِيدٍ عَنْ فَلْسَفَاتِ الرُّومِ وَجَدَلِ اليُونَانِ وَطُغْيَانِ الفُرْسِ. مَكَانٍ لَيْسَ فِيهِ حَضَارَةٌ تُنَافِسُ حَضَارَةَ الإِسْلَامِ، لِيَكُونَ البِنَاءُ إِلَهِيًّا خَالِصًا مِنْ بِدَايَتِهِ ، كَانَ الكَوْنُ كُلُّهُ فِي حَالَةِ "مَخَاضٍ"، الأَرْوَاحُ عَطْشَى، وَالفِطْرَةُ تَصْرُخُ.
وَفِي مَكَّةَ، كَانَتْ عَيْنُ القَدَرِ تَرْعَى بَيْتًا مِنْ أَعْرَقِ بُيُوتِ العَرَبِ.. بَيْتَ عَبْدِ المُطَّلِبِ ، هُنَاكَ.. كَانَ القَدَرُ يُجَهِّزُ المَسْرَحَ لِلْحَدَثِ الأَعْظَمِ.
عَامُ الفِيلِ
قَبْلَ المَوْلِدِ بِأَيَّامٍ قَلَائِلَ، حَدَثَ أَمْرٌ زَلْزَلَ الجَزِيرَةَ العَرَبِيَّةَ، وَلَفَتَ أَنْظَارَ العَالَمِ إِلَى تِلْكَ البُقْعَةِ المَنْسِيَّةِ.
إِنَّهُ "عَامُ الفِيلِ"، أَبْرَهَةُ الأَشْرَمُ، حَاكِمُ اليَمَنِ القَوِيُّ، جَاءَ بِجَيْشٍ جَرَّارٍ تَحْتَ رَايَةِ النَّصْرَانِيَّةِ (دِينِ الرُّومِ)، يَتَقَدَّمُهُ فِيلٌ ضَخْمٌ، لِيَهْدِمَ الكَعْبَةَ.. ذَلِكَ البِنَاءَ البَسِيطَ مِنْ الحِجَارَةِ.
لِمَاذَا؟ لِيَصْرِفَ العَرَبَ عَنْهَا إِلَى كَنِيسَتِهِ الَّتِي بَنَاهَا.
تَأَمَّلُوا المَشْهَدَ:
قُوَّةٌ مَادِّيَّةٌ غَاشِمَةٌ (أَبْرَهَةُ وَجَيْشُهُ) فِي مُوَاجَهَةِ بَيْتٍ أَعْزَلَ، لَا جَيْشَ يَحْمِيهِ. حَتَّى "عَبْدُ المُطَّلِبِ" سَيِّدُ مَكَّةَ، وَقَفَ بِعَجْزِ البَشَرِ يَقُولُ لِأَبْرَهَةَ: "أَنَا رَبُّ الإِبِلِ، وَلِلْبَيْتِ رَبٌّ يَحْمِيهِ"، لَمْ يَكُنْ هَذَا خِذْلَانًا، بَلْ كَانَ "إِخْلَاءً لِلسَّاحَةِ" لِيَتَدَخَّلَ القَدَرُ، أَرَادَ اللهُ أَنْ يَقُولَ لِلْعَالَمِ: هَذَا البَيْتُ مَحْمِيٌّ مِنَ السَّمَاءِ مُبَاشَرَةً، لِأَنَّهُ سَيَشْهَدُ بَعْدَ قَلِيلٍ مِيلَادَ "النُّورِ" الَّذِي سَيُغَيِّرُ وَجْهَ الأَرْضِ ، وَكَانَتِ المُعْجِزَةُ.. ﴿وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْرًا أَبَابِيلَ﴾ ، أُبِيدَ الجَيْشُ، وَبَقِيَ البَيْتُ ، وَفِي هَذَا الجَوِّ المَشْحُونِ بِالقُدْرَةِ الإِلَهِيَّةِ، وَبَيْنَمَا كَانَتْ مَكَّةُ تَحْتَفِلُ بِنَجَاةِ بَيْتِهَا.. كَانَتْ "آمِنَةُ بِنْتُ وَهْبٍ" تَشْعُرُ بِآلَامِ المَخَاضِ ، لَقَدْ حَانَ الوَقْتُ.
الشَّمْسُ تُشْرِقُ مِنْ بَيْتٍ حَزِينٍ
فِي صَبِيحَةِ يَوْمِ الِاثْنَيْنِ، الثَّانِي عَشَرَ مِنْ رَبِيعٍ الأَوَّلِ علي اشهر ما قيل، وُلِدَ سَيِّدُنَا مُحَمَّدٌ ﷺ.
وَلَكِنْ.. أَيَّ مَوْلِدٍ كَانَ؟ لَمْ يُولَدْ وَفِي فَمِهِ مِلْعَقَةٌ مِنْ ذَهَبٍ، وَلَمْ تَسْتَقْبِلْهُ احْتِفَالَاتُ المُلُوكِ. بَلْ وُلِدَ وَفِي قَلْبِ أُمِّهِ غُصَّةٌ ، لَقَدْ مَاتَ أَبُوهُ "عَبْدُ اللهِ" وَهُوَ جَنِينٌ فِي بَطْنِ أُمِّهِ.
تَخَيَّلُوا حِكْمَةَ اللهِ العَجِيبَةَ..
أَعْظَمُ إِنْسَانٍ فِي الوُجُودِ يَأْتِي إِلَى الدُّنْيَا "يَتِيمًا"!
لِمَاذَا يَا رَبِّ؟
* لِكَيْلَا يَكُونَ لِأَحَدٍ مِنَ الخَلْقِ يَدٌ فِي تَرْبِيَتِهِ: لَا أَبٌ يُدَلِّلُهُ، وَلَا سُلْطَةٌ تَرعَاهُ. لِيَتَوَلَّى اللهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى تَرْبِيَتَهُ مُنْذُ اللَّحْظَةِ الأُولَى. ﴿أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَىٰ﴾.
* لِيَشْعُرَ بِأَلَمِ الضُّعَفَاءِ: لِيَكُونَ رَحِيمًا بِالمُنْكَسِرِينَ، فَقَدْ ذَاقَ طَعْمَ الفَقْدِ مُنْذُ أَنْ فَتَحَ عَيْنَيْهِ.
فَرِحَ بِهِ جَدُّهُ عَبْدُ المُطَّلِبِ فَرَحًا شَدِيدًا، وَأَخَذَهُ وَدَخَلَ بِهِ الكَعْبَةَ، وَسَمَّاهُ "مُحَمَّدًا". اسْمٌ لَمْ يَكُنْ مَأْلُوفًا عِنْدَ العَرَبِ، كَأَنَّهُ أُلْهِمَ أَنَّ هَذَا الوَلِيدَ سَيَكُونَ مَحْمُودًا فِي الأَرْضِ وَفِي السَّمَاءِ.
هَكَذَا بَدَأَتِ القِصَّةُ.. طِفْلٌ يَتِيمٌ، فِي بَلْدَةٍ صَحْرَاوِيَّةٍ، وَسَطَ عَالَمٍ يَمُوجُ بِالظُّلْمِ. مَنْ كَانَ يُصَدِّقُ أَنَّ هَذَا الطِّفْلَ هُوَ مَنْ سَيَقُودُ سَفِينَةَ البَشَرِيَّةِ إِلَى بَرِّ الأَمَانِ؟
دُرُوسُ البَادِيَةِ وَشَقُّ الصَّدْرِ
كَانَتْ عَادَةُ العَرَبِ أَنْ يُرْسِلُوا أَبْنَاءَهُمْ إِلَى البَادِيَةِ (الصَّحْرَاءِ) لِيَرْضَعُوا هُنَاكَ. لِمَاذَا؟ لِأَنَّ هَوَاءَ الصَّحْرَاءِ أَنْقَى، وَلُغَتَهَا أَفْصَحُ، وَحَيَاتَهَا أَشَدُّ خُشُونَةً، فَيَنْشَأُ الطِّفْلُ قَوِيَّ البُنْيَةِ، سَلِيمَ اللِّسَانِ، صَافِيَ الفِطْرَةِ.
وَجَاءَتْ "حَلِيمَةُ السَّعْدِيَّةُ".. تِلْكَ المَرْأَةُ الَّتِي كَانَتْ تَرْكَبُ أَتَانًا (أُنْثَى حِمَارٍ) ضَعِيفَةً، وَتَشْكُو الفَقْرَ وَالجَدْبَ. لَمْ يَكُنْ فِي صَدْرِهَا لَبَنٌ يَكْفِي وَلِيدَهَا ، وَحِينَ أَخَذَتِ "اليَتِيمَ" مُحَمَّدًا ﷺ، انْقَلَبَتْ حَيَاتُهَا رَأْسًا عَلَى عَقِبٍ ، دَرَّ اللَّبَنُ فِي صَدْرِهَا، وَامْتَلَأَ ضَرْعُ نَاقَتِهَا، وَأَسْرَعَتْ أَتَانُهَا تَسْبِقُ الرَّكْبَ.
إِنَّهَا "بَرَكَةُ النُّبُوَّةِ" الَّتِي حَلَّتْ عَلَى بَيْتِ حَلِيمَةَ. لَقَدْ أَرَادَ اللهُ أَنْ يُعَلِّمَنَا دَرْسًا: "أَنَّ مَنْ آوَى يَتِيمًا، أَوْ نَصَرَ ضَعِيفًا، فُتِحَتْ لَهُ أَبْوَابُ السَّمَاءِ".
حَادِثَةُ شَقِّ الصَّدْرِ: الجِرَاحَةُ الرُّوحَانِيَّةُ
وَفِي مَرَابِعِ بَنِي سَعْدٍ، وَهُوَ طِفْلٌ يَلْعَبُ مَعَ الغِلْمَانِ، حَدَثَ أَمْرٌ عَجِيبٌ ، جَاءَهُ سَيِّدُنَا جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلَامُ، فَأَخَذَهُ وَشَقَّ عَنْ صَدْرِهِ، وَاسْتَخْرَجَ قَلْبَهُ الشَّرِيفَ، فَغَسَلَهُ بِمَاءِ زَمْزَمَ فِي طَسْتٍ مِنْ ذَهَبٍ، وَاسْتَخْرَجَ مِنْهُ "عَلَقَةً سَوْدَاءَ" وَقَالَ: "هَذَا حَظُّ الشَّيْطَانِ مِنْكَ".
مَا هَذَا المَشْهَدُ؟
إِنَّهَا عَمَلِيَّةُ "تَطْهِيرٍ" مُبَكِّرَةٍ. اللهُ يُعِدُّ هَذَا القَلْبَ لِيَتَلَقَّى أَعْظَمَ كَلَامٍ (القُرْآنَ)، فَلَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ الوِعَاءُ طَاهِرًا تَمَامًا مِنْ أَيْ شَائِبَةٍ أَوْ نَزْغَةٍ شَيْطَانِيَّةٍ.
نَشَأَ النَّبِيُّ ﷺ وَقَدْ نُزِعَتْ مِنْ قَلْبِهِ مَوَادُّ الشَّرِّ، فَعَاشَ بِفِطْرَةٍ مَلَائِكِيَّةٍ فِي جَسَدٍ بَشَرِيٍّ.
مَدْرَسَةُ اليُتْمِ المُتَكَرِّرِ
كَيْفَ يَنْقَطِعُ الرَّجَاءُ إِلَّا مِنَ اللهِ؟
عَادَ الطِّفْلُ إِلَى أُمِّهِ "آمِنَةَ" بَعْدَ حَادِثَةِ شَقِّ الصَّدْرِ. وَلَكِنَّ يَدَ القَدَرِ لَمْ تَتَوَقَّفْ عَنِ النَّحْتِ فِي هَذِهِ الشَّخْصِيَّةِ العَظِيمَةِ.
فَاجِعَةُ الأَبْوَاءِ:أَخَذَتْهُ أُمُّهُ لِزِيَارَةِ أَخْوَالِهِ فِي يَثْرِبَ (المَدِينَةِ)، وَلِزِيَارَةِ قَبْرِ أَبِيهِ "عَبْدِ اللهِ". وَفِي طَرِيقِ العَوْدَةِ، وَفِي مَكَانٍ مُوحِشٍ يُسَمَّى "الأَبْوَاءَ"، مَرِضَتِ الأُمُّ، وَمَاتَتْ بَيْنَ يَدَيْ طِفْلِهَا الَّذِي لَمْ يَتَجَاوَزِ السَّادِسَةَ! ، تَخَيَّلُوا المَوْقِفَ.. طِفْلٌ يَقِفُ فِي الصَّحْرَاءِ، يَدْفِنُ أُمَّهُ بِيَدِهِ، وَيَعُودُ مَعَ خَادِمَتِهِ "أُمِّ أَيْمَنَ" وَحِيدًا مُنْكَسِرًا.
رَحِيلُ الجَدِّ: كَفَلَهُ جَدُّهُ "عَبْدُ المُطَّلِبِ"، وَأَحَبَّهُ حُبًّا جَمًّا، وَكَانَ يَقُولُ: "دَعُوا ابْنِي، فَإِنَّ لَهُ شَأْنًا". وَلَكِنْ مَا هِيَ إِلَّا سَنَتَانِ، وَمَاتَ الجَدُّ أَيْضًا وَالنَّبِيُّ فِي الثَّامِنَةِ مِنْ عُمْرِهِ!
لِمَاذَا كُلُّ هَذَا الأَلَمِ؟ لِمَاذَا يَمُوتُ الأَبُ، ثُمَّ الأُمُّ، ثُمَّ الجَدُّ؟
إِنَّهَا "التَّرْبِيَةُ الإِلَهِيَّةُ" بِأَقْسَى صُوَرِهَا وَأَعْظَمِ غَايَاتِهَا:
* قَطْعُ التَّعَلُّقِ بِالخَلْقِ: أَرَادَ اللهُ أَلَّا يَتَعَلَّقَ قَلْبُ مُحَمَّدٍ ﷺ بِأَبٍ يَحْمِيهِ، وَلَا أُمٍّ تُؤْوِيهِ، وَلَا جَدٍّ يَنْصُرُهُ. أَرَادَ أَنْ يَكُونَ قَلْبُهُ مُعَلَّقًا "بِاللهِ وَحْدَهُ". يَنْشَأُ وَهُوَ يُرَدِّدُ بِلِسَانِ الحَالِ: "حَسْبِيَ اللهُ".
* صِنَاعَةُ الرَّحْمَةِ: لَنْ يَشْعُرَ بِأَلَمِ اليَتِيمِ وَالضَّعِيفِ وَالمِسْكِينِ إِلَّا مَنْ ذَاقَ مَرَارَةَ الفَقْدِ. لِذَلِكَ كَانَ ﷺ "أَرْحَمَ النَّاسِ بِالنَّاسِ".
فِي كَنَفِ عَمِّهِ أَبِي طَالِبٍ
رَاعِي الغَنَمِ.. الَّذِي يَتَدَرَّبُ عَلَى رِعَايَةِ الأُمَمِ
انْتَقَلَ النَّبِيُّ ﷺ إِلَى بَيْتِ عَمِّهِ "أَبِي طَالِبٍ". كَانَ أَبُو طَالِبٍ كَثِيرَ العِيَالِ، قَلِيلَ المَالِ، لَكِنَّهُ كَانَ شَرِيفًا مُهَابًا ، وَعَاشَ النَّبِيُّ ﷺ فِي هَذَا البَيْتِ، فَلَمْ يَرْضَ أَنْ يَكُونَ عِبْئًا عَلَى عَمِّهِ.
مَاذَا فَعَلَ؟ خَرَجَ لِيَعْمَلَ.. رَاعِيًا لِلْغَنَمِ ، لِمَاذَا رَعْيُ الغَنَمِ؟ يَقُولُ ﷺ: "مَا بَعَثَ اللهُ نَبِيًّا إِلَّا وَرَعَى الغَنَمَ"، هَلْ هِيَ مُصَادَفَةٌ؟ لَا ، إِنَّ رَعْيَ الغَنَمِ هُوَ "الدَّوْرَةُ التَّدْرِيبِيَّةُ" لِلْأَنْبِيَاءِ قَبْلَ قِيَادَةِ البَشَرِ. فِيهَا تَعَلَّمَ:
* الصَّبْرَ: فَالغَنَمُ بَطِيئَةٌ، مُتَفَرِّقَةٌ، تَحْتَاجُ إِلَى طُولِ بَالٍ لِجَمْعِهَا.
* الرَّحْمَةَ: إِذَا مَرِضَتْ شَاةٌ أَوْ كُسِرَتْ، حَمَلَهَا الرَّاعِي عَلَى كَتِفِهِ.
* اليَقَظَةَ: حِمَايَةُ القَطِيعِ مِنَ الذِّئَابِ.
* التَّفَكُّرَ وَالخَلْوَةَ: فِي صَمْتِ الصَّحْرَاءِ، وَتَحْتَ سَقْفِ السَّمَاءِ، كَانَ يَتَأَمَّلُ فِي مَلَكُوتِ اللهِ، بَعِيدًا عَنْ ضَجِيجِ مَكَّةَ وَأَصْنَامِهَا.
الحِفْظُ الإِلَهِيُّ فِي الشَّبَابِ (العِصْمَةُ)
شَبَّ النَّبِيُّ ﷺ وَهُوَ شَابٌّ قَوِيٌّ جَمِيلٌ، وَلَكِنَّهُ كَانَ مُخْتَلِفًا عَنْ شَبَابِ مَكَّةَ.
لَمْ يَسْجُدْ لِصَنَمٍ قَطُّ. لَمْ يَشْرَبْ خَمْرًا قَطُّ. لَمْ يَحْضُرْ مَجَالِسَ اللَّهْوِ وَالغِنَاءِ.
حَتَّى حِينَ حَاوَلَ مَرَّةً فِي شَبَابِهِ أَنْ يَذْهَبَ لِحَفْلِ عُرْسٍ لِيَسْمَعَ الغِنَاءَ كَمَا يَفْعَلُ الشَّبَابُ، ضَرَبَ اللهُ عَلَى أُذُنِهِ فَنَامَ، وَلَمْ يَسْتَيْقِظْ إِلَّا بِحَرِّ الشَّمْسِ!
اللهُ يَعْصِمُهُ.. يَحْمِيهِ.. يُجَهِّزُهُ.
عُرِفَ بَيْنَ قَوْمِهِ بِصِفَتَيْنِ اخْتَصَرَتَا كُلَّ شَيْءٍ: "الصَّادِقُ.. الأَمِينُ"، لَمْ يَكُونُوا يَعْرِفُونَ أَنَّ هَذَا الصَّدْقَ وَهَذِهِ الأَمَانَةَ هُمَا المُؤَهِّلَاتُ الأُولَى لِحَمْلِ "الرِّسَالَةِ الخَاتِمَةِ".
حِينَ يَلْتَقِي الطُّهْرُ بِالأَمَانَةِ
بَلَغَ سَيِّدُنَا مُحَمَّدٌ ﷺ الخَامِسَةَ وَالعِشْرِينَ مِنْ عُمْرِهِ. وَفِي مَكَّةَ، لَمْ يَكُنْ ثَمَّةَ رَجُلٌ يُشْبِهُهُ.
لَمْ يَكُنْ ذَا مَالٍ وَفِيرٍ، وَلَكِنَّهُ كَانَ يَمْلِكُ "رَأْسَ مَالٍ" أَعْظَمَ: سُمْعَةً نَقِيَّةً كَالثَّوْبِ الأَبْيَضِ. حَتَّى إِنَّ أَهْلَ مَكَّةَ لَمْ يُنَادُوهُ بِاسْمِهِ كَثِيرًا، بَلْ كَانُوا يُنَادُونَهُ: "يَا أَمِينُ"، سَمِعَتْ بِهِ امْرَأَةٌ مِنْ أَشْرَافِ قُرَيْشٍ، وَأَغْنَاهُمْ، وَأَرْجَحِهِمْ عَقْلًا. إِنَّهَا السَّيِّدَةُ "خَدِيجَةُ بِنْتُ خُوَيْلِدٍ" (الطَّاهِرَةُ)، كَانَتْ تَمْتَحِنُ الرِّجَالَ الَّذِينَ يُتَاجِرُونَ فِي مَالِهَا، فَلَا تَجِدُ إِلَّا طَامِعًا أَوْ خَائِنًا. فَأَرْسَلَتْ إِلَى مُحَمَّدٍ ﷺ لِيَخْرُجَ فِي تِجَارَةٍ لَهَا إِلَى الشَّامِ، وَمَعَهُ غُلَامُهَا "مَيْسَرَةُ".
رِحْلَةُ الشَّامِ.. وَاخْتِبَارُ المَعْدِنِ:
عَادَ مَيْسَرَةُ مَبْهُورًا. لَمْ يُحَدِّثْ سَيِّدَتَهُ عَنْ مَهَارَةِ مُحَمَّدٍ ﷺ فِي البَيْعِ وَالشِّرَاءِ فَقَطْ (وَقَدْ رَبِحُوا رِبْحًا وَفِيرًا)، بَلْ حَدَّثَهَا عَنْ شَيْءٍ آخَرَ: عَنْ صِدْقِهِ الَّذِي لَا يَعْرِفُ المُمَارَاةَ، عَنْ عِفَّتِهِ عَنِ المَحَارِمِ، عَنْ كَرَمِ أَخْلَاقِهِ ، أَدْرَكَتْ خَدِيجَةُ -بِبَصِيرَةِ المَرْأَةِ العَاقِلَةِ- أَنَّهَا أَمَامَ "عُمْلَةٍ نَادِرَةٍ" فِي زَمَانِ الرِّجَالِ المُزَيَّفِينَ.
عَرَضَتْ عَلَيْهِ الزَّوَاجَ (عَنْ طَرِيقِ صَدِيقَتِهَا نُفَيْسَةَ)، وَتَمَّ الزَّوَاجُ المُبَارَكُ ، لَمْ يَكُنْ زَوَاجًا عَبَثِيًّا. لَقَدْ كَانَ تَرْتِيبًا إِلَهِيًّا دَقِيقًا.
لِمَاذَا؟ لِأَنَّ هَذَا الرَّجُلَ سَيَحْمِلُ بَعْدَ سَنَوَاتٍ "ثِقَلَ السَّمَاءِ" (الوَحْيَ)، وَسَيُعَادِيهِ أَهْلُ الأَرْضِ، فَكَانَ لَابُدَّ لَهُ مِنْ "قَلْبٍ" يَحْتَوِيهِ، وَ "عَقْلٍ" يُثَبِّتُهُ، وَ "مَالٍ" يَكْفِيهِ هَمَّ العَيْشِ.كَانَتْ خَدِيجَةُ هِيَ ذَلِكَ "الحِصْنُ". كَانَتْ هِيَ الجَيْشَ الأَوَّلَ لِلنَّبِيِّ ﷺ قَبْلَ أَنْ يَكُونَ لَهُ جَيْشٌ.
بِنَاءُ الكَعْبَةِ.. وَحَقْنُ الدِّمَاءِ
بَلَغَ سَيِّدُنَا مُحَمَّدٌ ﷺ خَمْسًا وَثَلَاثِينَ سَنَةً ، فِي ذَلِكَ العَامِ، أَصَابَ الكَعْبَةَ سَيْلٌ شَدِيدٌ صَدَّعَ جُدْرَانَهَا، فَقَرَّرَتْ قُرَيْشٌ هَدْمَهَا وَإِعَادَةَ بِنَائِهَا، اتَّفَقُوا عَلَى شَرْطٍ عَجِيبٍ يَدُلُّ عَلَى بَقَايَا الخَيْرِ فِيهِمْ: "لَا نُدْخِلُ فِي بِنَائِهَا إِلَّا مَالًا طَيِّبًا؛ لَا مَهْرَ بَغِيٍّ، وَلَا بَيْعَ رِبًا، وَلَا مَظْلَمَةَ أَحَدٍ". (وَلِذَلِكَ قَصُرَتْ بِهِمُ النَّفَقَةُ فَتَرَكُوا جُزْءًا مِنَ الكَعْبَةِ دُونَ بِنَاءٍ، وَهُوَ "حِجْرُ إِسْمَاعِيلَ").
لَحْظَةُ الخَطَرِ: ارْتَفَعَ البِنْيَانُ، وَجَاءَ وَقْتُ وَضْعِ "الحَجَرِ الأَسْوَدِ" فِي مَكَانِهِ.
هُنَا.. حَضَرَ الشَّيْطَانُ ، تَنَازَعَتِ القَبَائِلُ. كُلُّ قَبِيلَةٍ تُرِيدُ هَذَا الشَّرَفَ لِنَفْسِهَا. دَعَتِ القَبَائِلُ لِلْحَرْبِ، وَغَمَسُوا أَيْدِيَهُمْ فِي الدَّمِ، وَكَادَتْ مَكَّةُ أَنْ تَغْرَقَ فِي بَحْرٍ مِنْ دِمَاءِ أَبْنَائِهَا، اسْتَمَرَّ الخِلَافُ أَيَّامًا، حَتَّى اتَّفَقُوا عَلَى تَحْكِيمِ أَوَّلِ دَاخِلٍ عَلَيْهِمْ مِنَ البَابِ ، شَاءَ السَّمِيعُ العَلِيمُ أَنْ يَكُونَ الدَّاخِلُ هُوَ "مُحَمَّدًا" ﷺ فَلَمَّا رَأَوْهُ هَتَفُوا بِصَوْتٍ وَاحِدٍ: "هَذَا الأَمِينُ.. رَضِينَا.. هَذَا مُحَمَّدٌ"، تَأَمَّلُوا.. هُمْ يَرْتَضُونَ حُكْمَهُ قَبْلَ أَنْ يَعْرِفُوهُ، لِثِقَتِهِمْ المُطْلَقَةِ فِي عَقْلِهِ وَأَمَانَتِهِ.
الحَلُّ العَبْقَرِيُّ: لَمْ يَخْتَرْ قَبِيلَةً دُونَ أُخْرَى.
خَلَعَ رِدَاءَهُ الشَّرِيفَ، وَوَضَعَ الحَجَرَ فِيهِ بِيَدِهِ، ثُمَّ قَالَ: "لِتَأْخُذْ كُلُّ قَبِيلَةٍ بِطَرَفٍ مِنَ الثَّوْبِ"، حَمَلُوهُ جَمِيعًا (مُشَارَكَةً)، ثُمَّ رَفَعَهُ هُوَ بِيَدِهِ الشَّرِيفَةِ وَوَضَعَهُ فِي مَكَانِهِ (تَشْرِيفًا)، انْتَهَتِ الفِتْنَةُ، وَحُقِنَتِ الدِّمَاءُ ، كَانَ هَذَا المَوْقِفُ "إِشَارَةً إِلَهِيَّةً": هَذَا الرَّجُلُ هُوَ الَّذِي سَيَجْمَعُ شَتَاتَ القَبَائِلِ المُتَنَاحِرَةِ، وَيُوَحِّدُهُمْ تَحْتَ رَايَةٍ وَاحِدَةٍ، كَمَا جَمَعَهُمْ عَلَى رِدَائِهِ.
غَارُ حِرَاءٍ.. وَانْقِطَاعُ خَبَرِ السَّمَاءِ
اقْتَرَبَ سِنُّ الأَرْبَعِينَ ، بَدَأَ سَيِّدُنَا مُحَمَّدٌ ﷺ يَشْعُرُ بِشَيْءٍ غَرِيبٍ فِي دَاخِلِهِ. "نُفُورٌ" مِنْ وَاقِعِ مَكَّةَ، مِنْ ضَجِيجِهَا، مِنْ أَصْنَامِهَا الَّتِي لَا تَنْفَعُ وَلَا تَضُرُّ ، حُبِّبَ إِلَيْهِ "الخَلَاءُ"، كَانَ يَأْخُذُ زَادَهُ وَيَصْعَدُ إِلَى "غَارِ حِرَاءٍ". مَكَانٌ مُوحِشٌ فِي قِمَّةِ جَبَلِ النُّورِ، لَكِنَّهُ يُطِلُّ عَلَى الكَعْبَةِ ، كَانَ يَقْضِي اللَّيَالِيَ ذَوَاتِ العَدَدِ هُنَاكَ. يَتَفَكَّرُ فِي هَذَا الكَوْنِ: مَنْ خَلَقَهُ؟ لِمَاذَا نَحْنُ هُنَا؟ مَا هَذَا الفَسَادُ الَّذِي يَمْلَأُ الأَرْضَ؟ وَأَيْنَ طَرِيقُ الإِصْلَاحِ؟لَمْ يَكُنْ يَعْلَمُ أَنَّهُ نَبِيٌّ بَعْدُ، وَلَكِنَّ قَلْبَهُ كَانَ يَتَهَيَّأُ.
إِرْهَاصَاتُ النُّبُوَّةِ (المُقَدِّمَاتُ الصَّادِقَةُ):قَبْلَ الوَحْيِ بِسِتَّةِ أَشْهُرٍ، بَدَأَ يَرَى "الرُّؤْيَا الصَّالِحَةَ".
كَانَ لَا يَرَى رُؤْيَا فِي نَوْمِهِ إِلَّا وَجَاءَتْ فِي الصَّبَاحِ مِثْلَ "فَلَقِ الصُّبْحِ" (أَيْ وَقَعَتْ تَمَامًا كَمَا رَآهَا).
كَانَ اللهُ يُدَرِّبُهُ عَلَى التَّلَقِّي عَنِ الغَيْبِ ، كَانَ يَمْشِي فِي شِعَابِ مَكَّةَ، فَيَسْمَعُ الحَجَرَ وَالشَّجَرَ يُسَلِّمُ عَلَيْهِ: "السَّلَامُ عَلَيْكَ يَا رَسُولَ اللهِ"، فَيَلْتَفِتُ فَلَا يَرَى أَحَدًا! (رَوَاهُ مُسْلِمٌ)، كَانَ الكَوْنُ كُلُّهُ يَحْبِسُ أَنْفَاسَهُ ، السَّمَاءُ تَقْتَرِبُ مِنَ الأَرْضِ ، جِبْرِيلُ يَتَهَيَّأُ لِلنُّزُولِ لِأَوَّلِ مَرَّةٍ مُنْذُ زَمَنٍ طَوِيلٍ ، وَفِي إِحْدَى لَيَالِي شَهْرِ رَمَضَانَ المُبَارَكِ.. حَدَثَ اللِّقَاءُ الَّذِي غَيَّرَ مَجْرَى التَّارِيخِ.
اللِّقَاءُ الأَوَّلُ مَعَ الرُّوحِ الأَمِينِ
كَانَ اللَّيْلُ سَاكِنًا فِي غَارِ حِرَاءٍ ، وَفَجْأَةً.. خُرِقَ الحُجُبُ ، لَمْ يَكُنْ سَيِّدُنَا مُحَمَّدٌ ﷺ يَنْتَظِرُ أَحَدًا، وَلَمْ يَكُنْ يَطْلُبُ نُبُوَّةً ، ظَهَرَ لَهُ المَلَكُ "جِبْرِيلُ" عَلَيْهِ السَّلَامُ. لَيْسَ كَخَيَالٍ أَوْ طَيْفٍ، بَلْ حَقِيقَةً يَقِينِيَّةً.
أَخَذَهُ جِبْرِيلُ فَضَمَّهُ ضَمَّةً شَدِيدَةً حَتَّى بَلَغَ مِنْهُ الجَهْدَ (التَّعَبَ الشَّدِيدَ)، ثُمَّ أَرْسَلَهُ وَقَالَ: "اقْرَأْ".
فَقَالَ النَّبِيُّ الأُمِّيُّ الصَّادِقُ: "مَا أَنَا بِقَارِئٍ" (أَيْ لَا أَعْرِفُ القِرَاءَةَ)، فَأَخَذَهُ فَغَطَّهُ (ضَمَّهُ) الثَّانِيَةَ حَتَّى بَلَغَ مِنْهُ الجَهْدَ، ثُمَّ أَرْسَلَهُ فَقَالَ: "اقْرَأْ"، فَقَالَ: "مَا أَنَا بِقَارِئٍ"، فَأَخَذَهُ فَغَطَّهُ الثَّالِثَةَ، ثُمَّ أَرْسَلَهُ فَقَالَ:
﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ * خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ * اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ * الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ * عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾ (العَلَق: 1-5).
وَقَفَاتٌ مَعَ الحَدَثِ:
* لِمَاذَا الضَّمُّ الشَّدِيدُ؟ لِيُدْرِكَ النَّبِيُّ ﷺ أَنَّهُ لَا يَحْلُمُ، وَأَنَّ هَذَا لَيْسَ وَهْمًا نَفْسِيًّا. إِنَّهُ اتِّصَالٌ مَادِّيٌّ حَقِيقِيٌّ. إِنَّهَا رِسَالَةٌ تَقُولُ: "إِنَّ هَذَا الأَمْرَ ثَقِيلٌ، وَيَحْتَاجُ إِلَى قُوَّةٍ وَيَقَظَةٍ".
* لِمَاذَا "اقْرَأْ"؟ أَوَّلُ كَلِمَةٍ فِي الدُّسْتُورِ الإِسْلَامِيِّ هِيَ "العِلْمُ". لَمْ تَنْزِلْ "قَاتِلْ" وَلَا "صَلِّ" وَلَا "زَكِّ"، بَلْ نَزَلَتْ "اقْرَأْ". لِأَنَّ هَذَا الدِّينَ سَيَبْنِي حَضَارَةً تَقُومُ عَلَى العِلْمِ بِاسْمِ اللهِ ، غَابَ المَلَكُ.. وَبَقِيَ مُحَمَّدٌ ﷺ وَحِيدًا فِي الغَارِ، يَرْتَجِفُ فُؤَادُهُ مِنْ هَوْلِ مَا رَأَى وَسَمِعَ.
المَرْأَةُ الَّتِي ثَبَّتَتْ فُؤَادَ النَّبِيِّ
نَزَلَ سَيِّدُنَا مُحَمَّدٌ ﷺ مِنَ الغَارِ مُسْرِعًا، يَتَعَثَّرُ فِي خُطَاهُ، وَقَلْبُهُ يَخْفِقُ بِشِدَّةٍ ، لَمْ يَذْهَبْ إِلَى صَدِيقٍ، وَلَا إِلَى زَعِيمِ قَبِيلَةٍ. ذَهَبَ إِلَى "زَوْجَتِهِ"، دَخَلَ عَلَى السَّيِّدَةِ خَدِيجَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا وَهُوَ يَقُولُ: "زَمِّلُونِي زَمِّلُونِي" (غَطُّونِي)، غَطَّتْهُ حَتَّى ذَهَبَ عَنْهُ الرَّوْعُ (الخَوْفُ). ثُمَّ أَخْبَرَهَا الخَبَرَ وَقَالَ جُمْلَةً تُعَبِّرُ عَنْ بَشَرِيَّتِهِ: "لَقَدْ خَشِيتُ عَلَى نَفْسِي"، هُنَا.. تَجَلَّتْ عَظَمَةُ هَذِهِ المَرْأَةِ. لَمْ تَصْرُخْ، وَلَمْ تَجْزَعْ، بَلْ قَالَتْ كَلِمَاتٍ خَالِدَةً تُكْتَبُ بِمَاءِ الذَّهَبِ، اسْتَدَلَّتْ فِيهَا بِـ "قَانُونِ الأَخْلَاقِ" عَلَى "صِدْقِ الغَيْبِ"، قَالَتْ لَهُ:"كَلَّا! وَاللَّهِ مَا يُخْزِيكَ اللَّهُ أَبَدًا.. إِنَّكَ لَتَصِلُ الرَّحِمَ، وَتَحْمِلُ الكَلَّ (تُعِينُ الضَّعِيفَ)، وَتَكْسِبُ المَعْدُومَ (تُعْطِي الفَقِيرَ)، وَتَقْرِي الضَّيْفَ (تُكْرِمُهُ)، وَتُعِينُ عَلَى نَوَائِبِ الحَقِّ".
مَنْطِقُ خَدِيجَةَ:كَانَتْ تَقُولُ لَهُ: "يَا مُحَمَّدُ، تَارِيخُكَ الأَخْلَاقِيُّ يَمْنَعُ أَنْ يَتَخَلَّى اللهُ عَنْكَ. مَنْ كَانَ فِيهِ هَذَا الخَيْرُ لِلنَّاسِ، لَا يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ عُرْضَةً لِلشَّيَاطِينِ، بَلْ هُوَ مَحَلٌّ لِرِعَايَةِ رَبِّ العَالَمِينَ"، آمَنَتْ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَدْعُوَهَا، لِأَنَّهَا كَانَتْ تُؤْمِنُ بِـ "أَخْلَاقِهِ".
وَرَقَةُ بْنُ نَوْفَلٍ.. شَاهِدُ أَهْلِ الكِتَابِ: وَلِتَزِيدَهُ اطْمِئْنَانًا، انْطَلَقَتْ بِهِ إِلَى ابْنِ عَمِّهَا "وَرَقَةَ بْنِ نَوْفَلٍ"، وَكَانَ شَيْخًا كَبِيرًا قَدْ تَنَصَّرَ وَقَرَأَ الكُتُبَ القَدِيمَةَ ، فَلَمَّا سَمِعَ مِنْهُ، قَالَ وَرَقَةُ بِانْفِعَالٍ: "هَذَا النَّامُوسُ (صَاحِبُ السِّرِّ/جِبْرِيلُ) الَّذِي نَزَلَ عَلَى مُوسَى"، ثُمَّ قَالَ كَلِمَةً صَدَمَتِ النَّبِيَّ ﷺ: "يَا لَيْتَنِي فِيهَا جَذَعًا (شَابًّا قَوِيًّا)، لَيْتَنِي أَكُونُ حَيًّا إِذْ يُخْرِجُكَ قَوْمُكَ"، فَسَأَلَ النَّبِيُّ ﷺ مُسْتَنْكِرًا: "أَوَمُخْرِجِيَّ هُمْ؟!" (كَيْفَ يُخْرِجُونَنِي وَأَنَا الصَّادِقُ الأَمِينُ الَّذِي يُحِبُّونَنِي؟)، قَالَ وَرَقَةُ: "نَعَمْ، لَمْ يَأْتِ رَجُلٌ قَطُّ بِمِثْلِ مَا جِئْتَ بِهِ إِلَّا عُودِيَ"، كَانَ هَذَا هُوَ الدَّرْسَ الأَوَّلَ فِي "ضَرِيبَةِ الدَّعْوَةِ". مَحَبَّةُ النَّاسِ لَكَ وَأَنْتَ صَامِتٌ شَيْءٌ، وَعَدَاؤُهُمْ لَكَ عِنْدَمَا تُوَاجِهُ بَاطِلَهُمْ شَيْءٌ آخَرُ.
الاِخْتِبَارُ النَّفْسِيُّ الصَّعْبُ
بَعْدَ هَذَا اللِّقَاءِ، انْقَطَعَ الوَحْيُ ، لَمْ يَنْزِلْ جِبْرِيلُ لِيَوْمٍ، وَلَا لِأُسْبُوعٍ، بَلْ لِمُدَّةٍ طَوِيلَةٍ (قِيلَ أَشْهُرٌ).
عَاشَ فِيهَا النَّبِيُّ ﷺ حُزْنًا شَدِيدًا. هَلْ قَلَانِي رَبِّي (تَرَكَنِي)؟ هَلْ كُنْتُ وَاهِمًا؟ كَانَ هَذَا "اخْتِبَارَ الشَّوْقِ". أَرَادَ اللهُ أَنْ يَشْتَاقَ قَلْبُ النَّبِيِّ ﷺ لِلْوَحْيِ بَعْدَ أَنْ ذَاقَ حَلَاوَتَهُ، وَأَنْ يَتَأَكَّدَ أَنَّ الأَمْرَ لَيْسَ بِيَدِهِ، بَلْ بِيَدِ اللهِ مَتَى شَاءَ أَنْزَلَهُ ، وَفِي يَوْمٍ، بَيْنَمَا هُوَ يَمْشِي، سَمِعَ صَوْتًا مِنَ السَّمَاءِ، فَرَفَعَ بَصَرَهُ فَإِذَا المَلَكُ الَّذِي جَاءَهُ بِحِرَاءٍ جَالِسٌ عَلَى كُرْسِيٍّ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ ، فَرُعِبَ مِنْهُ، وَرَجَعَ يَقُولُ: "دَثِّرُونِي دَثِّرُونِي" ، فَأَنْزَلَ اللهُ: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ * قُمْ فَأَنْذِرْ﴾ ، انْتَهَى عَهْدُ النَّوْمِ يَا مُحَمَّدُ، "قُمْ": لَقَدْ حَانَ وَقْتُ العَمَلِ ، "فَأَنْذِرْ": هَذِهِ هِيَ المُهِمَّةُ ، وَمِنْ هُنَا.. بَدَأَتِ الرِّحْلَةُ الشَّاقَّةُ. رِحْلَةُ الدَّعْوَةِ الَّتِي سَتُغَيِّرُ وَجْهَ البَشَرِيَّةِ، وَلَكِنَّهَا سَتُدْمِي قَدَمَيِ النَّبِيِّ الكَرِيمِ.
الدَّعْوَةُ السِّرِّيَّةُ
بِنَاءُ القَاعِدَةِ الصُّلْبَةِ (ثَلَاثُ سَنَوَاتٍ مِنَ العَمَلِ الصَّامِتِ)
نَزَلَ الأَمْرُ الإِلَهِيُّ: ﴿قُمْ فَأَنْذِرْ﴾، وَلَكِنْ.. كَيْفَ يَبْدَأُ رَجُلٌ وَاحِدٌ فِي مُوَاجَهَةِ عَالَمٍ غَارِقٍ فِي الوَثَنِيَّةِ؟
لَوْ خَرَجَ النَّبِيُّ ﷺ فَوْرًا إِلَى الكَعْبَةِ وَصَرَخَ فِي النَّاسِ، لَقَتَلُوهُ أَوْ سَخِرُوا مِنْهُ، وَلَمَاتَتِ الدَّعْوَةُ فِي مَهْدِهَا.
لِذَلِكَ، كَانَتِ الحِكْمَةُ تَقْتَضِي "السِّرِّيَّةَ". لَيْسَ خَوْفًا عَلَى حَيَاةِ النَّبِيِّ ﷺ (فَقَدْ تَكَفَّلَ اللهُ بِعِصْمَتِهِ)، وَلَكِنْ خَوْفًا عَلَى "الفِكْرَةِ" الوَلِيدَةِ قَبْلَ أَنْ يَشْتَدَّ عُودُهَا.
الاِخْتِيَارُ النَّوْعِيُّ (الرَّعِيلُ الأَوَّلُ): بَدَأَ النَّبِيُّ ﷺ يَعْرِضُ الإِسْلَامَ عَلَى "النُّخْبَةِ" الَّذِينَ يَتَوَسَّمُ فِيهِمُ الخَيْرَ وَرَجَاحَةَ العَقْلِ ، لَمْ يَكُنْ يَبْحَثُ عَنِ "الكَمِّ"، بَلْ عَنِ "الكَيْفِ".
* خَدِيجَةُ بِنْتُ خُوَيْلِدٍ: (أَوَّلُ مَنْ آمَنَ مِنَ النِّسَاءِ). السَّكَنُ وَالمَأْوَى.
* عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ: (أَوَّلُ مَنْ آمَنَ مِنَ الصِّبْيَانِ). كَانَ فِي العَاشِرَةِ مِنْ عُمْرِهِ، يَتَرَبَّى فِي حِجْرِ النَّبِيِّ. دَمٌ ثَائِرٌ وَفِطْرَةٌ نَقِيَّةٌ لَمْ تَسْجُدْ لِصَنَمٍ.
* زَيْدُ بْنُ حَارِثَةَ: (أَوَّلُ مَنْ آمَنَ مِنَ المَوَالِي). العَبْدُ الَّذِي فَضَّلَ مُحَمَّدًا ﷺ عَلَى أَبِيهِ وَقَوْمِهِ قَبْلَ النُّبُوَّةِ، فَكَيْفَ لَا يُصَدِّقُهُ بَعْدَهَا؟
* أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ: (أَوَّلُ مَنْ آمَنَ مِنَ الرِّجَالِ الأَحْرَارِ). وَهُنَا كَانَتِ النُّقْطَةُ الفَاصِلَةُ.
أَبُو بَكْرٍ لَمْ يَكُنْ رَجُلًا عَادِيًّا؛ كَانَ نَسَّابَةَ العَرَبِ، تَاجِرًا مَحْبُوبًا، صَاحِبَ خُلُقٍ. بِمُجَرَّدِ أَنْ سَمِعَ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ، لَمْ يَتَلَجْلَجْ (لَمْ يَتَرَدَّدْ) لَحْظَةً.
أَبُو بَكْرٍ.. دَاعِيَةٌ مُنْذُ اللَّحْظَةِ الأُولَى: لَمْ يَكْتَفِ أَبُو بَكْرٍ بِإِسْلَامِهِ، بَلْ تَحَرَّكَ فَوْرًا. جَاءَ بِصَفْوَةِ شَبَابِ مَكَّةَ: (عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ، الزُّبَيْرُ بْنُ العَوَّامِ، عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ، سَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ، طَلْحَةُ بْنُ عُبَيْدِ اللهِ)، تَخَيَّلُوا.. هَؤُلَاءِ هُمُ "العَشَرَةُ المُبَشَّرُونَ بِالجَنَّةِ"، أَغْلَبُهُمْ جَاءَ عَنْ طَرِيقِ رَجُلٍ وَاحِدٍ!
أَوَّلُ مَدْرَسَةٍ لِتَرْبِيَةِ الأَرْوَاحِ
ازْدَادَ عَدَدُ المُسْلِمِينَ قَلِيلًا (بَلَغُوا نَحْوَ أَرْبَعِينَ رَجُلًا وَامْرَأَةً). كَانَ لَابُدَّ مِنْ "مَقَرٍّ" لِلتَّرْبِيَةِ وَالتَّعْلِيمِ بَعِيدًا عَنْ أَعْيُنِ قُرَيْشٍ ، اخْتَارَ النَّبِيُّ ﷺ "دَارَ الأَرْقَمِ بْنِ أَبِي الأَرْقَمِ".
لِمَاذَا دَارُ الأَرْقَمِ؟ (عَبْقَرِيَّةُ الاِخْتِيَارِ):
* مَوْقِعُهَا: كَانَتْ عِنْدَ الصَّفَا، فِي قَلْبِ مَكَّةَ، حَيْثُ لَا يَشُكُّ أَحَدٌ أَنَّ اجْتِمَاعًا سِرِّيًّا يَتِمُّ هُنَاكَ.
* صَاحِبُهَا: الأَرْقَمُ كَانَ فَتًى صَغِيرًا (16 سَنَةً) مِنْ بَنِي مَخْزُومٍ (قَبِيلَةُ أَبِي جَهْلٍ، المُحَارِبَةُ لِبَنِي هَاشِمٍ). فَلَنْ يَخْطُرَ بِبَالِ قُرَيْشٍ أَنَّ مُحَمَّدًا يَجْتَمِعُ فِي عُقْرِ دَارِ عَدُوِّهِ.
مَاذَا كَانُوا يَدْرُسُونَ؟
لَمْ يَدْرُسُوا فِقْهًا وَلَا أَحْكَامًا (لَمْ تَكُنْ قَدْ فُرِضَتْ بَعْدُ). كَانُوا يَدْرُسُونَ مَادَّةً وَاحِدَةً: "الإِيمَانَ".
* تَصْحِيحُ التَّصَوُّرِ: مَنِ اللهُ؟ مَا هِيَ الآخِرَةُ؟ مَا قِيمَةُ الدُّنْيَا؟
* تَزْكِيَةُ النَّفْسِ: التَّخَلُّصُ مِنْ جَاهِلِيَّةِ العَصَبِيَّةِ، وَالكِبْرِ، وَعِبَادَةِ الذَّاتِ.
كَانَ النَّبِيُّ ﷺ "يُفْرِغُ" قُلُوبَهُمْ مِنْ أَصْنَامِ الجَاهِلِيَّةِ، وَ "يَمْلَؤُهَا" بِنُورِ التَّوْحِيدِ.
فَخَرَجَ مِنْ هَذِهِ الدَّارِ "جِيلٌ فَرِيدٌ" لَمْ تَعْرِفِ البَشَرِيَّةُ مِثْلَهُ، جِيلٌ صُلْبٌ كَالفُولَاذِ فِي عَقِيدَتِهِ، رَقِيقٌ كَالنَّسِيمِ فِي أُخُوَّتِهِ.
مِنْ هَمْسِ الغِيرَانِ.. إِلَى صَيْحَةِ الجَبَلِ
بَعْدَ ثَلَاثِ سَنَوَاتٍ، نَزَلَ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ﴾، انْتَهَى عَهْدُ السِّرِّ. جَاءَ وَقْتُ الْمُوَاجَهَةِ ، وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ:بَدَأَ النَّبِيُّ ﷺ بِأَقَارِبِهِ أَوَّلًا. دَعَا بَنِي هَاشِمٍ لِوَلِيمَةٍ، وَحَاوَلَ أَنْ يُكَلِّمَهُمْ، فَقَاطَعَهُ عَمُّهُ "أَبُو لَهَبٍ" وَشَوَّشَ عَلَيْهِ. فَدَعَاهُمْ مَرَّةً أُخْرَى، وَتَكَلَّمَ بِكَلِمَاتٍ مِلْؤُهَا الشَّفَقَةُ: "يَا بَنِي عَبْدِ المُطَّلِبِ، إِنِّي وَاللهِ مَا أَعْلَمُ شَابًّا فِي العَرَبِ جَاءَ قَوْمَهُ بِأَفْضَلَ مِمَّا جِئْتُكُمْ بِهِ، إِنِّي جِئْتُكُمْ بِخَيْرِ الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ"، تَعَهَّدَ عَمُّهُ "أَبُو طَالِبٍ" بِحِمَايَتِهِ رَغْمَ بَقَائِهِ عَلَى دِينِ قَوْمِهِ، بَيْنَمَا أَعْلَنَ "أَبُو لَهَبٍ" عَدَاوَتَهُ الصَّرِيحَةَ.
صَيْحَةُ جَبَلِ الصَّفَا (البَلَاغُ العَامُّ): صَعِدَ النَّبِيُّ ﷺ عَلَى جَبَلِ الصَّفَا، وَنَادَى بِأَعْلَى صَوْتِهِ: "وَا صَبَاحَاهْ" (صَيْحَةُ تَحْذِيرٍ عِنْدَ العَرَبِ لِلْخَطَرِ الدَّاهِمِ)، اجْتَمَعَتْ قُرَيْشٌ. كُلُّ بَيْتٍ أَرْسَلَ مَنْ يُمَثِّلُهُ.
وَقَفَ النَّبِيُّ ﷺ وَسَأَلَهُمْ سُؤَالًا عَبْقَرِيًّا لِيُقِيمَ عَلَيْهِمُ الحُجَّةَ بِمَاضِيهِ مَعَهُمْ: "أَرَأَيْتَكُمْ لَوْ أَخْبَرْتُكُمْ أَنَّ خَيْلًا بِالوَادِي تُرِيدُ أَنْ تُغِيرَ عَلَيْكُمْ، أَكُنْتُمْ مُصَدِّقِيَّ؟"قَالُوا بِلِسَانٍ وَاحِدٍ: "نَعَمْ، مَا جَرَّبْنَا عَلَيْكَ إِلَّا صِدْقًا".
أَنْتَ "الصَّادِقُ الأَمِينُ" عِنْدَنَا.
هُنَا أَلْقَى النَّبِيُّ ﷺ قُنْبُلَتَهُ: "فَإِنِّي نَذِيرٌ لَكُمْ بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ"، حَدَثَتِ الصَّدْمَة ، خَرَجَ "أَبُو لَهَبٍ" -وَهُوَ عَمُّهُ- وَقَالَ: "تَبًّا لَكَ سَائِرَ اليَوْمِ! أَلِهَذَا جَمَعْتَنَا؟"، فَنَزَلَتْ: ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ﴾.
انْكَسَرَ حَاجِزُ الصَّمْتِ. عَرَفَتْ مَكَّةُ كُلُّهَا أَنَّ مُحَمَّدًا يَدْعُو لِدِينٍ جَدِيدٍ يُسَفِّهُ أَحْلَامَهُمْ وَيَعِيبُ آلِهَتَهُمْ.
وَمِنْ هُنَا.. بَدَأَتْ مَعْرَكَةُ "الاضْطِهَادِ" وَ "الثَّبَاتِ".
فُنُونُ التَّعْذِيبِ.. وَثَبَاتُ الجِبَالِ
أَدْرَكَتْ قُرَيْشٌ أَنَّ السُّخْرِيَةَ وَالاسْتِهْزَاءَ لَمْ تُوقِفِ الزَّحْفَ المُقَدَّسَ. بَلْ إِنَّ "النُّورَ" يَتَسَلَّلُ إِلَى بُيُوتِهِمْ.
هُنَا.. قَرَّرَ طُغَاةُ مَكَّةَ (أَبُو جَهْلٍ، أُمَيَّةُ بْنُ خَلَفٍ، وَغَيْرُهُمْ) اسْتِخْدَامَ لُغَةِ الجَسَدِ: "التَّعْذِيبَ".
صَبُّوا جَامَ غَضَبِهِمْ عَلَى "المُسْتَضْعَفِينَ" الَّذِينَ لَا قَبِيلَةَ تَحْمِيهِمْ.
1. بِلَالُ بْنُ رَبَاحٍ.. صَوْتُ الحُرِّيَّةِ:كَانَ عَبْدًا حَبَشِيًّا لِأُمَيَّةَ بْنِ خَلَفٍ ، كَانَ أُمَيَّةُ يُخْرِجُهُ فِي الظَّهِيرَةِ، عِنْدَمَا تَصِيرُ رِمَالُ مَكَّةَ كَالجَمْرِ، فَيَطْرَحُهُ عَلَى ظَهْرِهِ، ثُمَّ يَأْمُرُ بِصَخْرَةٍ عَظِيمَةٍ فَتُوضَعُ عَلَى صَدْرِهِ، وَيَقُولُ لَهُ: "لَا تَزَالُ هَكَذَا حَتَّى تَمُوتَ أَوْ تَكْفُرَ بِمُحَمَّدٍ"، وَفِي هَذَا المَوْقِفِ الَّذِي يَنْسَى فِيهِ الإِنْسَانُ اسْمَهُ مِنَ الأَلَمِ، كَانَ بِلَالٌ لَا يَقُولُ إِلَّا كَلِمَةً وَاحِدَةً، زَلْزَلَتْ كِيَانَ سَيِّدِهِ: "أَحَدٌ.. أَحَدٌ"، لَمْ يَكُنْ بِلَالٌ يَتَحَدَّى، بَلْ كَانَ يُعْلِنُ انْتِصَارَ "رُوحِهِ" عَلَى "جَسَدِهِ". جَسَدُهُ مَمْلُوكٌ لِأُمَيَّةَ، لَكِنَّ قَلْبَهُ مَمْلُوكٌ لِلْوَاحِدِ الأَحَدِ، اشْتَرَاهُ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ وَأَعْتَقَهُ، لِيُصْبِحَ بَعْدَ ذَلِكَ "سَيِّدًا" مِنْ سَادَاتِ المُسْلِمِينَ.
2. آلُ يَاسِرٍ.. مَوْكِبُ الشُّهَدَاءِ:أُسْرَةٌ كَامِلَةٌ مِنَ المُسْتَضْعَفِينَ: الأَبُ (يَاسِرٌ)، الأُمُّ (سُمَيَّةُ)، وَالابْنُ (عَمَّارٌ)، كَانَ بَنُو مَخْزُومٍ يُعَذِّبُونَهُمْ بِالنَّارِ. وَكَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَمُرُّ بِهِمْ، وَقَلْبُهُ يَتَفَطَّرُ أَلَمًا لِأَنَّهُ لَا يَمْلِكُ دَفْعَ الضُّرِّ عَنْهُمْ، فَيَقُولُ لَهُمْ مُوَاسِيًا: "صَبْرًا آلَ يَاسِرٍ.. فَإِنَّ مَوْعِدَكُمُ الجَنَّةُ"، مَاتَ الأَبُ تَحْتَ التَّعْذِيبِ.
أَمَّا الأُمُّ "سُمَيَّةُ بِنْتُ خَيَّاطٍ"، فَقَدْ أَغْلَظَ لَهَا أَبُو جَهْلٍ فِي القَوْلِ، فَرَدَّتْ عَلَيْهِ بِقُوَّةِ الإِيمَانِ، فَطَعَنَهَا بِحَرْبَةٍ فِي مَوْطِنِ عِفَّتِهَا، فَمَاتَتْ ، كَانَتْ "أَوَّلَ شَهِيدَةٍ فِي الإِسْلَامِ"، امْرَأَةٌ عَجُوزٌ ضَعِيفَةٌ تَنَالُ هَذَا الوِسَامَ قَبْلَ الرِّجَالِ، لِنَعْلَمَ أَنَّ هَذَا الدِّينَ لَمْ يَقُمْ عَلَى أَكْتَافِ الرِّجَالِ فَقَطْ.
عِنْدَمَا حَاوَلُوا شِرَاءَ الشَّمْسِ
فَشِلَ التَّعْذِيبُ فِي وَقْفِ الدَّعْوَةِ، بَلْ زَادَهَا صَلَابَةً ، لَجَأَتْ قُرَيْشٌ إِلَى "القُوَّةِ النَّاعِمَةِ": التَّفَاوُضِ وَالإِغْرَاءِ ، أَرْسَلُوا أَدْهَى عُقَلَائِهِمْ "عُتْبَةَ بْنَ رَبِيعَةَ" لِيُفَاوِضَ النَّبِيَّ ﷺ ، جَلَسَ عُتْبَةُ أَمَامَ النَّبِيِّ ﷺ وَقَالَ بِلُغَةِ التَّاجِرِ:"يَا ابْنَ أَخِي.. إِنْ كُنْتَ تُرِيدُ بِمَا جِئْتَ بِهِ مَالًا جَمَعْنَا لَكَ حَتَّى تَكُونَ أَكْثَرَنَا مَالًا.
وَإِنْ كُنْتَ تُرِيدُ شَرَفًا سَوَّدْنَاكَ عَلَيْنَا (جَعَلْنَاكَ سَيِّدًا) ، وَإِنْ كُنْتَ تُرِيدُ مُلْكًا مَلَّكْنَاكَ عَلَيْنَا، وَإِنْ كَانَ هَذَا الَّذِي يَأْتِيكَ رِئْيًا (مَرَضًا نَفْسِيًّا) بَذَلْنَا لَكَ الأَمْوَالَ فِي الطِّبِّ حَتَّى نُبْرِئَكَ"، اسْتَمَعَ النَّبِيُّ ﷺ بِأَدَبٍ جَمٍّ حَتَّى فَرَغَ عُتْبَةُ، ثُمَّ قَالَ: "أَفَرَغْتَ يَا أَبَا الوَلِيدِ؟". قَالَ: نَعَمْ ، قَالَ: "فَاسْمَعْ مِنِّي"، ثُمَّ تَلَا عَلَيْهِ فَوَاتِحَ سُورَةِ "فُصِّلَتْ" ، ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ * حم * تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ * كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ...﴾، أَخَذَ القُرْآنُ يَنْسَابُ كَالسِّحْرِ الحَلَالِ، يَقْرَعُ سَمْعَ عُتْبَةَ وَيَهُزُّ كِيَانَهُ، حَتَّى وَصَلَ النَّبِيُّ ﷺ إِلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَإِنْ أَعْرَضُوا فَقُلْ أَنْذَرْتُكُمْ صَاعِقَةً مِثْلَ صَاعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ﴾، هُنَا لَمْ يَتَمَالَتْ عُتْبَةُ نَفْسَهُ، فَوَضَعَ يَدَهُ عَلَى فَمِ النَّبِيِّ ﷺ وَنَاشَدَهُ الرَّحِمَ أَنْ يَسْكُتَ، خَوْفًا مِنْ أَنْ يَنْزِلَ العَذَابُ ، رَجَعَ عُتْبَةُ إِلَى قُرَيْشٍ بِوَجْهٍ غَيْرِ الَّذِي ذَهَبَ بِهِ، وَقَالَ لَهُمْ: "إِنِّي سَمِعْتُ قَوْلًا وَاللهِ مَا هُوَ بِالشِّعْرِ وَلَا بِالسِّحْرِ.. أَطِيعُونِي وَخَلُّوا بَيْنَ هَذَا الرَّجُلِ وَبَيْنَ مَا هُوَ فِيهِ" ، لَكِنَّ الكِبْرَ مَنَعَهُمْ، وَاتَّهَمُوا عُتْبَةَ بِأَنَّ مُحَمَّدًا قَدْ سَحَرَهُ.
البَحْثُ عَنْ أَرْضٍ تَتَنَفَّسُ الحُرِّيَّةَ
اشْتَدَّ البَلَاءُ، وَأَصْبَحَتْ مَكَّةُ سِجْنًا كَبِيرًا لِلْمُؤْمِنِينَ ، هَنَا تَجَلَّتْ "حِكْمَةُ القَائِدِ" وَ "الرَّحْمَةُ بِالأَتْبَاعِ". لَمْ يَأْمُرْهُمُ النَّبِيُّ ﷺ بِالمُوَاجَهَةِ الانْتِحَارِيَّةِ، بَلْ أَمَرَهُمْ بِـ "المُنَاوَرَةِ"، نَظَرَ النَّبِيُّ ﷺ فِي خَرِيطَةِ العَالَمِ حَوْلَهُ، وَأَشَارَ إِلَى "الحَبَشَةِ" (إِثْيُوبِيَا حَالِيًّا)، لِمَاذَا الحَبَشَةُ؟ قَالَ لَهُمْ: "إِنَّ بِهَا مَلِكًا لَا يُظْلَمُ عِنْدَهُ أَحَدٌ".
إِنَّهُ "النَّجَاشِيُّ". مَلِكٌ نَصْرَانِيٌّ، لَكِنَّهُ "عَادِلٌ". وَالعَدْلُ هُوَ أَرْضِيَّةُ الأَمَانِ الَّتِي يُمْكِنُ أَنْ يَعِيشَ فِيهَا الدِّينُ ، خَرَجَ عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ وَزَوْجَتُهُ رُقَيَّةُ (بِنْتُ النَّبِيِّ ﷺ) وَمَعَهُمْ كَوْكَبَةٌ مِنَ الصَّحَابَةِ، مُتَسَلِّلِينَ تَحْتَ جُنْحِ الظَّلَامِ، لِيَرْكَبُوا البَحْرَ نَحْوَ المَجْهُولِ، فِرَارًا بِدِينِهِمْ ، كَانَتْ هَذِهِ "أَوَّلَ هِجْرَةٍ" فِي الإِسْلَامِ.
دَرْسٌ بَلِيغٌ يُعَلِّمُنَا أَنَّ الأَرْضَ إِذَا ضَاقَتْ بِالحَقِّ، فَإِنَّ أَرْضَ اللهِ وَاسِعَةٌ، وَأَنَّ الحِفَاظَ عَلَى الدِّينِ وَالنَّفْسِ مُقَدَّمٌ عَلَى البَقَاءِ فِي الأَوْطَانِ إِذَا انْعَدَمَتِ الحُرِّيَّةُ.
إِسْلَامُ العَمَالِقَةِ
حَمْزَةُ وَعُمَرُ.. حِينَ يَتَحَوَّلُ العِدَاءُ إِلَى فِدَاءٍ
كَانَ المُسْلِمُونَ يَعِيشُونَ فِي خَوْفٍ، يُصَلُّونَ سِرًّا، وَيَتَوَارَوْنَ عَنْ أَعْيُنِ قُرَيْشٍ. وَفَجْأَةً.. حَدَثَ مَا لَمْ يَكُنْ فِي حُسْبَانِ أَحَدٍ. دَخَلَ فِي الإِسْلَامِ "أَقْوَى رَجُلَيْنِ" فِي مَكَّةَ.
1. حَمْزَةُ بْنُ عَبْدِ المُطَّلِبِ (أَسَدُ اللهِ):
كَانَ رَجُلًا يَهَابُهُ الجَمِيعُ، صَاحِبَ قُوَّةٍ وَشَكِيمَةٍ، يَقْضِي وَقْتَهُ فِي الصَّيْدِ وعَادَ يَوْمًا مِنْ صَيْدِهِ، فَأَخْبَرَتْهُ جَارِيَةٌ أَنَّ "أَبَا جَهْلٍ" قَدْ سَبَّ ابْنَ أَخِيهِ "مُحَمَّدًا" سَبًّا قَبِيحًا، وَمُحَمَّدٌ سَاكِتٌ لَا يَرُدُّ ، ثَارَتْ "النَّخْوَةُ الهَاشِمِيَّةُ" فِي دَمِ حَمْزَةَ. انْطَلَقَ لَا يَلْوِي عَلَى شَيْءٍ حَتَّى وَصَلَ إِلَى الكَعْبَةِ، وَوَقَفَ عَلَى رَأْسِ أَبِي جَهْلٍ وَرَفَعَ قَوْسَهُ وَضَرَبَهُ بِهَا ضَرْبَةً شَجَّتْ رَأْسَهُ، وَصَرَخَ فِيهِ: "أَتَشْتِمُهُ وَأَنَا عَلَى دِينِهِ؟! أَقُولُ مَا يَقُولُ، فَرُدَّ ذَلِكَ عَلَيَّ إِنِ اسْتَطَعْتَ"، قَالَهَا انْتِصَارًا لِكَرَامَةِ ابْنِ أَخِيهِ، لَكِنَّ اللهَ شَرَحَ صَدْرَهُ لَهَا حَقًّا، فَأَصْبَحَ حِصْنًا لِلْمُسْلِمِينَ.
2. عُمَرُ بْنُ الخَطَّابِ (الفَارُوقُ):كَانَ يَدْعُو النَّبِيُّ ﷺ: "اللَّهُمَّ أَعِزَّ الإِسْلَامَ بِأَحَبِّ هَذَيْنِ الرَّجُلَيْنِ إِلَيْكَ: بِأَبِي جَهْلٍ أَوْ بِعُمَرَ بْنِ الخَطَّابِ"، وَكَانَ عُمَرُ هُوَ الأَحَبَّ، كَانَ عُمَرُ قَبْلَ إِسْلَامِهِ شَدِيدًا عَلَى المُسْلِمِينَ، حَتَّى إِنَّهُ حَمَلَ سَيْفَهُ يَوْمًا يُرِيدُ قَتْلَ النَّبِيِّ ﷺ لِيُرِيحَ قُرَيْشًا مِنْهُ ، وَفِي طَرِيقِهِ، عَلِمَ بِإِسْلَامِ أُخْتِهِ "فَاطِمَةَ" وَزَوْجِهَا. ذَهَبَ إِلَيْهِمَا غَاضِبًا، وَسَمِعَ القُرْآنَ يُتْلَى فِي بَيْتِهِمَا: ﴿طه * مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَىٰ﴾، لَمَسَتِ الآيَاتُ قَلْبَهُ القَاسِيَ فَلَانَ. تَحَوَّلَ الغَضَبُ إِلَى خُشُوعٍ ،ذَهَبَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فِي دَارِ الأَرْقَمِ، وَأَعْلَنَ إِسْلَامَهُ. فَدَوَّى التَّكْبِيرُ فِي الدَّارِ حَتَّى سُمِعَ فِي الطُّرُقَاتِ.
أَوَّلُ مَسِيرَةٍ عَسْكَرِيَّةٍ: َبعْدَ إِسْلَامِ عُمَرَ، قَالَ لِلنَّبِيِّ ﷺ: "أَلَسْنَا عَلَى الحَقِّ؟". قَالَ: "بَلَى". قَالَ: "فَفِيمَ الِاخْتِفَاءُ؟"، خَرَجَ المُسْلِمُونَ فِي صَفَّيْنِ: عَلَى رَأْسِ أَحَدِهِمَا "حَمْزَةُ"، وَعَلَى رَأْسِ الآخَرِ "عُمَرُ". مَشَوْا حَتَّى دَخَلُوا المَسْجِدَ الحَرَامَ. نَظَرَتْ قُرَيْشٌ إِلَيْهِمْ، فَأَصَابَتْهَا كَآبَةٌ لَمْ تُصِبْهَا مِثْلُهَا قَطُّ ، لَقَدْ أَصْبَحَ لِلْحَقِّ قُوَّةٌ تَحْمِيهِ.
الشِّعْبُ.. وَسِلَاحُ المُقَاطَعَةِ
جُنَّ جُنُونُ قُرَيْشٍ. قَتْلُ النَّبِيِّ ﷺ مُسْتَحِيلٌ لِأَنَّ بَنِي هَاشِمٍ (بِمُسْلِمِهِمْ وَكَافِرِهِمْ) سَيُدَافِعُونَ عَنْهُ حَمِيَّةً.
فَتَفَتَّقَتْ أَذْهَانُهُمْ عَنْ "سِلَاحٍ شَيْطَانِيٍّ": "الحِصَارُ الاقْتِصَادِيُّ وَالاجْتِمَاعِيُّ"وكَتَبُوا "صَحِيفَةً" ظَالِمَةً: لَا نَبِيعُ لِبَنِي هَاشِمٍ وَلَا نَشْتَرِي مِنْهُمْ، وَلَا نُزَوِّجُهُمْ وَلَا نَتَزَوَّجُ مِنْهُمْ، حَتَّى يُسَلِّمُوا لَنَا مُحَمَّدًا لِلْقَتْلِ. وَعَلَّقُوا الصَّحِيفَةَ فِي جَوْفِ الكَعْبَةِ، انْحَازَ بَنُو هَاشِمٍ إِلَى "شِعْبِ أَبِي طَالِبٍ" (مَكَانٌ بَيْنَ الجِبَالِ).
وَاسْتَمَرَّ الحِصَارُ ثَلَاثَ سَنَوَاتٍ كَامِلَةً! أَكَلُوا فِيهَا أَوْرَاقَ الشَّجَرِ. كَانَ صَوْتُ بُكَاءِ الأَطْفَالِ مِنَ الجُوعِ يُسْمَعُ مِنْ وَرَاءِ الشِّعْبِ، فَيَتَلَذَّذُ بِهِ طُغَاةُ مَكَّةَ ، ثَبَتَ النَّبِيُّ ﷺ وَأَصْحَابُهُ ثَبَاتًا عَجِيبًا.
مُعْجِزَةُ الأَرَضَةِ:أَخْبَرَ اللهُ نَبِيَّهُ ﷺ أَنَّ "الأَرَضَةَ" (حَشَرَةَ الخَشَبِ) قَدْ أَكَلَتِ الصَّحِيفَةَ الظَّالِمَةَ، وَلَمْ تَتْرُكْ فِيهَا إِلَّا اسْمَ اللهِ "بِاسْمِكَ اللَّهُمَّ"، أَخْبَرَ النَّبِيُّ ﷺ عَمَّهُ أَبَا طَالِبٍ، فَذَهَبَ أَبُو طَالِبٍ لِقُرَيْشٍ وَتَحَدَّاهُمْ: "إِنْ كَانَ ابْنُ أَخِي صَادِقًا انْتَهَى الحِصَارُ، وَإِنْ كَانَ كَاذِبًا سَلَّمْتُهُ لَكُمْ"، فَتَحُوا الكَعْبَةَ، فَوَجَدُوهَا كَمَا قَالَ الصَّادِقُ المَصْدُوقُ ، انْهَارَ الحِصَارُ، وَخَرَجَ المُسْلِمُونَ أَقْوَى عُودًا وَأَصْلَبَ مَكْسِرًا.
غِيَابُ السَّنَدِ الأَرْضِيِّ
خَرَجُوا مِنَ الحِصَارِ، وَلَكِنَّ أَجْسَادَهُمْ كَانَتْ قَدْ أُنْهِكَتْ ، وَلَمْ تَمْضِ أَشْهُرٌ قَلِيلَةٌ حَتَّى وَقَعَتِ الكَارِثَةُ المُزْدَوِجَةُ.
* وَفَاةُ أَبِي طَالِبٍ: العَمُّ، الحَامِي السِّيَاسِيُّ، الَّذِي كَانَ يَكُفُّ أَذَى قُرَيْشٍ بِسُلْطَتِهِ. مَاتَ وَلَمْ يُسْلِمْ، فَكَانَ حُزْنُ النَّبِيِّ ﷺ عَلَيْهِ مُضَاعَفًا.
* وَفَاةُ خَدِيجَةَ: الحِصْنُ الدَّاخِلِيُّ، الزَّوْجَةُ، الحَبِيبَةُ، الوَزِيرَةُ. مَاتَتْ بَعْدَ أَنْ بَذَلَتْ مَالَهَا وَصِحَّتَهَا فِي سَبِيلِ الدَّعْوَةِ.
سُمِّيَ هَذَا العَامُ "عَامَ الحُزْنِ".
أَصْبَحَ النَّبِيُّ ﷺ وَحِيدًا بِلَا سَنَدٍ دَاخِلِيٍّ (خَدِيجَةَ) وَلَا حِمَايَةٍ خَارِجِيَّةٍ (أَبِي طَالِبٍ)، تَجَرَّأَتْ قُرَيْشٌ عَلَيْهِ كَمَا لَمْ تَتَجَرَّأْ مِنْ قَبْلُ، حَتَّى نَثَرُوا التُّرَابَ عَلَى رَأْسِهِ الشَّرِيفِ.
أَقْسَى يَوْمٍ فِي حَيَاةِ النَّبِيِّ
ضَاقَتْ مَكَّةُ، فَخَرَجَ النَّبِيُّ ﷺ يَبْحَثُ عَنْ أَرْضٍ جَدِيدَةٍ، ذَهَبَ إِلَى "الطَّائِفِ" (مَدِينَةِ ثَقِيفٍ)، يَمْشِي عَلَى قَدَمَيْهِ، يَأْمُلُ أَنْ يَجِدَ فِيهِمْ نُصْرَةً ، وَلَكِنْ.. كَانَ الرَّدُّ أَقْسَى مِمَّا تَخَيَّلَ ، سَخِرُوا مِنْهُ، وَأَغْرَوْا بِهِ سُفَهَاءَهُمْ وَصِبْيَانَهُمْ. وَقَفُوا لَهُ صَفَّيْنِ يَرْجُمُونَهُ بِالحِجَارَةِ حَتَّى أَدْمَوْا قَدَمَيْهِ الشَّرِيفَتَيْنِ، وَسَالَ الدَّمُ فِي نَعْلَيْهِ ، خَرَجَ مَهْمُومًا، مَكْرُوبًا، لَجَأَ إِلَى بُسْتَانٍ، وَرَفَعَ يَدَيْهِ إِلَى السَّمَاءِ بِدُعَاءٍ يَقْطُرُ عُبُودِيَّةً وَانْكِسَارًا:"اللَّهُمَّ إِلَيْكَ أَشْكُو ضَعْفَ قُوَّتِي، وَقِلَّةَ حِيلَتِي، وَهَوَانِي عَلَى النَّاسِ.. يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ، أَنْتَ رَبُّ المُسْتَضْعَفِينَ وَأَنْتَ رَبِّي، إِلَى مَنْ تَكِلُنِي؟..".
مَلَكُ الجِبَالِ:فِي هَذِهِ اللَّحْظَةِ، نَزَلَ جِبْرِيلُ وَمَعَهُ "مَلَكُ الجِبَالِ"، يَعْرِضُ عَلَيْهِ الاِنْتِقَامَ: "إِنْ شِئْتَ أَنْ أُطْبِقَ عَلَيْهِمُ الأَخْشَبَيْنِ (الجَبَلَيْنِ)"، لَوْ كَانَ قَائِدًا دُنْيَوِيًّا لَانْتَقَمَ لِكَرَامَتِهِ. لَكِنَّهُ "رَحْمَةٌ لِلْعَالَمِينَ".
قَالَ: "بَلْ أَرْجُو أَنْ يُخْرِجَ اللهُ مِنْ أَصْلَابِهِمْ مَنْ يَعْبُدُ اللهَ وَحْدَهُ".
لَمْ يَنْتَهِ المَشْهَدُ هُنَا. جَاءَهُ غُلَامٌ نَصْرَانِيٌّ اسْمُهُ "عَدَّاسٌ" بِقَطْفٍ مِنْ عِنَبٍ. فَلَمَّا سَمِعَ النَّبِيَّ ﷺ يُسَمِّي اللهَ، دَارَ حِوَارٌ قَصِيرٌ انْتَهَى بِأَنْ أَكَبَّ عَدَّاسٌ يُقَبِّلُ رَأْسَ النَّبِيِّ وَقَدَمَيْهِ ، كَأَنَّ اللهَ يَقُولُ لَهُ: إِنْ رَفَضَكَ أَهْلُ الأَرْضِ (أَهْلُ الطَّائِفِ)، فَقَدْ سَخَّرْنَا لَكَ هَذَا الغُلَامَ لِيَمْسَحَ عَلَى قَلْبِكَ، وَنُصْرَةُ السَّمَاءِ قَادِمَةٌ.
رِحْلَةُ الإِسْرَاءِ وَالمِعْرَاجِ
ضِيَافَةٌ فَوْقَ السَّبْعِ الطِّبَاقِ.. تَسْلِيَةُ الحَبِيبِ
بَعْدَ رِحْلَةِ الطَّائِفِ الدَّامِيَةِ، وَبَعْدَ أَنْ ضَاقَتْ أَرْضُ مَكَّةَ بِمَا رَحُبَتْ، أَرَادَ رَبُّ العِزَّةِ أَنْ يُكَرِّمَ عَبْدَهُ وَنَبِيَّهُ ﷺ تَكْرِيمًا لَمْ يَحْظَ بِهِ بَشَرٌ قَطُّ ، كَأَنَّ لِسَانَ الحَالِ يَقُولُ: "يَا مُحَمَّدُ، إِنْ كَانَ أَهْلُ الأَرْضِ قَدْ طَرَدُوكَ، فَإِنَّ رَبَّ السَّمَاءِ يَدْعُوكَ. وَإِنْ كَانَتْ أَبْوَابُ مَكَّةَ قَدْ أُغْلِقَتْ، فَإِنَّ أَبْوَابَ السَّمَاءِ السَّبْعَةَ مَفْتُوحَةٌ لَكَ".
الإِسْرَاءُ (الرِّحْلَةُ الأُفُقِيَّةُ): مِنَ المَسْجِدِ الحَرَامِ بِمَكَّةَ إِلَى المَسْجِدِ الأَقْصَى بِالقُدْسِ ، لِمَاذَا القُدْسُ؟ لِأَنَّهَا مَهْبِطُ الأَنْبِيَاءِ السَّابِقِينَ ، هُنَاكَ.. جَمَعَ اللهُ لَهُ الأَنْبِيَاءَ جَمِيعًا. مُوسَى، عِيسَى، إِبْرَاهِيمَ.. عَلَيْهِمُ السَّلَامُ ، وَتَقَدَّمَ جِبْرِيلُ لِيَقُولَ لِسَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ ﷺ: "تَقَدَّمْ يَا مُحَمَّدُ"، فَصَلَّى بِهِمْ إِمَامًا، لَمْ تَكُنْ مُجَرَّدَ صَلَاةٍ، بَلْ كَانَتْ مَرَاسِمَ "تَسْلِيمِ القِيَادَةِ". انْتَقَلَتْ رَايَةُ النُّبُوَّةِ وَقِيَادَةُ البَشَرِيَّةِ مِنَ بَنِي إِسْرَائِيلَ إِلَى هَذَا النَّبِيِّ العَرَبِيِّ وَأُمَّتِهِ.
المِعْرَاجُ (الرِّحْلَةُ الرَّأْسِيَّةُ): عُرِجَ بِهِ مِنَ الصَّخْرَةِ إِلَى السَّمَاوَاتِ العُلَى ، فِي كُلِّ سَمَاءٍ كَانَ يَلْتَقِي بِنَبِيٍّ يُرَحِّبُ بِهِ: "مَرْحَبًا بِالابْنِ الصَّالِحِ وَالنَّبِيِّ الصَّالِحِ"، حَتَّى وَصَلَ إِلَى "سِدْرَةِ المُنْتَهَى"، حَيْثُ يَنْتَهِي عِلْمُ الخَلَائِقِ، وَهُنَاكَ.. فُرِضَتِ "الصَّلَاةُ"، كلُّ الفَرَائِضِ نَزَلَتْ بِوَاسِطَةِ جِبْرِيلَ إِلَى الأَرْضِ، إِلَّا الصَّلَاةَ؛ لِعَظَمَتِهَا، رَفَعَ اللهُ نَبِيَّهُ إِلَيْهِ لِيَتَسَلَّمَهَا. لِتَبْقَى الصَّلَاةُ هِيَ "مِعْرَاجُ المُؤْمِنِ" الَّذِي يَصْعَدُ بِهِ كُلَّ يَوْمٍ خَمْسَ مَرَّاتٍ إِلَى رَبِّهِ ، عَادَ النَّبِيُّ ﷺ فِي نَفْسِ اللَّيْلَةِ، لِيُوَاجِهَ قُرَيْشًا بِهَذَا الخَبَرِ، فَازْدَادُوا تَكْذِيبًا، بَيْنَمَا قَالَ أَبُو بَكْرٍ كَلِمَتَهُ الَّتِي اسْتَحَقَّ بِهَا لَقَبَ الصِّدِّيقِ: "إِنْ كَانَ قَالَ فَقَدْ صَدَقَ".
يَثْرِبُ.. النُّورُ الَّذِي لَاحَ مِنْ بَعِيدٍ
أُغْلِقَتْ مَكَّةُ، وَأُغْلِقَتِ الطَّائِفُ. فَأَيْنَ المَخْرَجُ؟ كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَعْرِضُ نَفْسَهُ عَلَى القَبَائِلِ فِي مَوْسِمِ الحَجِّ: "مَنْ يُؤْوِينِي؟ مَنْ يَنْصُرُنِي حَتَّى أُبَلِّغَ رِسَالَةَ رَبِّي؟".
الِّلقَاءُ القَدَرِيُّ: عِنْدَ "عَقَبَةِ مِنًى"، التَقَى بِسِتَّةِ نَفَرٍ مِنْ شَبَابِ "يَثْرِبَ" (المَدِينَةِ)، كَانُوا مِنَ الخَزْرَجِ. وَكَانُوا جِيرَانًا لِلْيَهُودِ، وَكَانَ اليَهُودُ إِذَا اخْتَلَفُوا مَعَهُمْ قَالُوا لَهُمْ: "إِنَّ نَبِيًّا قَدْ أَظَلَّ زَمَانُهُ، سَنَتْبَعُهُ وَنَقْتُلُكُمْ مَعَهُ قَتْلَ عَادٍ وَإِرَمَ"، فَلَمَّا سَمِعَ الشَّبَابُ كَلَامَ النَّبِيِّ ﷺ، نَظَرَ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ وَقَالُوا: "يَا قَوْمُ، تَعْلَمُونَ وَاللهِ إِنَّهُ لَلنَّبِيُّ الَّذِي تُوعِدُكُمُ بِهِ يَهُودُ، فَلَا يَسْبِقُنَّكُمْ إِلَيْهِ"، أَسْلَمُوا.. وَحَمَلُوا الإِسْلَامَ إِلَى يَثْرِبَ.
بَيْعَةُ العَقَبَةِ الأُولَى وَالسَّفِيرُ الأَوَّلُ: فِي العَامِ التَّالِي، جَاءَ اثْنَا عَشَرَ رَجُلًا، وَبَايَعُوا النَّبِيَّ ﷺ بَيْعَةَ النِّسَاءِ (أَيْ عَلَى الطَّاعَةِ دُونَ قِتَالٍ)، وَأَرْسَلَ مَعَهُمْ أَوَّلَ سَفِيرٍ فِي الإِسْلَامِ: "مُصْعَبَ بْنَ عُمَيْرٍ".
مُصْعَبُ.. فَتَى مَكَّةَ المُدَلَّلُ، الذِّي تَرَكَ التَّرَفَ وَاخْتَارَ شَظَفَ العَيْشِ مَعَ الإِسْلَامِ. ذَهَبَ إِلَى المَدِينَةِ، وَبِحِكْمَتِهِ وَلِينِهِ وَقُرْآنِهِ، لَمْ يَبْقَ بَيْتٌ فِي المَدِينَةِ إِلَّا وَدَخَلَهُ الإِسْلَامُ ، أَسْلَمَ عَلَى يَدَيْهِ سَادَةُ المَدِينَةِ: سَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ وَ أُسَيْدُ بْنُ حُضَيْرٍ.
بَيْعَةُ العَقَبَةِ الثَّانِيَةِ (بَيْعَةُ الحَرْبِ وَالدَّمِ): فِي العَامِ الَّذِي يَلِيهِ، جَاءَ وَفْدٌ ضَخْمٌ: ثَلَاثَةٌ وَسَبْعُونَ رَجُلًا وَامْرَأَتَانِ (نُسَيْبَةُ بِنْتُ كَعْبٍ وَأَسْمَاءُ بِنْتُ عَمْرٍو)، اجْتَمَعُوا بِالنَّبِيِّ ﷺ سِرًّا فِي جَوْفِ اللَّيْلِ ، وَقَفَ العَبَّاسُ (عَمُّ النَّبِيِّ، وَكَانَ يَوْمَئِذٍ مُشْرِكًا لَكِنَّهُ جَاءَ لِيَتَوَثَّقَ لِابْنِ أَخِيهِ) وَقَالَ: "يَا مَعْشَرَ الخَزْرَجِ، إِنَّ مُحَمَّدًا مِنَّا حَيْثُ قَدْ عَلِمْتُمْ، وَهُوَ فِي مَنَعَةٍ مِنْ قَوْمِهِ، فَإِنْ كُنْتُمْ تَرَوْنَ أَنَّكُمْ وَافُونَ لَهُ بِمَا دَعَوْتُمُوهُ إِلَيْهِ وَمَانِعُوهُ مِمَّنْ خَالَفَهُ، فَأَنْتُمْ وَمَا تَحَمَّلْتُمْ"، قَالَ البَرَاءُ بْنُ مَعْرُورٍ (سَيِّدُهُمْ): "قَدْ سَمِعْنَا.. فَتَكَلَّمْ يَا رَسُولَ اللهِ، فَخُذْ لِنَفْسِكَ وَلِرَبِّكَ مَا شِئْتَ"، اشْتَرَطَ النَّبِيُّ ﷺ عَلَيْهِمْ أَنْ يَمْنَعُوهُ (يَحْمُوهُ) مِمَّا يَمْنَعُونَ مِنْهُ نِسَاءَهُمْ وَأَبْنَاءَهُمْ ، قَالُوا: "فَمَا لَنَا بِذَلِكَ يَا رَسُولَ اللهِ إِنْ نَحْنُ وَفَيْنَا؟"، هَلْ وَعَدَهُمْ بِمُلْكٍ؟ بِكُنُوزٍ؟ بِسِيَادَةِ العَرَبِ؟ لَا.. قَالَ كَلِمَةً وَاحِدَةً:"الجَنَّةُ".قَالُوا: "بَسَطْنَا أَيْدِيَنَا.. فَبَايِعْنَا".
تَمَّتِ الصَّفْقَةُ. وَأَصْبَحَتْ يَثْرِبُ دَارًا لِلْهِجْرَةِ.
الشَّيْطَانُ يُشَارِكُ فِي التَّخْطِيطِ
بَدَأَ المُسْلِمُونَ يَتَسَلَّلُونَ إِلَى المَدِينَةِ أَرْسَالًا (جَمَاعَاتٍ صَغِيرَةً)، أَدْرَكَتْ قُرَيْشٌ الخَطَرَ: مُحَمَّدٌ سَيَلْحَقُ بِهِمْ، وَسَتَكُونُ لَهُ دَوْلَةٌ وَقُوَّةٌ تُهَدِّدُ طُرُقَ تِجَارَتِهِمْ ، لَابُدَّ مِنْ حَلٍّ نِهَائِيٍّ اللَّيْلَةَ، اجْتَمَعَ زُعَمَاءُ قُرَيْشٍ فِي "دَارِ النَّدْوَةِ" (بَرْلَمَانِ مَكَّةَ). وَحَضَرَ مَعَهُمْ "شَيْخٌ نَجْدِيٌّ" (تَمَثَّلَ الشَّيْطَانُ فِي صُورَتِهِ لِيُشَارِكَ فِي أَهَمِّ اجْتِمَاعٍ فِي تَارِيخِ الشَّرِّ)، تَعَدَّدَتِ الآرَاءُ: نَحْبِسُهُ؟ نَنْفِيهِ؟ رَفَضَهَا الشَّيْخُ النَّجْدِيُّ كُلَّهَا، ثُمَّ تَكَلَّمَ "فِرْعَوْنُ هَذِهِ الأُمَّةِ" أَبُو جَهْلٍ بِرَأْيٍ شَيْطَانِيٍّ "نَأْخُذُ مِنْ كُلِّ قَبِيلَةٍ فَتًى جَلْدًا (قَوِيًّا)، وَنُعْطِي كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ سَيْفًا صَارِمًا، ثُمَّ يَعْمِدُونَ إِلَيْهِ فَيَضْرِبُونَهُ ضَرْبَةَ رَجُلٍ وَاحِدٍ، فَيَتَفَرَّقُ دَمُهُ فِي القَبَائِلِ، فَلَا يَقْدِرُ بَنُو هَاشِمٍ عَلَى حَرْبِ العَرَبِ جَمِيعًا"، صَاحَ الشَّيْخُ النَّجْدِيُّ: "القَوْلُ مَا قَالَ الرَّجُلُ".
لَيْلَةُ الفِدَاءِ وَالمُعْجِزَةِ: نَزَلَ جِبْرِيلُ بِالخَبَرِ: "لَا تَبِتْ فِي فِرَاشِكَ اللَّيْلَةَ"، كَانَ لَابُدَّ مِنْ "مُمَوِّهٍ" يَنَامُ مَكَانَ النَّبِيِّ ﷺ لِيَخْدَعَ المُحَاصِرِينَ، مَنْ يَفْدِيهِ بِنَفْسِهِ؟ إِنَّهُ الشَّابُ الَّذِي تَرَبَّى فِي بَيْتِ النُّبُوَّةِ: "عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ"، نَامَ عَلِيٌّ فِي الفِرَاشِ مُتَغَطِّيًا بِبُرْدِ النَّبِيِّ ﷺ، وَهُوَ يَعْلَمُ أَنَّ سُيُوفَ مَكَّةَ كُلَّهَا مَسْلُولَةٌ عَلَى هَذَا الفِرَاشِ ، خَرَجَ النَّبِيُّ ﷺ مِنْ بَيْنِهِمْ وَهُمْ مُحِيطُونَ بِبَابِهِ ، أَخَذَ حَفْنَةً مِنْ تُرَابٍ، وَذَرَّهَا عَلَى رُؤُوسِهِمْ وَهُوَ يَتْلُو: ﴿وَجَعَلْنَا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ﴾ ، أَعْمَى اللهُ أَبْصَارَهُمْ، فَمَرَّ "النُّورُ" مِنْ بَيْنِهِمْ وَلَمْ يَرَوْهُ.
فِي الغَارِ.. ثَانِيَ اثْنَيْنِ
تَوَجَّهَ النَّبِيُّ ﷺ إِلَى بَيْتِ الصِّدِّيقِ أَبِي بَكْرٍ. كَانَ أَبُو بَكْرٍ قَدْ جَهَّزَ رَاحِلَتَيْنِ وَانْتَظَرَ هَذِهِ اللَّحْظَةَ طَوِيلًا.
خَرَجَا مِنَ "بَابٍ خَلْفِيٍّ"، وَبَدَلًا مِنْ أَنْ يَتَّجِهَا شَمَالًا (نَحْوَ المَدِينَةِ)، اتَّجَهَا جَنُوبًا (عَكْسَ الطَّرِيقِ) لِلتَّمْوِيهِ، وَصَعِدَا إِلَى "غَارِ ثَوْرٍ".
فِي جَوْفِ الغَارِ: وَصَلَتْ قُرَيْشٌ بِأَقْصَاصِ الأَثَرِ إِلَى بَابِ الغَارِ تَمَامًا، لَوْ نَظَرَ أَحَدُهُمْ تَحْتَ قَدَمَيْهِ لَرَآهُمَا.
ارْتَجَفَ قَلْبُ أَبِي بَكْرٍ، لَيْسَ خَوْفًا عَلَى نَفْسِهِ، بَلْ عَلَى الدِّينَ كُلِّهِ، وَهَمَسَ: "يَا رَسُولَ اللهِ، لَوْ نَظَرَ أَحَدُهُمْ تَحْتَ قَدَمَيْهِ لَرَآنَا"، فَرَدَّ النَّبِيُّ ﷺ بِالْيَقِينِ الَّذِي لَا يَتَزَعْزَعُ:"يَا أَبَا بَكْرٍ.. مَا ظَنُّكَ بِاثْنَيْنِ اللهُ ثَالِثُهُمَا؟"، ﴿إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾ ، هَذِهِ "المَعِيَّةُ" هِيَ الَّتِي عَمَّتْ أَبْصَارَ المُشْرِكِينَ، فَانْصَرَفُوا، مَكَثَا فِي الغَارِ ثَلَاثَ لَيَالٍ، حَتَّى هَدَأَ الطَّلَبُ، ثُمَّ بَدَأَتِ الرِّحْلَةُ الطَّوِيلَةُ عَبْرَ الصَّحْرَاءِ إِلَى "يَثْرِبَ".. المَدِينَةِ المُنَوَّرَةِ.
اسْتِقْبَالُ الأَنْصَارِ
يَثْرِبُ تَخْلَعُ ثَوْبَ الحُزْنِ.. طَلَعَ البَدْرُ عَلَيْنَا
كَانَتِ المَدِينَةُ (يَثْرِبُ) تَعِيشُ عَلَى أَطْرَافِ أَصَابِعِهَا، مُنْذُ أَنْ سَمِعُوا بِخُرُوجِ النَّبِيِّ ﷺ مِنْ مَكَّةَ، وَهُمْ يَخْرُجُونَ كُلَّ صَبَاحٍ إِلَى ظَاهِرِ المَدِينَةِ (الحَرَّةِ)، يَنْتَظِرُونَ القَادِمَ العَظِيمَ، فَلَا يَرُدُّهُمْ إِلَّا حَرُّ الظَّهِيرَةِ.
وَفِي يَوْمِ الِاثْنَيْنِ، اشْتَدَّ الحَرُّ، وَعَادَ النَّاسُ لِبُيُوتِهِمْ، لَكِنَّ يَهُودِيًّا صَعِدَ عَلَى أُطُمٍ (حِصْنٍ) مِنْ آطَامِهِمْ لِحَاجَةٍ لَهُ، فَرَأَى رَجُلَيْنِ مُبَيَّضَيْنِ (يَلْبَسَانِ البَيَاضَ) يَزُولُ بِهِمَا السَّرَابُ ، لَمْ يَتَمَالَكِ اليَهُودِيُّ نَفْسَهُ، وَصَرَخَ بِأَعْلَى صَوْتِهِ: "يَا بَنِي قَيْلَةَ (يَعْنِي الأَنْصَارَ).. هَذَا جَدُّكُمْ (حَظُّكُمْ وَدَوْلَتُكُمْ) الَّذِي تَنْتَظِرُونَ".
ثَارَتِ المَدِينَةُ عَنْ بَكْرَةِ أَبِيهَا ، ارْتَجَّتِ البُيُوتُ بِالتَّكْبِيرِ: "اللهُ أَكْبَرُ.. جَاءَ رَسُولُ اللهِ"، خَرَجَ الرِّجَالُ بِسُيُوفِهِمْ، وَالنِّسَاءُ عَلَى الأَسْطُحِ، وَالأَطْفَالُ يَمْلَؤُونَ الطُّرُقَاتِ، الكُلُّ يَهْتِفُ فِي فَرَحٍ هِسْتِيرِيٍّ لَمْ تَشْهَدِ المَدِينَةُ مِثْلَهُ فِي تَارِيخِهَا:
طَلَعَ البَدْرُ عَلَيْنَا ... مِنْ ثَنِيَّاتِ الوَدَاعْ
وَجَبَ الشُّكْرُ عَلَيْنَا ... مَا دَعَا للهِ دَاعْ
أَيُّهَا المَبْعُوثُ فِينَا ... جِئْتَ بِالأَمْرِ المُطَاعْ
دَعُوهَا فَإِنَّهَا مَأْمُورَةٌ: أَحَاطَتِ القَبَائِلُ بِنَاقَتِهِ (القَصْوَاءِ). كُلُّ قَبِيلَةٍ تُرِيدُ أَنْ يَنْزِلَ عِنْدَهَا لِتَنَالَ الشَّرَفَ. يَأْخُذُونَ بِخِطَامِ النَّاقَةِ وَيَقُولُونَ: "انْزِلْ عِنْدَنَا يَا رَسُولَ اللهِ، فِي العَدَدِ وَالعُدَّةِ وَالمَنَعَةِ"، فَكَانَ يَبْتَسِمُ لَهُمْ وَيَقُولُ: "خَلُّوا سَبِيلَهَا، فَإِنَّهَا مَأْمُورَةٌ"، لَمْ يَخْتَرْ بَيْتَ أَحَدٍ حَتَّى لَا يَحْزَنَ الآخَرُونَ. تَرَكَ الِاخْتِيَارَ لِأَمْرِ اللهِ ، سَارَتِ النَّاقَةُ حَتَّى بَرَكَتْ فِي مَكَانٍ لِبَنِي النَّجَّارِ (أَخْوَالِ جَدِّهِ)، أَمَامَ بَيْتِ رَجُلٍ فَقِيرٍ هُوَ "أَبُو أَيُّوبَ الأَنْصَارِيُّ"، لَمْ يُصَدِّقْ أَبُو أَيُّوبَ فَرْحَتَهُ، حَمَلَ رَحْلَ النَّبِيِّ ﷺ إِلَى بَيْتِهِ، وَفَازَ بِشَرَفِ الضِّيَافَةِ.
وَمِنْ هُنَا.. تَحَوَّلَتْ "يَثْرِبُ" الَّتِي كَانَ اسْمُهَا يَعْنِي (التَّثْرِيبَ وَاللَّوْمَ) إِلَى "المَدِينَةِ المُنَوَّرَةِ" بِنُورِ النَّبِيِّ ﷺ.
المَسْجِدُ، وَالمُؤَاخَاةُ، وَالوَثِيقَةُ
لَمْ يَكُنِ النَّبِيُّ ﷺ مُجَرَّدَ وَاعِظٍ رُوحِيٍّ، بَلْ كَانَ "رَجُلَ دَوْلَةٍ" مِنَ الطِّرَازِ الأَوَّلِ، بِمُجَرَّدِ اسْتِقْرَارِهِ، بَدَأَ فِي وَضْعِ "الأَعْمِدَةِ الثَّلَاثَةِ" لِلْمُجْتَمَعِ الجَدِيدِ:
العَمُودُ الأَوَّلُ: المَسْجِدُ النَّبَوِيُّ (العَلَاقَةُ بِاللهِ):لَمْ يَبْنِ قَصْرًا لِنَفْسِهِ، وَلَا حِصْنًا لِجَيْشِهِ، بَلْ بَنَى مَسْجِدًا.
لِمَاذَا؟ لِأَنَّ المَسْجِدَ فِي الإِسْلَامِ لَيْسَ لِلصَّلَاةِ فَقَطْ. كَانَ:
* بَرْلَمَانًا لِلشُّورَى وَإِدَارَةِ الدَّوْلَةِ.
* مَدْرَسَةً لِلتَّعْلِيمِ وَمَحْوِ الأُمِّيَّةِ.
* مَأْوًى لِلْفُقَرَاءِ (أَهْلِ الصُّفَّةِ).
* مُسْتَشْفًى لِمُدَاوَاةِ الجَرْحَى.
شَارَكَ النَّبِيُّ ﷺ بِنَفْسِهِ فِي حَمْلِ اللَّبِنِ وَالحِجَارَةِ، وَكَانَ يَرْتَجِزُ مَعَهُمْ: "اللَّهُمَّ لَا عَيْشَ إِلَّا عَيْشُ الآخِرَهْ.. فَارْحَمِ الأَنْصَارَ وَالمُهَاجِرَهْ".
العَمُودُ الثَّانِي: المُؤَاخَاةُ (العَلَاقَةُ بَيْنَ المُؤْمِنِينَ): كَانَ هُنَاكَ تَحَدٍّ اقْتِصَادِيٌّ وَنَفْسِيٌّ خَطِيرٌ.
المُهَاجِرُونَ تَرَكُوا أَمْوَالَهُمْ وَدِيَارَهُمْ فِي مَكَّةَ وَجَاؤُوا فُقَرَاءَ. وَالأَنْصَارُ أَهْلُ زِرَاعَةٍ، عَقَدَ النَّبِيُّ ﷺ "نِظَامَ المُؤَاخَاةِ"، أَخَى بَيْنَ كُلِّ مُهَاجِرِيٍّ وَأَنْصَارِيٍّ، لَمْ تَكُنْ مُؤَاخَاةً شَكْلِيَّةً، بَلْ "شَرَاكَةً حَقِيقِيَّةً" فِي المَالِ وَالبَيْتِ وَالعَمَلِ.
* مَوْقِفٌ خَالِدٌ: عَرَضَ سَعْدُ بْنُ الرَّبِيعِ (أَنْصَارِيٌّ) عَلَى عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ (مُهَاجِرِيٍّ) أَنْ يُنَاصِفَهُ مَالَهُ وَبَيْتَهُ، وَأَنْ يُطَلِّقَ إِحْدَى زَوْجَتَيْهِ لِيَتَزَوَّجَهَا هُوَ! فَرَدَّ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بِعِفَّةِ المُؤْمِنِ: "بَارَكَ اللهُ لَكَ فِي أَهْلِكَ وَمَالِكَ.. دُلَّنِي عَلَى السُّوقِ"، هَذَا التَّكَافُلُ قَضَى عَلَى "الغُرْبَةِ النَّفْسِيَّةِ" وَ "الفَجْوَةِ الاقْتِصَادِيَّةِ".
العَمُودُ الثَّالِثُ: وَثِيقَةُ المَدِينَةِ (العَلَاقَةُ مَعَ غَيْرِ المُسْلِمِينَ):
كَانَ فِي المَدِينَةِ قَبَائِلُ مِنَ اليَهُودِ (بَنُو قَيْنُقَاعَ، بَنُو النَّضِيرِ، بَنُو قُرَيْظَةَ) وَبَقَايَا مِنَ المُشْرِكِينَ.
كَتَبَ النَّبِيُّ ﷺ "أَوَّلَ دُسْتُورٍ مَدَنِيٍّ" فِي التَّارِيخِ، نَظَّمَ فِيهِ العَلَاقَةَ بَيْنَ سُكَّانِ المَدِينَةِ جَمِيعًا.
* أَقَرَّ لِلْيَهُودِ دِينَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ (حُرِّيَّةُ العَقِيدَةِ).
* جَعَلَ الدِّفَاعَ عَنِ المَدِينَةِ مَسْؤُولِيَّةً مُشْتَرَكَةً (المُوَاطَنَةُ).
* حَرَّمَ إِحْدَاثَ الفِتَنِ.
بِهَذِهِ الأَعْمِدَةِ الثَّلَاثَةِ، تَحَوَّلَ مُجْتَمَعُ يَثْرِبَ القَبَلِيُّ المُتَنَاحِرُ (الأَوْسُ وَالخَزْرَجُ) إِلَى "أُمَّةٍ وَاحِدَةٍ"، جَسَدٍ صُلْبٍ يَسْتَعِدُّ لِمُوَاجَهَةِ العَالَمِ.
يَوْمُ الفُرْقَانِ
بَدْرٌ الكُبْرَى.. حِينَ نَزَلَتِ السَّمَاءُ لِتُقَاتِلَ فِي الأَرْضِ
ظَلَّ المُسْلِمُونَ ثَلَاثَ عَشْرَةَ سَنَةً فِي مَكَّةَ مَمْنُوعِينَ مِنَ الدِّفَاعِ عَنْ أَنْفُسِهِمْ، كَانَ الشِّعَارُ: ﴿كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ ، فَلَمَّا أَقَامُوا دَوْلَتَهُمْ فِي المَدِينَةِ، وَعَادَتْهُمُ العَرَبُ، نَزَلَ الإِذْنُ الإِلَهِيُّ الحَاسِمُ: ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا ۚ وَإِنَّ اللَّهَ عَلَىٰ نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ﴾.
السَّبَبُ المُبَاشِرُ (القَافِلَةُ): سَمِعَ النَّبِيُّ ﷺ أَنَّ قَافِلَةً لِقُرَيْشٍ مُحَمَّلَةً بِالأَمْوَالِ (هِيَ فِي الأَصْلِ أَمْوَالُ المُهَاجِرِينَ المَنْهُوبَةُ) تَمُرُّ قُرْبَ المَدِينَةِ بِقِيَادَةِ "أَبِي سُفْيَانَ"، خَرَجَ النَّبِيُّ ﷺ فِي (313) رَجُلًا، لَا يُرِيدُونَ حَرْبًا، بَلْ يُرِيدُونَ اسْتِرْدَادَ بَعْضِ حُقُوقِهِمْ وَإِضْعَافَ قُرَيْشٍ اقْتِصَادِيًّا، نَجَا أَبُو سُفْيَانَ بِالقَافِلَةِ بِدَهَائِهِ، وَلَكِنَّ "أَبَا جَهْلٍ" أَصَرَّ عَلَى الحَرْبِ بَطَرًا وَرِئَاءَ النَّاسِ، وَخَرَجَ بِجَيْشٍ قِوَامُهُ (1000) مُقَاتِلٍ مُدَجَّجِينَ بِالسِّلَاحِ.
اللِّقَاءُ غَيْرُ المُتَكَافِئِ: وَجَدَ المُسْلِمُونَ أَنْفُسَهُمْ فِي مُوَاجَهَةِ جَيْشٍ يَفُوقُهُمْ ثَلَاثَةَ أَضْعَافٍ، اسْتَشَارَ النَّبِيُّ ﷺ أَصْحَابَهُ (وَخَاصَّةً الأَنْصَارَ، لِأَنَّ بَيْعَتَهُمْ كَانَتْ لِلدِّفَاعِ دَاخِلَ المَدِينَةِ)، فَقَامَ "سَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ" وَقَالَ كَلِمَاتٍ مِنْ نُورٍ: "وَاللهِ لَوِ اسْتَعْرَضْتَ بِنَا هَذَا البَحْرَ فَخُضْتَهُ لَخُضْنَاهُ مَعَكَ.. صِلْ مَنْ شِئْتَ، وَاقْطَعْ مَنْ شِئْتَ، وَسَالِمْ مَنْ شِئْتَ، وَعَادِ مَنْ شِئْتَ"، سُرَّ وَجْهُ النَّبِيِّ ﷺ وَقَالَ: "سِيرُوا وَأَبْشِرُوا، فَإِنَّ اللهَ وَعَدَنِي إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ (القَافِلَةَ أَوِ النَّصْرَ)".
لَيْلَةُ الدُّعَاءِ وَالتَّضَرُّعِ: فِي لَيْلَةِ المَعْرَكَةِ، نَامَ الجَيْشُ كُلُّهُ إِلَّا رَجُلًا وَاحِدًا، كَانَ النَّبِيُّ ﷺ قَائِمًا تَحْتَ شَجَرَةٍ يَبْكِي وَيَدْعُو: "اللَّهُمَّ أَنْجِزْ لِي مَا وَعَدْتَنِي.. اللَّهُمَّ إِنْ تَهْلِكْ هَذِهِ العِصَابَةُ (الجَمَاعَةُ) مِنْ أَهْلِ الإِسْلَامِ لَا تُعْبَدْ فِي الأَرْضِ"، ظَلَّ يَدْعُو حَتَّى سَقَطَ رِدَاؤُهُ عَنْ كَتِفَيْهِ، فَأَشْفَقَ عَلَيْهِ أَبُو بَكْرٍ وَقَالَ: "يَا رَسُولَ اللهِ، كَفَاكَ مُنَاشَدَتَكَ رَبَّكَ، فَإِنَّهُ سَيُنْجِزُ لَكَ مَا وَعَدَكَ".
المَعْرَكَةُ وَالمَدَدُ السَّمَاوِيُّ: التَقَى الجَمْعَانِ فِي صَبِيحَةِ السَّابِعَ عَشَرَ مِنْ رَمَضَانَ، بَدَأَتِ المُبَارَزَةُ، فَقَتَلَ حَمْزَةُ وَعَلِيٌّ وَعُبَيْدَةُ فُرْسَانَ قُرَيْشٍ ، ثُمَّ الْتَحَمَ الجَيْشَانِ ، وَهُنَا.. فُتِحَتْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ. لَمْ يُقَاتِلِ المُسْلِمُونَ وَحْدَهُمْ ، ﴿إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلَائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا﴾، أَلْفٌ مِنَ المَلَائِكَةِ مُسَوِّمِينَ، يَقُودُهُمْ جِبْرِيلُ، يُشَارِكُونَ فِي ضَرْبِ الأَعْنَاقِ وَتَثْبِيتِ القُلُوبِ ، انْتَهَتِ المَعْرَكَةُ بِنَصْرٍ سَاحِقٍ. قُتِلَ سَبْعُونَ مِنْ صَنَادِيدِ قُرَيْشٍ (وَعَلَى رَأْسِهِمْ فِرْعَوْنُ الأُمَّةِ أَبُو جَهْلٍ)، وَأُسِرَ سَبْعُونَ ، كَانَ يَوْمًا سَمَّاهُ اللهُ "يَوْمَ الفُرْقَانِ"، لِأَنَّهُ فَرَّقَ بَيْنَ الحَقِّ وَالبَاطِلِ، وَأَعْلَنَ مِيلَادَ "القُوَّةِ الإِسْلَامِيَّةِ".
غَزْوَةُ بَنِي قَيْنُقَاعَ
أَوَّلُ نَقْضٍ لِلْعَهْدِ.. وَطَهَارَةُ المُجْتَمَعِ
بَعْدَ انْتِصَارِ المُسْلِمِينَ فِي بَدْرٍ، اشْتَعَلَتْ نَارُ الحَسَدِ فِي قُلُوبِ اليَهُودِ ، كَانَ بَنُو قَيْنُقَاعَ (وَهُمْ صَاغَةُ الذَّهَبِ وَتُجَّارُهُ فِي المَدِينَةِ) أَكْثَرَ اليَهُودِ شَجَاعَةً وَحِقْدًا ، قَالُوا لِلنَّبِيِّ ﷺ بِتَبَجُّحٍ: "يَا مُحَمَّدُ، لَا يَغُرَّنَّكَ مِنْ نَفْسِكَ أَنَّكَ قَتَلْتَ نَفَرًا مِنْ قُرَيْشٍ (أَيْ فِي بَدْرٍ) كَانُوا أَغْمَارًا (قَلِيلِي الخِبْرَةِ)، فَإِنَّكَ لَوْ قَاتَلْتَنَا لَعَرَفْتَ أَنَّا نَحْنُ النَّاسُ".
الشَّرَارَةُ (كَرَامَةُ امْرَأَةٍ مُسْلِمَةٍ): ذَهَبَتْ امْرَأَةٌ مُسْلِمَةٌ إِلَى سُوقِهِمْ لِتَبِيعَ ذَهَبًا، فَرَاوَدُوهَا عَنْ كَشْفِ وَجْهِهَا فَأَبَتْ. فَقَامَ صَائِغٌ يَهُودِيٌّ بِرَبْطِ طَرَفِ ثَوْبِهَا إِلَى ظَهْرِهَا دُونَ أَنْ تَشْعُرَ، فَلَمَّا قَامَتِ انْكَشَفَتْ سَوْأَتُهَا، فَضَحِكُوا عَلَيْهَا! صَاحَتِ المَرْأَةُ، فَوَثَبَ رَجُلٌ مُسْلِمٌ عَلَى اليَهُودِيِّ فَقَتَلَهُ، فَتَجَمَّعَ اليَهُودُ عَلَى المُسْلِمِ فَقَتَلُوهُ ، نُبِذَ العَهْدُ. وَحَاصَرَهُمُ النَّبِيُّ ﷺ خَمْسَةَ عَشَرَ لَيْلَةً حَتَّى نَزَلُوا عَلَى حُكْمِهِ.
وَكَانَ حُكْمُهُ "الإِجْلَاءَ". أَنْ يَخْرُجُوا مِنَ المَدِينَةِ، لِأَنَّ الغَدْرَ لَا مَكَانَ لَهُ فِي دَوْلَةِ الإِسْلَامِ. فَخَرَجُوا إِلَى "أَذْرِعَاتٍ" بِالشَّامِ، وَتَطَهَّرَتِ المَدِينَةُ مِنْ شَرِّهِمْ.
دَرْسُ أُحُدٍ القَاسِي
عِنْدَمَا تُخَالِفُ الرُّمَاةُ الأَمْرَ.. يَتَحَوَّلُ النَّصْرُ إِلَى هَزِيمَةٍ
بَعْدَ عَامٍ مِنْ بَدْرٍ، جَمَعَتْ قُرَيْشٌ جَيْشًا لِلْثَّأْرِ (3000 مُقَاتِلٍ) ، خَرَجَ النَّبِيُّ ﷺ إِلَى جَبَلِ "أُحُدٍ" فِي (700) مُقَاتِلٍ ، وَضَعَ النَّبِيُّ ﷺ خُطَّةً عَبْقَرِيَّةً. وَضَعَ خَمْسِينَ رَامِيًا عَلَى جَبَلٍ صَغِيرٍ خَلْفَ الجَيْشِ، وَأَعْطَاهُمْ أَمْرًا عَسْكَرِيًّا صَارِمًا لَا يَقْبَلُ التَّأْوِيلَ:"احْمُوا ظُهُورَنَا.. لَا تَبْرَحُوا مَكَانَكُمْ، سَوَاءً رَأَيْتُمُونَا انْتَصَرْنَا أَوْ تُخُطِّفْنَا الطَّيْرُ.. لَا تَنْزِلُوا أَبَدًا"، بِدَايَةُ المَعْرَكَةِ (النَّصْرُ):دَارَتِ المَعْرَكَةُ، وَانْتَصَرَ المُسْلِمُونَ فِي البِدَايَةِ، وَفَرَّتْ قُرَيْشٌ، وَبَدَأَ المُسْلِمُونَ يَجْمَعُونَ الغَنَائِمَ.
اللَّحْظَةُ الفَاصِلَةُ (مُخَالَفَةُ الأَمْرِ): رَأَى الرُّمَاةُ الغَنَائِمَ، فَسَالَتْ لُعَابُهُمْ لِلدُّنْيَا. نَسُوا الأَمْرَ النَّبَوِيَّ المُشَدَّدَ، قَالُوا: "انْتَهَتِ المَعْرَكَةُ، فَلْنَنْزِلْ لِنَأْخُذَ نَصِيبَنَا". حَاوَلَ قَائِدُهُمْ "عَبْدُ اللهِ بْنُ جُبَيْرٍ" مَنْعَهُمْ، فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا، وَنَزَلَ الأَغْلَبِيَّةُ، وَبَقِيَ القِلَّةُ.
الاِلْتِفَافُ وَالكَمِينُ: لَمَحَ "خَالِدُ بْنُ الوَلِيدِ" (وَكَانَ قَائِدَ فُرْسَانِ المُشْرِكِينَ يَوْمَئِذٍ) خُلُوَّ الجَبَلِ ، كَرَّ رَاجِعًا بِخَيْلِهِ، وَصَعِدَ الجَبَلَ، وَقَتَلَ بَقِيَّةَ الرُّمَاةِ، ثُمَّ نَزَلَ عَلَى جَيْشِ المُسْلِمِينَ مِنَ الخَلْفِ ، وَقَعَ المُسْلِمُونَ بَيْنَ شِقَّيِ الرَّحَى. تَحَوَّلَ النَّصْرُ إِلَى فَوْضَى وَقَتْلٍ.
مَصَائِبُ ذَلِكَ اليَوْمِ:
* اسْتُشْهِدَ حَمْزَةُ: (أَسَدُ اللهِ)، وَمُثِّلَ بِجُثَّتِهِ.
* أُشِيعَ مَقْتَلُ النَّبِيِّ ﷺ: صَرَخَ صَارِخٌ: "أَلَا إِنَّ مُحَمَّدًا قَدْ قُتِلَ". فَأَلْقَى كَثِيرٌ مِنَ الصَّحَابَةِ سِلَاحَهُمْ يَأْسًا.
* أُصِيبَ النَّبِيُّ ﷺ: كُسِرَتْ رَبَاعِيَتُهُ (سِنُّهُ)، وَشُجَّ وَجْهُهُ، وَدَخَلَتْ حَلَقَاتُ المِغْفَرِ (الخُوذَةِ) فِي وَجْنَتِهِ، وَسَالَ دَمُهُ الشَّرِيفُ.
تَجَمَّعَ حَوْلَهُ نَفَرٌ قَلِيلٌ (أَبُو بَكْرٍ، عُمَرُ، طَلْحَةُ، سَعْدٌ) يَفْدُونَهُ بِأَرْوَاحِهِمْ، حَتَّى انْحَازُوا بِهِ إِلَى الجَبَلِ وَنَجَوْا.
الدَّرْسُ القُرْآنِيُّ: لَمْ يَنْتَهِ المَوْقِفُ بِالْبُكَاءِ، بَلْ نَزَلَ القُرْآنُ يُعَلِّمُ الأُمَّةَ دَرْسًا لَا يُنْسَى: ﴿وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ (تَقْتُلُونَهُمْ) بِإِذْنِهِ ۖ حَتَّىٰ إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَعَصَيْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا أَرَاكُمْ مَا تُحِبُّونَ (النَّصْرَ) ۚ مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ﴾ ، كَانَ دَرْسًا قَاسِيًا، وَلَكِنَّهُ ضَرُورِيٌّ: "النَّصْرُ مَرْهُونٌ بِالطَّاعَةِ، وَالدُّنْيَا إِذَا زَاحَمَتِ الآخِرَةَ فِي قُلُوبِ الجُنْدِ، وَقَعَتِ الهَزِيمَةُ وَلَوْ كَانَ القَائِدُ رَسُولَ اللهِ".
غَزْوَةُ بَنِي النَّضِيرِ
مُؤَامَرَةُ اغْتِيَالِ النَّبِيِّ.. وَالحَشْرُ الأَوَّلُ
بَعْدَ "أُحُدٍ"، ظَنَّ المُنَافِقُونَ وَاليَهُودُ أَنَّ شَوْكَةَ المُسْلِمِينَ قَدِ انْكَسَرَتْ ، تَجَرَّأَ "بَنُو النَّضِيرِ" (القَبِيلَةُ الثَّانِيَةُ مِنَ اليَهُودِ) عَلَى التَّخْطِيطِ لِأَخْبَثِ جَرِيمَةٍ ، ذَهَبَ إِلَيْهِمُ النَّبِيُّ ﷺ يَسْتَعِينُ بِهِمْ فِي دِيَةٍ (حَسَبَ العَهْدِ بَيْنَهُمْ). أَجْلَسُوهُ تَحْتَ جِدَارٍ، وَقَالُوا: "نَعَمْ يَا أَبَا القَاسِمِ، انْتَظِرْ"، ثُمَّ خَلَا بَعْضُهُمْ بِبَعْضٍ وَقَالُوا: "مَنْ رَجُلٌ يَصْعَدُ فَوْقَ الجِدَارِ فَيُلْقِي عَلَيْهِ صَخْرَةً فَيُرِيحَنَا مِنْهُ؟"، نَزَلَ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلَامُ بِالخَبَرِ مِنَ السَّمَاءِ فَوْرًا ، قَامَ النَّبِيُّ ﷺ مُسْرِعًا كَأَنَّهُ يَقْضِي حَاجَةً، وَعَادَ إِلَى المَدِينَةِ، وَجَهَّزَ الجَيْشَ لِحِصَارِهِمْ ، تَحَصَّنُوا فِي حُصُونِهِمْ المَنِيعَةِ، وَظَنُّوا أَنَّهُمْ مَانِعَتُهُمْ حُصُونُهُمْ مِنَ اللهِ ، فَأَتَاهُمُ اللهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا.. قَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ ، وطَلَبُوا الخُرُوجَ مِنَ المَدِينَةِ، فَوَافَقَ النَّبِيُّ ﷺ عَلَى أَنْ يَخْرُجُوا وَلَهُمْ مَا حَمَلَتِ الإِبِلُ إِلَّا السِّلَاحَ ، كَانُوا يُخَرِّبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ حَتَّى لَا يَسْتَفِيدَ مِنْهَا المُسْلِمُونَ، ثُمَّ خَرَجُوا إِلَى "خَيْبَرَ" ، وَنَزَلَتْ فِيهِمْ سُورَةُ "الحَشْرِ" كَامِلَةً.
عِنْدَمَا تَحَزَّبَ العَالَمُ ضِدَّ النُّورِ
مَرَّتِ السَّنَوَاتُ، وَأَدْرَكَتْ قُرَيْشٌ أَنَّ المَعَارِكَ الفَرْدِيَّةَ (بَدْرٌ وَأُحُدٌ) لَنْ تَقْضِيَ عَلَى الإِسْلَامِ ، فَقَرَّرُوا تَنْفِيذَ "الضَّرْبَةِ القَاضِيَةِ"، تَحَالَفَتْ قُرَيْشٌ مَعَ قَبَائِلِ غَطَفَانَ، وَمَعَ يَهُودِ خَيْبَرَ، لِتَجْهِيزِ جَيْشٍ لَمْ تَرَ العَرَبُ مِثْلَهُ: (10,000) مُقَاتِلٍ ، الخُطَّةُ وَاضِحَةٌ: حِصَارُ المَدِينَةِ، إِبَادَةُ الرِّجَالِ، وَسَبْيُ النِّسَاءِ، وَمَحْوُ دَوْلَةِ مُحَمَّدٍ ﷺ مِنَ الوُجُودِ.
سَلْمَانُ وَفِكْرَةُ الخَنْدَقِ: وَصَلَ الخَبَرُ لِلنَّبِيِّ ﷺ. عَدَدُ المُسْلِمِينَ (3000) فَقَطْ. المَدِينَةُ مَكْشُوفَةٌ أَمَامَ هَذَا الطُّوفَانِ ، عَقَدَ النَّبِيُّ ﷺ مَجْلِسًا عَسْكَرِيًّا طَارِئًا ، قَامَ الصَّحَابِيُّ الفَارِسِيُّ "سَلْمَانُ" وَقَالَ: "يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّا كُنَّا بِأَرْضِ فَارِسَ إِذَا حُوصِرْنَا خَنْدَقْنَا عَلَيْنَا"، كَانَتْ فِكْرَةً عَبْقَرِيَّةً لَمْ تَعْهَدْهَا العَرَبُ ،أَمَرَ النَّبِيُّ ﷺ بِحَفْرِ خَنْدَقٍ عَرِيضٍ وَعَمِيقٍ فِي الجِهَةِ الشَّمَالِيَّةِ المَكْشُوفَةِ لِلْمَدِينَةِ.
الخِيَانَةُ العُظْمَى (الطَّعْنَةُ فِي الظَّهْرِ):فُوجِئَ الأَحْزَابُ بِالخَنْدَقِ، فَفَرَضُوا حِصَارًا خَانِقًا، وَفِي عِزِّ البَرْدِ وَالجُوعِ وَالخَوْفِ، جَاءَتِ الكَارِثَةُ، "يَهُودُ بَنِي قُرَيْظَةَ" (الَّذِينَ يَسْكُنُونَ فِي جَنُوبِ المَدِينَةِ، أَيْ فِي ظَهْرِ المُسْلِمِينَ) نَقَضُوا العَهْدَ، وَتَحَالَفُوا مَعَ قُرَيْشٍ ، أَصْبَحَ المُسْلِمُونَ بَيْنَ فَكَّيْ كَمَّاشَةٍ: الأَحْزَابُ مِنْ أَمَامِهِمْ، وَاليَهُودُ مِنْ خَلْفِهِمْ (حَيْثُ النِّسَاءُ وَالأَطْفَالُ).
وَصَفَ اللهُ المَشْهَدَ بِدِقَّةٍ مُرْعِبَةٍ: ﴿إِذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا﴾.
نُعَيْمُ بْنُ مَسْعُودٍ (رَجُلٌ بِأُمَّةٍ): فِي هَذِهِ اللحْظَةِ، جَاءَ رَجُلٌ اسْمُهُ "نُعَيْمُ بْنُ مَسْعُودٍ" أَسْلَمَ سِرًّا.
قَالَ: "يَا رَسُولَ اللهِ، مُرْنِي". قَالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ كَلِمَةً وَاحِدَةً: "خَذِّلْ عَنَّا مَا اسْتَطَعْتَ، فَإِنَّ الحَرْبَ خُدْعَةٌ".
قَامَ نُعَيْمٌ بِدَوْرٍ اسْتِخْبَارَاتِيٍّ مُذْهِلٍ. ذَهَبَ لِلْيَهُودِ وَخَوَّفَهُمْ مِنْ غَدْرِ قُرَيْشٍ، وَذَهَبَ لِقُرَيْشٍ وَخَوَّفَهُمْ مِنْ غَدْرِ اليَهُودِ. زَرَعَ "الشَّكَّ" بَيْنَ الحُلَفَاءِ حَتَّى تَفَكَّكَ التَّحَالُفُ.
جُنُودُ اللهِ (الرِّيحُ): بَقِيَتِ الضَّرْبَةُ الأَخِيرَةُ.. وَهِيَ مِنْ عِنْدِ اللهِ وَحْدَهُ ، أَرْسَلَ اللهُ عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا بَارِدَةً فِي لَيْلَةٍ مُظْلِمَةٍ ، اقْتَلَعَتْ خِيَامَهُمْ، وَقَلَبَتْ قُدُورَهُمْ، وَقَذَفَتِ الرُّعْبَ فِي قُلُوبِهِمْ ، فَرَّ أَبُو سُفْيَانَ وَجُنُودُهُ لَا يَلْوُونَ عَلَى شَيْءٍ ، وَفِي الصَّبَاحِ، وَقَفَ النَّبِيُّ ﷺ يَنْظُرُ لِلْمَيْدَانِ الفَارِغِ وَيَقُولُ: "لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ.. صَدَقَ وَعْدَهُ، وَنَصَرَ عَبْدَهُ، وَأَعَزَّ جُنْدَهُ، وَهَزَمَ الأَحْزَابَ وَحْدَهُ"، وَمِنْ يَوْمِهَا، قَالَ ﷺ: "الآنَ نَغْزُوهُمْ وَلَا يَغْزُونَنَا". انْتَهَى عَهْدُ الدِّفَاعِ، وَبَدَأَ عَهْدُ الهُجُومِ.
النَّصْرُ المُبِينُ.. بِغَيْرِ سَيْفٍ
بَعْدَ عَامٍ، رَأَى النَّبِيُّ ﷺ رُؤْيَا أَنَّهُ يَدْخُلُ المَسْجِدَ الحَرَامَ مُعْتَمِرًا ، خَرَجَ مَعَهُ (1400) صَحَابِيٍّ، لَا يَحْمِلُونَ إِلَّا "السِّلَاحَ الشَّخْصِيَّ" (سِلَاحَ المُسَافِرِ)، مُرْتَدِينَ مَلَابِسَ الإِحْرَامِ، لِيُعْلِنُوا لِلْعَالَمِ أَنَّهُمْ جَاؤُوا زُوَّارًا لَا مُحَارِبِينَ.
مَنْعُ قُرَيْشٍ: وَصَلُوا إِلَى "الحُدَيْبِيَةِ" (عَلَى أَطْرَافِ مَكَّةَ). بَرَكَتِ النَّاقَةُ القَصْوَاءُ ، أَدْرَكَ النَّبِيُّ ﷺ أَنَّهَا إِشَارَةٌ لِلوُقُوفِ. أَرْسَلَتْ قُرَيْشٌ تَمْنَعُهُمْ بِالقُوَّةِ ، بَدَأَتِ المُفَاوَضَاتُ. وَانْتَهَتْ بِاتِّفَاقٍ بَدَا "مُجْحِفًا" لِلْمُسْلِمِينَ فِي ظَاهِرِهِ.
شُرُوطُ الصُّلْحِ القَاسِيَةُ:
* يَرْجِعُ المُسْلِمُونَ هَذَا العَامَ بِلَا عُمْرَةٍ.
* وَقْفُ الحَرْبِ لِمُدَّةِ عَشْرِ سَنَوَاتٍ (هُدْنَةٌ).
* مَنْ جَاءَ مُحَمَّدًا مُسْلِمًا مِنْ قُرَيْشٍ يَرُدُّهُ إِلَيْهِمْ، وَمَنْ جَاءَ قُرَيْشًا مُرْتَدًّا لَا تَرُدُّهُ!
غَضِبَ الصَّحَابَةُ غَضَبًا شَدِيدًا. كَيْفَ نُعْطِي الدَّنِيَّةَ فِي دِينِنَا؟ حَتَّى عُمَرُ بْنُ الخَطَّابِ جَاءَ لِلنَّبِيِّ ﷺ يَقُولُ: "أَلَسْنَا عَلَى الحَقِّ وَهُمْ عَلَى البَاطِلِ؟ فَلِمَ نُعْطِي الدَّنِيَّةَ؟"، فَرَدَّ النَّبِيُّ ﷺ بِثِقَةِ المُوحَى إِلَيْهِ: "أَنَا رَسُولُ اللهِ، وَلَسْتُ أَعْصِيهِ، وَهُوَ نَاصِرِي".
السِّرُّ فِي "الفَتْحِ المُبِينِ" : نَزَلَتْ سُورَةُ "الفَتْحِ": ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا﴾ ، تَعَجَّبَ الصَّحَابَةُ: أَوَ فَتْحٌ هُوَ؟ نَعَمْ، كَانَ أَعْظَمَ فَتْحٍ سِيَاسِيٍّ.
* الاِعْتِرَافُ الرَّسْمِيُّ: اعْتَرَفَتْ قُرَيْشٌ بِدَوْلَةِ المُسْلِمِينَ كَنِدٍّ لَهَا تُفَاوِضُهُ.
* نَشْرُ الدَّعْوَةِ: فَتْرَةُ الهُدْنَةِ (أَمَانُ النَّاسِ) جَعَلَتِ العَرَبَ يَسْمَعُونَ القُرْآنَ بِلَا خَوْفٍ. فَدَخَلَ فِي الإِسْلَامِ فِي سَنَتَيْنِ أَضْعَافُ مَنْ دَخَلُوا فِي عِشْرِينَ سَنَةً (مِنْهُمْ خَالِدُ بْنُ الوَلِيدِ وَعَمْرُو بْنُ العَاصِ).
* تَأْمِينُ الجَبْهَةِ: تَفَرَّغَ النَّبِيُّ ﷺ لِيَهُودِ خَيْبَرَ وَلِمُلُوكِ العَالَمِ.
سُقُوطُ أَقْوَى حُصُونِ الجَزِيرَةِ
بَعْدَ أَنْ أَمِنَ النَّبِيُّ ﷺ جَانِبَ قُرَيْشٍ بِصُلْحِ الحُدَيْبِيَةِ، تَفَرَّغَ لِلْعَدُوِّ الأَخْطَرِ: "يَهُودُ خَيْبَرَ"، كَانَتْ خَيْبَرُ هِيَ "وَكْرَ المُؤَامَرَاتِ"، وَمَلْجَأَ مَنْ طُرِدُوا مِنَ المَدِينَةِ، وَكَانَتْ أَقْوَى مَدِينَةٍ عَسْكَرِيَّةٍ فِي العَرَبِ بِحُصُونِهَا الشَّاهِقَةِ ، خَرَجَ إِلَيْهَا فِي (1600) مُقَاتِلٍ ، اسْتَعْصَتِ الحُصُونُ أَيَّامًا. فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: "لَأُعْطِيَنَّ الرَّايَةَ غَدًا رَجُلًا يُحِبُّ اللهَ وَرَسُولَهُ، وَيُحِبُّهُ اللهُ وَرَسُولُهُ، يَفْتَحُ اللهُ عَلَى يَدَيْهِ"، بَاتَ النَّاسُ يَدُوكُونَ (يَتَحَدَّثُونَ): أَيُّهُمْ يُعْطَاهَا؟ فِي الصَّبَاحِ، نَادَى: "أَيْنَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ؟" ، كَانَ عَلِيٌّ أَرْمَدَ العَيْنَيْنِ (مَرِيضًا)، فَتَفَلَ النَّبِيُّ ﷺ فِي عَيْنَيْهِ فَبَرَأَ، وَأَعْطَاهُ الرَّايَةَ ، هَجَمَ سَيِّدُنَا عَلِيٌّ، وَاقْتَلَعَ بَابَ الحِصْنِ (حَتَّى قِيلَ إِنَّهُ تَحَصَّنَ بِهِ)، وَقَتَلَ فَارِسَهُمْ "مَرْحَبًا"، وَتَهَاوَتِ الحُصُونُ وَاحِدًا تِلْوَ الآخَر ، غَنِمَ المُسْلِمُونَ مَغَانِمَ هَائِلَةً، وَانْكَسَرَتْ شَوْكَةُ اليَهُودِ فِي الجَزِيرَةِ العَرَبِيَّةِ نِهَائِيًّا.
رَسَائِلُ إِلَى المُلُوكِ
عَالَمِيَّةُ الإِسْلَامِ.. مِنْ مَكَّةَ إِلَى القُصُورِ
اسْتَغَلَّ النَّبِيُّ ﷺ الهُدْنَةَ، وَنَظَرَ نَظْرَةً عَالَمِيَّةً ، اتَّخَذَ "خَاتَمًا" نُقِشَ عَلَيْهِ (مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللهِ)، وَأَرْسَلَ سُفَرَاءَهُ إِلَى أَعْظَمِ مُلُوكِ الأَرْضِ فِي ذَلِكَ الزَّمَانِ:
* إِلَى هِرَقْلَ عَظِيمِ الرُّومِ: دَعَاهُ لِلْإِسْلَامِ، فَكَادَ يُسْلِمُ لَوْلَا خَوْفُهُ عَلَى مُلْكِهِ.
* إِلَى كِسْرَى مَلِكِ فُرْسٍ: مَزَّقَ كِسْرَى الرِّسَالَةَ بِتَكَبُّرٍ، فَدَعَا عَلَيْهِ النَّبِيُّ ﷺ: "مَزَّقَ اللهُ مُلْكَهُ". (وَقَدْ حَدَثَ).
* إِلَى المُقَوْقِسِ عَظِيمِ مِصْرَ: رَدَّ رَدًّا جَمِيلًا وَأَهْدَى النَّبِيَّ ﷺ هَدَايَا مِنْهَا "مَارِيَةُ القِبْطِيَّةُ".
بِهَذِهِ الرَّسَائِلِ، أَعْلَنَ النَّبِيُّ ﷺ أَنَّ هَذَا الدِّينَ لَيْسَ لِلْعَرَبِ وَحْدَهُمْ، بَلْ هُوَ "رَحْمَةٌ لِلْعَالَمِينَ".
غَزْوَةُ مُؤْتَةَ
مَعْرَكَةُ الجِنِرَالَاتِ.. (3000) فِي مُوَاجَهَةِ (200,000)
كَانَتْ هَذِهِ أَعْجَبَ مَعْرَكَةٍ فِي التَّارِيخِ ، أَرْسَلَ النَّبِيُّ ﷺ سَفِيرًا إِلَى مَلِكِ بُصْرَى (الشَّامِ)، فَقَتَلَهُ عُمَّالُ الرُّومِ. وَقَتْلُ السُّفَرَاءِ هُوَ "إِعْلَانُ حَرْبٍ"، جَهَّزَ النَّبِيُّ ﷺ (3000) مُقَاتِلٍ، وَعَيَّنَ ثَلَاثَةَ قَادَةٍ: "زَيْدُ بْنُ حَارِثَةَ، فَإِنْ قُتِلَ فَجَعْفَرُ بْنُ أَبِي طَالِبٍ، فَإِنْ قُتِلَ فَعَبْدُ اللهِ بْنُ رَوَاحَةَ ، وَصَلُوا إِلَى "مُؤْتَةَ" (بِالْأُرْدُنِّ)، فَفُوجِئُوا بِجَيْشِ الرُّومِ وَالعَرَبِ المُوَالِينَ لَهُمْ: (200,000) مُقَاتِلٍ! مَعْرَكَةٌ انْتِحَارِيَّةٌ بِكُلِّ المَقَايِيسِ ، قَاتَلَ زَيْدٌ حَتَّى اسْتُشْهِدَ، فَأَخَذَ الرَّايَةَ جَعْفَرٌ، فَقُطِعَتْ يَمِينُهُ فَأَخَذَهَا بِشِمَالِهِ، فَقُطِعَتْ فَاحْتَضَنَهَا بِعَضُدَيْهِ حَتَّى قُتِلَ (وَأَبْدَلَهُ اللهُ جَنَاحَيْنِ فِي الجَنَّةِ)، ثُمَّ قُتِلَ ابْنُ رَوَاحَةَ ، كَادَ الجَيْشُ أَنْ يُبَادَ، لَوْلَا أَنْ تَقَدَّمَ "خَالِدُ بْنُ الوَلِيدِ" (وَكَانَ حَدِيثَ عَهْدٍ بِإِسْلَامٍ) ، بِعَبْقَرِيَّةٍ فَذَّةٍ، غَيَّرَ تَرْتِيبَ الجَيْشِ لَيْلًا، وَأَوْهَمَ الرُّومَ بِوُصُولِ مَدَدٍ، ثُمَّ انْسَحَبَ بِالْجَيْشِ مُنَظَّمًا دُونَ أَنْ يَجْرُؤَ الرُّومُ عَلَى مُطَارَدَتِهِ ، سَمَّاهُ النَّبِيُّ ﷺ يَوْمَهَا: "سَيْفَ اللهِ المَسْلُولَ" ، كَانَتْ هَذِهِ المَعْرَكَةُ إِعْلَانًا لِلْعَالَمِ أَنَّ هُنَاكَ قُوَّةً جَدِيدَةً لَا تَهَابُ الرُّومَ.
فَتْحُ مَكَّةَ
اليَوْمُ يَوْمُ المَرْحَمَةِ.. عَوْدَةُ المُهَاجِرِ
نَقَضَتْ قُرَيْشٌ عَهْدَ الحُدَيْبِيَةِ بِغَبَاءٍ سِيَاسِيٍّ، حِينَ أَعَانَتْ حُلَفَاءَهَا عَلَى قَتْلِ حُلَفَاءِ النَّبِيِّ ﷺ غَدْرًا فِي الحَرَمِ ، جَاءَ الخَبَرُ إِلَى المَدِينَةِ، فَقَامَ النَّبِيُّ ﷺ وَهُوَ يَقُولُ: "لَا نُصِرْتُ إِنْ لَمْ أَنْصُرْ بَنِي كَعْبٍ".
الزَّحْفُ المُقَدَّسُ: فِي رَمَضَانَ مِنَ السَّنَةِ الثَّامِنَةِ، تَحَرَّكَ جَيْشٌ لَمْ تَرَ العَرَبُ مِثْلَهُ: (10,000) مُقَاتِلٍ.
تَحَرَّكُوا صَائِمِينَ، يُلَبُّونَ، تَحْتَ رَايَةِ "رَسُولِ اللهِ"، أُسْقِطَ فِي يَدِ قُرَيْشٍ. لَا طَاقَةَ لَهُمْ اليَوْمَ بِحَرْبٍ. جَاءَ زَعِيمُهُمْ "أَبُو سُفْيَانَ" (الَّذِي حَارَبَ الإِسْلَامَ عِشْرِينَ سَنَةً) لِيُعْلِنَ إِسْلَامَهُ بَيْنَ يَدَيِ النَّبِيِّ ﷺ، وَلِيَأْخُذَ الأَمَانَ لِأَهْلِ مَكَّةَ.
دُخُولُ الفَاتِحِينَ (مَشْهَدٌ لَمْ يَعْرِفْهُ التَّارِيخُ): عَادَةُ الفَاتِحِينَ عِبْرَ التَّارِيخِ أَنْ يَدْخُلُوا المُدُنَ بِالكِبْرِ وَالخُيَلَاءِ، وَسَفْكِ الدِّمَاءِ ، لَكِنَّ النَّبِيَّ ﷺ دَخَلَ مَكَّةَ -الَّتِي أَخْرَجَتْهُ وَعَذَّبَتْ أَصْحَابَهُ- وَهُوَ عَلَى نَاقَتِهِ، مُطَأْطِئًا رَأْسَهُ تَوَاضُعًا للهِ، حَتَّى إِنَّ لِحْيَتَهُ الشَّرِيفَةَ لَتَكَادُ تَمَسُّ وَاسِطَةَ الرَّحْلِ، وَهُوَ يَقْرَأُ سُورَةَ "الفَتْحِ".
لَمْ يَدْخُلْ مُنْتَقِمًا، بَلْ دَخَلَ شَاكِرًا.
سُقُوطُ الأَصْنَامِ: تَوَجَّهَ إِلَى الكَعْبَةِ، وَحَوْلَهَا (360) صَنَمًا ، جَعَلَ يَطْعَنُهَا بِقَوْسِهِ وَيَقُولُ: ﴿جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ ۚ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا﴾ ، فَتَتَسَاقَطُ الأَصْنَامُ وَاحِدًا تِلْوَ الآخَرِ، لِتُعْلِنَ نِهَايَةَ عَهْدِ الوَثَنِيَّةِ فِي جَزِيرَةِ العَرَبِ إِلَى الأَبَدِ.
العَفْوُ العَامُ (اِذْهَبُوا فَأَنْتُمُ الطُّلَقَاءُ): اجْتَمَعَتْ قُرَيْشٌ فِي المَسْجِدِ الحَرَامِ، تَرْتَعِدُ فَرَائِصُهُمْ، يَنْتَظِرُونَ حُكْمَ "المُنْتَصِرِ"، سَأَلَهُمُ النَّبِيُّ ﷺ: "يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ، مَا تَرَوْنَ أَنِّي فَاعِلٌ بِكُمْ؟"، عَادَ إِلَيْهِمْ رُشْدُهُمْ فِي لَحْظَةِ الضَّعْفِ، فَقَالُوا: "خَيْرًا.. أَخٌ كَرِيمٌ، وَابْنُ أَخٍ كَرِيمٍ".
فَقَالَ ﷺ كَلِمَتَهُ الَّتِي بَقِيَتْ دُسْتُورًا لِلْإِنْسَانِيَّةِ: "فَإِنِّي أَقُولُ لَكُمْ كَمَا قَالَ يُوسُفُ لِإِخْوَتِهِ: لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ.. اذْهَبُوا فَأَنْتُمُ الطُّلَقَاءُ"، عَفَا عَنْهُمْ جَمِيعًا. عَفَا عَمَّنْ قَتَلَ عَمَّهُ، وَعَمَّنْ آذَاهُ، وَعَمَّنْ حَاصَرَهُ.
فِي تِلْكَ اللحْظَةِ، فُتِحَتْ "قُلُوبُ" مَكَّةَ قَبْلَ "أَبْوَابِهَا"، فَدَخَلُوا فِي دِينِ اللهِ أَفْوَاجًا.
غَزْوَةُ حُنَيْنٍ
دَرْسُ العَقِيدَةِ.. عِنْدَمَا أَعْجَبَتْكُمُ كَثْرَتُكُمْ
بَعْدَ فَتْحِ مَكَّةَ، خَرَجَ النَّبِيُّ ﷺ لِمُلَاقَاةِ قَبِيلَةِ "هَوَازِنَ" القَوِيَّةِ ، خَرَجَ المُسْلِمُونَ فِي (12,000) مُقَاتِلٍ. لِأَوَّلِ مَرَّةٍ يَكُونُونَ أَكْثَرَ عَدَدًا مِنْ عَدُوِّهِمْ ، فَسَرَى فِيهِمْ غُرُورٌ خَفِيٌّ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: "لَنْ نُغْلَبَ اليَوْمَ مِنْ قِلَّةٍ"، الكَمِينُ وَالهَزِيمَةُ الأُولَى: فِي وَادِي حُنَيْنٍ، كَمَنَتْ هَوَازِنُ، وَانْهَالَتْ بِالسِّهَامِ عَلَى المُسْلِمِينَ ، فَرَّ الجَيْشُ الكَبِيرُ! لَمْ يَثْبُتْ إِلَّا النَّبِيُّ ﷺ وَحَوْلَهُ نَفَرٌ قَلِيلٌ مِنَ المُهَاجِرِينَ وَالأَنْصَارِ وَأَهْلِ بَيْتِهِ ، كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَرْكُبُ بَغْلَتَهُ وَيَتَقَدَّمُ نَحْوَ العَدُوِّ وَهُوَ يَهْتِفُ بِشَجَاعَةٍ نَبَوِيَّةٍ: "أَنَا النَّبِيُّ لَا كَذِبْ.. أَنَا ابْنُ عَبْدِ المُطَّلِبْ"، أَمَرَ عَمَّهُ العَبَّاسَ (وَكَانَ جَهِيرَ الصَّوْتِ) أَنْ يُنَادِيَ فِي النَّاسِ، فَعَادُوا، وَانْقَلَبَتِ الهَزِيمَةُ نَصْرًا.
وَنَزَلَ القُرْآنُ يُخَلِّدُ الدَّرْسَ: ﴿وَيَوْمَ حُنَيْنٍ ۙ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا﴾ ، النَّصْرُ مِنَ اللهِ، لَا بِالعَدَدِ وَلَا بِالعُدَّةِ.
وَصِيَّةُ المُوَدِّعِ.. وَاكْتِمَالُ الدِّينِ
فِي السَّنَةِ العَاشِرَةِ، حَجَّ النَّبِيُّ ﷺ حِجَّتَهُ الوَحِيدَةَ، وَمَعَهُ (100,000) مِنَ المُسْلِمِينَ ، كَانَ المَشْهَدُ مَهِيبًا. الصَّحْرَاءُ الَّتِي كَانَتْ تَعْبُدُ الأَصْنَامَ قَبْلَ سَنَوَاتٍ، تَمُوجُ الآنَ بِالتَّوْحِيدِ: "لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ".
خُطْبَةُ عَرَفَةَ (الإِعْلَانُ العَالَمِيُّ لِحُقُوقِ الإِنْسَانِ): وَقَفَ النَّبِيُّ ﷺ عَلَى جَبَلِ الرَّحْمَةِ، وَأَلْقَى خُطْبَةً جَامِعَةً، أَرْسَى فِيهَا قَوَاعِدَ الإِسْلَامِ الأَخِيرَةَ:
* حُرْمَةُ الدِّمَاءِ وَالأَمْوَالِ: "إِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ".
* حُقُوقُ المَرْأَةِ: "اسْتَوْصُوا بِالنِّسَاءِ خَيْرًا".
* إِسْقَاطُ الرِّبَا وَثَارَاتِ الجَاهِلِيَّةِ: "أَلَا وَكُلُّ شَيْءٍ مِنْ أَمْرِ الجَاهِلِيَّةِ تَحْتَ قَدَمَيَّ مَوْضُوعٌ".
* المُسَاوَاةُ: "لَا فَضْلَ لِعَرَبِيٍّ عَلَى أَعْجَمِيٍّ إِلَّا بِالتَّقْوَى".
ثُمَّ أَشْهَدَهُمْ عَلَى البَلَاغِ فَقَالَ: "أَلَا هَلْ بَلَّغْتُ؟". قَالُوا: نَعَمْ ، فَرَفَعَ إِصْبَعَهُ إِلَى السَّمَاءِ وَقَالَ: "اللَّهُمَّ فَاشْهَدْ"، وَهُنَاكَ.. نَزَلَتْ آيَةُ إِتْمَامِ الرِّسَالَةِ: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ ، بَكَى "عُمَرُ بْنُ الخَطَّابِ"، فَقَدْ فَهِمَ أَنَّ الكَمَالَ يَعْنِي انْتِهَاءَ المُهِمَّةِ، وَقُرْبَ رَحِيلِ الرَّسُولِ.
الاِخْتِبَارُ الأَخِيرُ.. وَفَضْحُ المُنَافِقِينَ
فِي الصَّيْفِ الحَارِّ، جَاءَ الخَبَرُ بِأَنَّ الرُّومَ يَحْشِدُونَ لِغَزْوِ المَدِينَةِ ، أَعْلَنَ النَّبِيُّ ﷺ النَّفِيرَ العَامَّ. كَانَ اخْتِبَارًا صَعْبًا:
* حَرٌّ شَدِيدٌ.
* مَسَافَةٌ بَعِيدَةٌ جِدًّا (تَبُوكَ).
* وَقْتُ حَصَادِ الثِّمَارِ.
هُنَا تَمَايَزَ الصُّفُوفُ ، جَاءَ المُؤْمِنُونَ الصَّادِقُونَ بِأَمْوَالِهِمْ (تَصَدَّقَ عُثْمَانُ بِجَيْشِ العُسْرَةِ، وَأَتَى أَبُو بَكْرٍ بِمَالِهِ كُلِّهِ)، بَيْنَمَا اعْتَذَرَ المُنَافِقُونَ بِأَعْذَارٍ وَاهِيَةٍ: ﴿قَالُوا لَا تَنْفِرُوا فِي الْحَرِّ ۗ قُلْ نَارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرًّا﴾ ، خَرَجَ النَّبِيُّ ﷺ فِي (30,000) مُقَاتِلٍ ، وَصَلُوا تَبُوكَ، فَلَمْ يَجِدُوا الرُّومَ (انْسَحَبُوا رُعْبًا لَمَّا سَمِعُوا بِزَحْفِ النَّبِيِّ) ، كَانَتْ آخِرَ غَزْوَةٍ لِلنَّبِيِّ ﷺ، وَكَانَتْ بِمَثَابَةِ "تَمْشِيطٍ" لِلْجَبْهَةِ الدَّاخِلِيَّةِ قَبْلَ رَحِيلِهِ، حَيْثُ "فُضِحَ المُنَافِقُونَ" (سُورَةُ التَّوْبَةِ)، وَثَبَتَ الصَّادِقُونَ.
الرَّفِيقُ الأَعْلَى
انْقِطَاعُ خَبَرِ السَّمَاءِ.. وَبَقَاءُ المَنْهَجِ
عَادَ النَّبِيُّ ﷺ إِلَى المَدِينَةِ. وَفِي صَفَرٍ مِنَ السَّنَةِ الحَادِيَةَ عَشْرَةَ، بَدَأَ المَرَضُ ، اشْتَدَّ عَلَيْهِ الوَجَعُ، لَكِنَّهُ كَانَ حَرِيصًا عَلَى الصَّلَاةِ بِالنَّاسِ مَا اسْتَطَاعَ ، فَلَمَّا عَجَزَ، أَمَرَ: "مُرُوا أَبَا بَكْرٍ فَلْيُصَلِّ بِالنَّاسِ". (إِشَارَةٌ لِخِلَافَتِهِ).
اللَّحْظَاتُ الأَخِيرَةُ: فِي ضُحَى يَوْمِ الِاثْنَيْنِ، الثَّانِي عَشَرَ مِنْ رَبِيعٍ الأَوَّلِ (نَفْسِ يَوْمِ مَوْلِدِهِ)، كَانَ النَّبِيُّ ﷺ مُسْنِدًا ظَهْرَهُ إِلَى صَدْرِ أُمِّ المُؤْمِنِينَ عَائِشَةَ ، دَخَلَ عَلَيْهِ "عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ" وَبِيَدِهِ سِوَاكٌ. نَظَرَ إِلَيْهِ النَّبِيُّ ﷺ، فَعَرَفَتْ عَائِشَةُ أَنَّهُ يُرِيدُهُ. أَخَذَتْهُ وَلَيَّنَتْهُ بِفَمِهَا، فَاسْتَنَّ بِهِ (تَسَوَّكَ) أَحْسَنَ مَا كَانَ مُسْتَنًّا ، ثُمَّ رَفَعَ يَدَهُ، وَشَخَصَ بَصَرُهُ إِلَى السَّمَاءِ وَقَالَ كَلِمَاتِهِ الأَخِيرَةَ:"بَلِ الرَّفِيقَ الأَعْلَى.. بَلِ الرَّفِيقَ الأَعْلَى" وَفَاضَتِ الرُّوحُ الشَّرِيفَةُ إِلَى بَارِئِهَا.
زَلْزَالُ المَدِينَةِ وَثَبَاتُ الصِّدِّيقِ: أَظْلَمَتِ المَدِينَةُ. طَاشَتْ عُقُولُ الصَّحَابَةِ. عُمَرُ بْنُ الخَطَّابِ شَهَرَ سَيْفَهُ وَقَالَ: "مَنْ قَالَ إِنَّ مُحَمَّدًا قَدْ مَاتَ ضَرَبْتُ عُنُقَهُ"، جَاءَ أَبُو بَكْرٍ (الرَّجُلُ الأَسِيفُ الرَّقِيقُ) فَكَشَفَ عَنْ وَجْهِ النَّبِيِّ ﷺ وَقَبَّلَهُ وَقَالَ: "طِبْتَ حَيًّا وَمَيِّتًا يَا رَسُولَ اللهِ"، ثُمَّ خَرَجَ لِلنَّاسِ وَقَالَ كَلِمَتَهُ الفَاصِلَةَ الَّتِي حَفِظَتِ الأُمَّةَ :"أَلَا مَنْ كَانَ يَعْبُدُ مُحَمَّدًا فَإِنَّ مُحَمَّدًا قَدْ مَاتَ، وَمَنْ كَانَ يَعْبُدُ اللهَ فَإِنَّ اللهَ حَيٌّ لَا يَمُوتُ"، وَتَلَا قَوْلَهُ تَعَالَى: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ ۚ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَىٰ أَعْقَابِكُمْ﴾ ، فَسَقَطَ السَّيْفُ مِنْ يَدِ عُمَرَ، وَأَيْقَنَ النَّاسُ أَنَّ الوَحْيَ قَدِ انْقَطَعَ، وَأَنَّ النَّبِيَّ قَدْ رَحَلَ.
أَيُّهَا القَارِئُ الكَرِيمُ،
انْتَهَتْ حَيَاةُ النَّبِيِّ ﷺ كَـ "جَسَدٍ" بَيْنَ أَظْهُرِنَا، لَكِنَّ "رِسَالَتَهُ" بَقِيَتْ خَالِدَةً تَسْرِي فِي عُرُوقِ الكَوْنِ،مَاتَ النَّبِيُّ ﷺ بَعْدَ أَنْ صَنَعَ مِنَ الرُّعَاةِ قَادَةً لِلْأُمَمِ، وَمِنَ القَبَائِلِ المُتَنَاحِرَةِ أُمَّةً وَاحِدَةً ، تَرَكَ فِينَا مَا إِنْ تَمَسَّكْنَا بِهِ لَنْ نَضِلَّ بَعْدَهُ أَبَدًا: كِتَابَ اللهِ وَسُنَّتَهُ.
إِنَّ دِرَاسَةَ السِّيرَةِ لَيْسَتْ مُجَرَّدَ قِرَاءَةٍ لِلتَّارِيخِ، بَلْ هِيَ "إِعَادَةُ شَحْنٍ" لِقُلُوبِنَا، لِنَتَعَلَّمَ كَيْفَ نَكُونُ رَبَّانِيِّينَ فِي عِبَادَتِنَا، حُكَمَاءَ فِي دَعْوَتِنَا، رُحَمَاءَ فِي أَخْلَاقِنَا.
فَصَلَّى اللهُ عَلَى مُعَلِّمِ النَّاسِ الخَيْرَ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا كَثِيرًا.
تَمَّ بِحَمْدِ اللهِ وَتَوْفِيقِهِ.