الْحَمْدُ لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ الَّذِي جَعَلَ الرِّضَا لِلْعِبَادِ جُنَّةً ، وَأَفَاضَ عَلَى أَهْلِ الْقَنَاعَةِ مِنْ لَدُنْهُ مِنَّةً ، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى مَنْ كَانَ لِلْمَسَاكِينِ أَبًا رَحِيمًا، وَلِلْكِرَامِ مَنْهَجًا قَوِيمًا ، سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ ﷺ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ.
أَيُّهَا السَّادَةُ الْكِرَامُ.. إِنَّ حَيَاةَ الْمُسْلِمِ هِيَ مَوْطِنُ "المُشَاهَدَةِ"، وَلَيْسَتِ السَّعَادَةُ أَنْ تَمْلِكَ كُلَّ مَا تُرِيدُ فَحَسْبُ، بَلِ السَّعَادَةُ الْحَقِيقِيَّةُ هِيَ أَنْ تَحْفَظَ لِنَفْسِكَ "رِضَاهَا" وَتَصُونَ لَهَا "قَنَاعَتَهَا".
وَفِي ظِلِّ مَا نُعَانِيهِ الْيَوْمَ مِنْ هَوَسِ الشَّاشَاتِ، تَرَبَّعَتْ خَلْفَ الْأَبْوابِ الْمُوصَدَةِ بُيُوتٌ تَنْظُرُ لِحَيَاةِ غَيْرِهَا ، حَيْثُ يُعْرَضُ الزَّيْفُ مَصْنُوعاً يَحْسَبُهُ الْجَاهِلُ حَقِيقَةً لَا تَشُوبُهَا شَائِبَةٌ ، فَهَؤُلَاءِ هُمْ أَهْلُ الْغَفْلَةِ الَّذِينَ يَجِبُ أَنْ نُحَصِّنَ قُلُوبَنَا عَنْ مُقَارَنَتِهِمْ بِكَرَمِ "التَّغَافُلِ".
(الْمِيزَانُ النَّبَوِيُّ لِأَدَبِ الْقَنَاعَةِ)
لَقَدْ عَلَّمَنَا سَيِّدُنَا الْمُصْطَفَى ﷺ أَنَّ السَّلَامَ النَّفْسِيَّ يَقَعُ فِي قَلْبِ العَبْدِ قَبْلَ أَنْ يَقَعَ فِي يَدِهِ العَطَاءُ، وَقَالَ ﷺ: «انْظُرُوا إِلَى مَنْ هُوَ أَسْفَلَ مِنْكُمْ، وَلَا تَنْظُرُوا إِلَى مَنْ هُوَ فَوْقَكُمْ، فَهُوَ أَجْدَرُ أَنْ لَا تَزْدَرُوا نِعْمَةَ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ عَلَيْكُمْ».
فَالْإِرَادَةُ هُنَا هِيَ قَمْعُ نَفْسِكَ عَنْ حُبِّ التَّطَلُّعِ ، وَالْكَرَمُ هُوَ أَنْ تَهَبَ الرِّضَا لِلنَّفْسِ كَمَا تَهَبُهَا المَتَاعَ.
قِصَّةُ "فِتْنَةِ قَارُونَ" وَانْخِدَاعِ النَّاظِرِينَ
فِي كِتَابِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ أَنَّ رَجُلاً كَانَ يَخْرُجُ عَلَى قَوْمِهِ فِي أَبْهَى زِينَةٍ وَمَتَاعٍ، وَكَانَتْ لَهُ كُنُوزٌ تَعْجِزُ عَنْهَا الرِّجَالُ، فَمَا كَانَ مِنْ ضُعَفَاءِ النُّفُوسِ إِلَّا أَنْ وَقَعُوا فِي حُمَّى المُقَارَنَةِ حَتَّى قَالُوا: {يَا لَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ}.
لَكِنَّ هَذَا الإِنْسَانَ حِينَ طَغَى، خَسَفَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ بِهِ وَبِدَارِهِ الأَرْضَ، فَعَلِمُوا أَنَّ مَا يَظْهَرُ لِلْعُيُونِ كَذِبَةٌ "بَيْضَاءُ" تَهْدِمُ كِبْرِيَاءَ القَانِعِينَ.
هَذَا هُوَ "الرِّضَا" الَّذِي يُحِبُّهُ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ؛ أَنْ تَتَعَبَّدَ بِالتَّسْلِيمِ كَمَا تَتَعَبَّدُ بِالبَذْلِ.
(كَيْفَ نُطَبِّقُ فِقْهَ "القَنَاعَةِ"؟)
إِنَّ الْمُرِيدَ الصَّادِقَ هُوَ مَنْ يَبْحَثُ عَنْ "مَوَاطِنِ الرِّضَا" لِيَجْبُرَهَا بِصَمْتٍ:
جُودُ "التَّغَافُلِ"
إِذَا رَأَيْتَ حَيَاةَ غَيْرِكَ تَلْمَعُ عَلَى الشَّاشَاتِ، فَلَا تَسْأَلْ عَنْ زِينَتِهَا، بَلْ أَقْبِلْ عَلَى نِعْمَتِكَ كَأَنَّكَ طَالِبٌ لِفَضْلِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ عَلَيْكَ.
إِرَادَةُ "الامْتِنَانِ"
فَلَا تَجْعَلِ النِّعَمَ مَشْهَداً لِلْمُبَاهَاةِ وَالتَّصْوِيرِ ، فَإِنَّ "الْفِلَاشَ" الَّذِي يُضِيءُ مَتَاعَكَ قَدْ يُطْفِئُ نُورَ الرِّضَا فِي قَلْبِ مَحْرُومٍ يَرَاكَ.
الْبَحْثُ عَنِ "المَعَانِي"
وَهِيَ تِلْكَ الَّتِي لَا تَرَاهَا فِي مَوَائِدِ الأَغْنِيَاءِ، بَلْ تَخْتَبِئُ خَلْفَ زُهْدِهِمْ، فَهَؤُلَاءِ هُمْ "أَوْلِيَاءُ الرِّضَا".
مَوْقِفُ "سَيِّدِنَا عُمَرَ" وَأَثَرُ الحَصِيرِ
يُرْوَى عَنْ سَيِّدِنَا عُمَرَ بْنِ الخَطَّابِ رَضِيَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ عَنْهُ أَنَّهُ دَخَلَ عَلَى سَيِّدِنَا رَسُولِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ ﷺ، وَهُوَ يَحْمِلُ هَمَّ الدُّنْيَا، فَرَآهُ مُضْطَجِعاً عَلَى حَصِيرٍ قَدْ أَثَّرَ فِي جَنْبِهِ، فَبَكَى سَيِّدُنَا عُمَرُ رَضِيَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ عَنْهُ، فَقَالَ لَهُ سَيِّدُنَا النَّبِيُّ ﷺ مَا يُبْكِيكَ؟ قَالَ: ملوكُ كِسْرَى وَقَيْصَرَ فِيمَا هُمْ فِيهِ وَأَنْتَ صَفْوَةُ خَلْقِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ؟!
فَقَالَ لَهُ سَيِّدُنَا رَسُولُ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ ﷺ: «أَمَا تَرْضَى أَنْ تَكُونَ لَهُمُ الدُّنْيَا وَلَنَا الآخِرَةُ؟». لَقَدْ عَاشُوا لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ بِالخَفَاءِ، فَأَظْهَرَهُمُ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ بِالنُّورِ وَالبَهَاءِ.
نَصَائِحُ لِلْمُرِيدِينَ
كُنْ "كَرِيمَ النَّفْسِ" مَعَ حَظِّكَ
إِذَا كَانَ لَكَ رِزْقٌ قَلِيلٌ وَرَأَيْتَ ضِيقَهُ، فَاجْعَلْ قَبُولَهُ رَاحَةٌ لِقَلْبِكَ وَلَا تُحْرِجْ نَفْسَكَ بِالمُقَارَنَاتِ.
اجْعَلْ صَدَقَتَكَ وَقَنَاعَتَكَ "خَبِيئَةً"
فَمَا تَعَلَّقَ بِهِ الْخَلْقُ نَقَصَ، وَمَا خَلَصَ لِلْحَقِّ زَكَا وَخَلَصَ.
ارْحَمْ "قُلُوبَ" الصِّغَارِ
حِينَ تُرَبِّي أَبْنَاءَكَ، لَا تَنْظُرْ إِلَى حَيَاةِ المُتْرَفِينَ نَظْرَةَ حَسْرَةٍ تَجْرَحُهُمْ، بَلْ نَظْرَةَ عِزَّةٍ تَجْبُرُهُمْ.
خِتَامًا
الدُّنْيَا لَيْسَتْ دَارَ مُقَارَنَةٍ، بَلْ هِيَ دَارُ ابْتِلَاءٍ. فَاللَّهُمَّ اجْعَلْنَا مِمَّنْ يَجْبُرُونَ الْخَوَاطِرَ، وَيَسْتُرُونَ السَّرَائِرَ ، وَارْزُقْنَا إِرَادَةً تَكُفُّنَا عَنِ السَّخَطِ وَالشَّكْوَى، وَكَرَماً يَبْلُغُ بِنَا رِضَاكَ الْأَسْمَى.
وَاللهُ عَزَّ وَجَلَّ أَعْلَمُ، وَبِاللهِ عَزَّ وَجَلَّ التَّوْفِيقُ وَالهِدَايَةُ - كَتَبَهُ فَضِيلَةُ الشَّيْخِ أَحْمَدُ إِسْمَاعِيلَ الفَشْنِيُّ.