إدارةُ الذَّاتِ.. بَرَكةُ الوَقْتِ

بقلم: فضيلة الشيخ أحمد إسماعيل الفشني
عودة إلى المقالات

بقلم فضيلة الشيخ أحمد إسماعيل الفشني

الحمدُ للهِ الذي جَعَلَ العُمْرَ رَأسَ مَالِ العبدِ، وأَقْسَمَ بالزَّمانِ لِيُبَيِّنَ لَنا شَرَفَهُ والقَصْدَ، والصلاةُ والسلامُ على سيِّدِنا رسولِ اللهِ ﷺ، الذي اغتنمَ لَحَظاتِهِ في طاعةِ ربِّهِ فَبَلَغَ المَقامَ الأسْمى، وعلى آلِ بيتِهِ وصحابتِهِ الذينَ كانوا أشحَّ على أوقاتِهم مِنا على دَراهمِنا، رضيَ اللهُ عَنْهُم.

أيُّها السادةُ الكرامُ.. نحنُ نعيشُ في عَصْرٍ سِمَتُهُ "الضَّجيجُ والاستهلاكُ"، حَيْثُ تَتخطفُنا المُلهياتُ من كُلِّ جَانِبٍ، ويَشكو الكثيرونَ من ضِيقِ الوقتِ ومَحْقِ البَرَكةِ. والحقيقةُ أنَّ المشكلةَ ليستْ في عددِ الساعاتِ، بل في "إدارةِ الذاتِ" وضَبْطِ البوصلةِ نَحوَ الغايةِ التي خُلِقنا لأجلِها. يقولُ اللهُ عزَّ وجلَّ: {وَالْعَصْرِ (1) إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ (2) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ (3)} (العصر: 1-3). فاللهُ عسزَّ وجلَّ أَقْسَمَ بالوقتِ لِيُنبهَنا أنَّ مَنْ لم يَشغلْ نَفْسَهُ بالحقِّ، شَغلتْهُ بالباطلِ.

أيُّها السادةُ الكرامُ.. إنَّ الإيمانَ يَمْنحُنا مَفهوماً فريداً لإدارةِ الوقتِ يُسمَّى "البَرَكةَ". والبَرَكةُ لَيستْ كثرةَ الأعمالِ فَحَسْبُ، بل هي حُضورُ القَلْبِ معَ اللهِ عزَّ وجلَّ في كلِّ فِعْلٍ. ورَوَى الإمامُ البخاريُّ عَنْ سيِّدِنا ابنِ عباسٍ رضيَ اللهُ عنهما قالَ: قالَ سيِّدُنا رسولُ اللهِ ﷺ: "نِعْمَتَانِ مَغْبُونٌ فِيهِمَا كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ: الصِّحَّةُ، وَالْفَرَاغُ". فالفراغُ أمانةٌ، واستخدامُهُ في فُضولِ القولِ أو الركضِ خَلْفَ سَرابِ المادِّيَّاتِ غَبْنٌ وخسارةٌ.

تأملوا في حَالِ ساداتِنا الصحابةِ رضيَ اللهُ عَنْهُم؛ فسيِّدُنا عُمرُ بنُ الخطابِ رضيَ اللهُ عَنْهُ كانَ يقولُ: "إني لَأَكْرَهُ أنْ أَرى أحَدَكم سَبَهْلَلاً (أيْ فَارغاً)، لا في عَمَلِ دُنيا ولا في عَمَلِ آخِرَةٍ". هكذا كانتْ ذواتُهم مُدارةً بِميزانِ الجِدِّيَّةِ؛ لأنَّهم أدركوا أنَّ العُمْرَ أنفاسٌ لا تَعُودُ.

ورُوِيَ عَنْ أهلِ البصائرِ والسَّلَفِ الصالحِ أنَّهم كانوا "أبناءَ وَقْتِهم"؛ فالمؤمنُ عِندَهم هو الذي يَعرفُ ما يَطلُبُهُ اللهُ عزَّ وجلَّ مِنهُ في هذهِ اللحظةِ. فإذا نُودِيَ للصلاةِ فَهُو عابدٌ، وإذا اسْتَنْصَرَهُ مَظلومٌ فَهُو مُجاهدٌ، وإذا احتاجهُ بَيْتُهُ فَهو رَاعٍ رَحيمٌ.

وكما قالَ الحسنُ البصريُّ رحمهُ اللهُ:

يَا ابْنَ آدَمَ إِنَّمَا أَنْتَ أَيَّامٌ ** فَإِذَا ذَهَبَ يَوْمٌ ذَهَبَ بَعْضُكَ

فَاصْنَعْ لِنَفْسِكَ في حَيَاتِكَ صَالِحاً ** تَلْقَى بِهِ عِنْدَ الحِسَابِ جَزَاءَكَ

أيُّها السادةُ الكرامُ.. حتى لا تَتوهَ أنفسُنا في ضَجيجِ الاستهلاكِ، ونَستعيدَ بَرَكةَ أوقاتِنا، إليكم هذهِ "النصائحَ العمليةَ":

• قِياسُ الأولوياتِ بميزانِ الآخِرةِ: ابدأْ يومَكَ بالأهمِّ فالمُهمِّ، واجعلْ صِلَتَكَ باللهِ عزَّ وجلَّ مِحوراً يَدورُ حَوْلَهُ كُلُّ نَشاطٍ.

• التَّحرُّرُ من "سِجْنِ الشاشاتِ": حَدِّدْ وقتاً مَعلوماً لِوسائلِ التواصلِ، ولا تَجعلْها تَسْرِقُ عُمرَكَ ولَحَظاتِكَ الثمينةَ مَعَ مَنْ تُحِبُّ.

• البُكُورُ مِفتاحُ البَرَكةِ: التزمْ بهَدْيِ سيِّدِنا رسولِ اللهِ ﷺ في طَلَبِ البَرَكةِ في البُكُورِ؛ ففيهِ تَصفو النفسُ ويَعظُمُ الإنجازُ.

• ذِكْرُ اللهِ عزَّ وجلَّ في مَواطنِ الغَفلةِ: حَوِّلْ عاداتِكَ إلى عباداتٍ؛ فذكرُكَ للهِ وأنتَ تَعْمَلُ أو تَسيرُ يَحفظُ لَكَ لَحَظاتِكَ من الضَّياعِ.

إنَّ مَنْ لَمْ يُدِرْ نَفْسَهُ أدارتْهُ الأهواءُ، ومَنْ لم يَحفظْ وَقتَهُ ضَاعَ مِنهُ حَظُّهُ من رِضا المَوْلى. واللهُ أعلمُ، وباللهِ تعالى التوفيقُ والسدادُ.