بِقَلَمِ فَضِيلَةِ الشَّيْخِ أَحْمَدُ إِسْمَاعِيلُ الْفَشْنِيُّ
الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي جَعَلَ الْقُلُوبَ لَهُ مَحَلّاً، وَالْأَرْوَاحَ بِرَحْمَتِهِ تَسْتَقِيمُ وَتَحْلَا، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، الْقَائِلُ فِي كِتَابِهِ الْعَزِيزِ: {وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ}، وَأَشْهَدُ أَنْ سَيِّدَنَا مُحَمَّدًا ﷺ عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ، الَّذِي كَانَ يَقُولُ: "لَنْ يُدْخِلَ أَحَدًا مِنْكُمْ عَمَلُهُ الْجَنَّةَ"، قَالُوا: وَلَا أَنْتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: "وَلَا أَنَا، إِلَّا أَنْ يَتَغَمَّدَنِي اللَّهُ بِفَضْلٍ وَرَحْمَةٍ". صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَيِّدِنَا الصِّدِّيقِ وَسَيِّدِنَا عُمَرَ وَسَيِّدِنَا عُثْمَانَ وَسَيِّدِنَا عَلِيٍّ وَآلِ بَيْتِهِ الطَّاهِرِينَ (رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَعَلَيْهِمُ السَّلَامُ)، وَبَعْدُ؛
أولاً: جَلَالُ الْإِخْلَاصِ وَسَعَةُ الرَّحْمَةِ
أَيُّهَا السَّادَةُ الْكِرَامُ.. إِنَّ أَصْعَبَ مَا يُوَاجِهُ الْعَبْدَ فِي رِحْلَتِهِ إِلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ هُوَ "الْإِخْلَاصُ"، فَالْقُلُوبُ تَتَقَلَّبُ، وَالنُّفُوسُ تَمِيلُ، وَالشَّيْطَانُ يَتَرَبَّصُ. وَلَكِنَّ رَحْمَةَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ أَوْسَعُ مِنْ ذُنُوبِنَا، وَأَعْظَمُ مِنْ تَقْصِيرِنَا. فَإِذَا عَجَزَتْ أَقْدَامُنَا عَنِ السَّيْرِ فِي دَرْبِ الْمُخْلِصِينَ، فَلَا تَعْجَزُ قُلُوبُنَا عَنِ الِارْتِمَاءِ عَلَى أَعْتَابِ الْمُسْتَغْفِرِينَ.
ثانياً: بَيْنَ خَوْفِ الصِّدِّيقِ وَرَجَاءِ الْعَاصِي
تَأَمَّلُوا حَالَ سَيِّدِنَا أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ (رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ)، وَهُوَ مَنْ هُوَ فِي الْإِخْلَاصِ وَالْبَذْلِ، كَانَ يَقُولُ: "لَوْ أَنَّ إِحْدَى قَدَمَيَّ فِي الْجَنَّةِ وَالْأُخْرَى خَارِجَهَا مَا أَمِنْتُ مَكْرَ اللَّهِ". هَذَا الْخَوْفُ لَمْ يَكُنْ قُنُوطًا، بَلْ كَانَ لِيَقِينِهِ أَنَّ النَّجَاةَ مَحْضُ فَضْلٍ مِنَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ.
وَمِنْ بَيْتِ النُّبُوَّةِ، نَسْتَلْهِمُ مَوْقِفَ سَيِّدِنَا عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ "زَيْنِ الْعَابِدِينَ" (عَلَيْهِ السَّلَامُ)، حِينَ كَانَ يَتَوَضَّأُ فَيَصْفَرُّ لَوْنُهُ، فَيُقَالُ لَهُ: مَا الَّذِي يَعْتَرِيكَ عِنْدَ الْوُضُوءِ؟ فَيَقُولُ: "أَتَدْرُونَ بَيْنَ يَدَيْ مَنْ أُرِيدُ أَنْ أَقُومَ؟". إِنَّهُ لَا يَعْتَمِدُ عَلَى كَثْرَةِ صَلَاتِهِ، بَلْ يَعْتَمِدُ عَلَى رَحْمَةِ مَنْ يَقِفُ بَيْنَ يَدَيْهِ.
ثالثاً: دَرْسٌ نَبَوِيٌّ فِي الرَّحْمَةِ الْأُسَرِيَّةِ
إِنَّ مَنْ يَطْمَعُ فِي رَحْمَةِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَهُوَ مُقَصِّرٌ، عَلَيْهِ أَنْ يَكُونَ رَحِيماً بِمَنْ حَوْلَهُ. كَانَ سَيِّدُنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُعَلِّمُنَا أَنَّ الْمُحَاسَبَةَ لَيْسَتْ كُلَّ شَيْءٍ. يُرْوَى أَنَّ سَيِّدَنَا أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ (رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ) خَدَمَ النَّبِيَّ ﷺ عَشْرَ سِنِينَ، فَمَا قَالَ لَهُ لِشَيْءٍ فَعَلَهُ: لِمَ فَعَلْتَهُ؟ وَلَا لِشَيْءٍ لَمْ يَفْعَلْهُ: لِمَ لَمْ تَفْعَلْهُ؟.
رِسَالَةٌ لِكُلِّ أَبٍ وَأُمٍّ: إِذَا رَأَيْتَ تَقْصِيرًا مِنْ وَلَدِكَ أَوْ زَوْجِكَ، فَتَذَكَّرْ تَقْصِيرَكَ فِي حَقِّ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ مَعَ سِتْرِهِ عَلَيْكَ. اجْعَلْ بَيْتَكَ مَحْرَابًا لِلْمَغْفِرَةِ، فَكَمَا تُحِبُّ أَنْ يَعْفُوَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ عَنْكَ وَأَنْتَ لَمْ تُكْمِلْ طَاعَتَكَ، فَاعْفُ عَنْ أَهْلِ بَيْتِكَ وَإِنْ لَمْ يَكْمُلْ بِرُّهُمْ.
رابعاً: فِي مِحْرَابِ الشِّعْرِ وَالْمُنَاجَاةِ
وَمَا أَجْمَلَ مَا قِيلَ فِي هَذَا الْمَقَامِ مِنْ أَبْيَاتٍ تَهْتَزُّ لَهَا الْقُلُوبُ:
يَا رَبِّ إِنْ عَظُمَتْ ذُنُوبِي كَثْرَةً ** فَلَقَدْ عَلِمْتُ بِأَنَّ عَفْوَكَ أَعْظَمُ
إِنْ كَانَ لَا يَرْجُوكَ إِلَّا مُحْسِنٌ ** فَبِمَنْ يَلُوذُ وَيَسْتَجِيرُ الْمُجْرِمُ؟
أَدْعُوكَ رَبِّ كَمَا أَمَرْتَ تَضَرُّعًا ** فَإِذَا رَدَدْتَ يَدِي فَمَنْ ذَا يَرْحَمُ؟
وَيَقُولُ الْآخَرُ فِي ذُلِّ الِانْكِسَارِ:
إِلَهِي عَبْدُكَ الْعَاصِي أَتَاكَا ** مُقِرًّا بِالذُّنُوبِ وَقَدْ دَعَاكَا
فَيَنْ تَغْفِرْ فَأَنْتَ لِذَاكَ أَهْلٌ ** وَإِنْ تَطْرُدْ فَمَنْ نَرْجُو سِوَاكَا
خامساً: نَصَائِحُ عَمَلِيَّةٌ لِلْمُقَصِّرِ الطَّامِعِ فِي الرَّحْمَةِ
1. لَا تَنْقَطِعْ وَإِنْ قَصَّرْتَ: اسْتَمِرَّ فِي طَرْقِ الْبَابِ، فَإِنَّ مَنْ أَدَامَ طَرْقَ الْبَابِ يُوشِكُ أَنْ يُفْتَحَ لَهُ.
2. صَدَقَةُ السِّرِّ: فَهِيَ تُطْفِئُ غَضَبَ الرَّبِّ، وَتُجْبِرُ نَقْصَ الطَّاعَةِ الْجَهْرِيَّةِ، كَمَا كَانَ يَفْعَلُ سَيِّدُنَا زَيْنُ الْعَابِدِينَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ.
3. جَبْرُ الْخَوَاطِرِ: ابْحَثْ عَنْ مَكْسُورٍ فَاجْبُرْ خَاطِرَهُ، لَعَلَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ يَجْبُرُ كَسْرَ قَلْبِكَ بِالْقَبُولِ.
4. تَعَلَّمْ فَنَّ التَّغَافُلِ: فِي بَيْتِكَ وَمَعَ أَصْحَابِكَ، تَغَافَلْ عَنْ زَلَّاتِهِمْ، لِيَتَغَافَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ عَنْ زَلَّاتِكَ.
5. جَدِّدِ النِّيَّةَ دَائِمًا: قُلْ قَبْلَ كُلِّ عَمَلٍ: "يَا رَبِّ، هَذَا الْجُهْدُ وَمِنْكَ التَّمَامُ، وَعَلَيْكَ التُّكْلَانُ".
خِتَامًا: إِنَّ الْإِخْلَاصَ عَزِيزٌ، وَلَكِنَّ الرَّبَّ كَرِيمٌ. فَإِنْ لَمْ نَكُنْ مِمَّنْ صَفَتْ أَعْمَالُهُمْ، فَلْنكُنْ مِمَّنْ صَدَقَتْ نِيَّاتُهُمْ فِي طَلَبِ الْمَغْفِرَةِ. يَا رَبِّ، هَذِهِ نَوَاصِينَا بَيْنَ يَدَيْكَ، وَهَذَا تَقْصِيرُنَا لَا يَخْفَى عَلَيْكَ، فَبِجَاهِ سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ ﷺ، اغْفِرْ لَنَا مَا لَا يَعْلَمُونَ، وَاجْعَلْنَا خَيْرًا مِمَّا يَظُنُّونَ.
وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ، وَبِاللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ وَالهِدَايَةُ - كَتَبَهُ فَضِيلَةُ الشَّيْخِ أَحْمَدُ إِسْمَاعِيلَ الفَشْنِيُّ ، القاهرة في ٣ مايو ٢٠٢٦م .