حِرَاسَةُ الثَّوَابِتِ فِي مَوَاجَهَةِ "الـهَذَيَانِ" الـمُعَاصِرِ

بقلم: فضيلة الشيخ أحمد إسماعيل الفشني
عودة إلى المقالات

بِقَلَمِ فَضِيلَةِ الشَّيْخِ أَحْمَد إِسْمَاعِيل الفَشْنِيّ

إِنَّ الـحَمْدَ لِلَّهِ الَّذِي جَعَلَ العِلْمَ حِصْنًا لِلْمِلَّةِ، وَالصِّدْقَ نَجَاةً مِنَ الذِّلَّةِ، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى مَنْ لَا نَبِيَّ بَعْدَهُ، وَبَعْدُ؛ فَإِنَّنَا نَعِيشُ اليَوْمَ زَمَانًا نَطَقَ فِيهِ "الرُّوَيْبِضَةُ"، وَتَسَوَّرَ فِيهِ الـجُهَّالُ مِحْرَابَ الشَّرِيعَةِ بِغَيْرِ وُضُوءٍ عِلْمِيٍّ، حَتَّى أَصْبَحَ الدِّينُ كَلأً مُبَاحًا لِكُلِّ نَاعِقٍ، وَغَرَضًا لِكُلِّ مَارِقٍ، فِي فَوْضَى فِكْرِيَّةٍ تَسْعَى لِـهَدْمِ الأُصُولِ بِدَعْوَى التَّجْدِيدِ، وَبَثِّ الشُّكُوكِ بِاسْمِ التَّنْوِيرِ الَّذِي هُوَ فِي حَقِيقَتِهِ "تَظْلِيمٌ" لِلْعُقُولِ وَتَضْلِيلٌ لِلأُمَّةِ.

أَوَّلًا: جِنَايَةُ الـهَذَيَانِ فِي غَيْرِ التَّخَصُّصِ

مِنْ أَعْجَبِ مَفَارِقَاتِ عَصْرِنَا، أَنْ يَتَحَدَّثَ الـمَرْءُ فِيمَا لَا يَعْرِفُ، وَيَهْذِيَ بِمَا لَا يَعْلَمُ. فَنَرَى مَنْ اِتَّخَذَ "الـمِيكْرُوفُونَ" أَوْ "القَلَمَ الصَّحَفِيَّ" أَدَاةً لِاقْتِحَامِ قَلْعَةِ "الفِقْهِ" وَ"العَقِيدَةِ" بِلَا أَدَوَاتٍ، وَلَوْ فَعَلُوا ذَلِكَ فِي طِبِّ الأَبْدَانِ لَأُقِيمَتْ عَلَيْهِمُ الـحُدُودُ، لَكِنَّهُمْ اِسْتَبَاحُوا طِبَّ القُلُوبِ. إِنَّ القَوْلَ عَلَى اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ هُوَ قَرِينُ الشِّرْكِ فِي القُرْآنِ، قَالَ تَعَالَى: {وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ} [الأعراف: ٣٣]. وَصَدَقَ فِيهِمْ قَوْلُ النَّبِيِّ ﷺ: «اتَّخَذَ النَّاسُ رُؤُوسًا جُهَّالًا، فَسُئِلُوا فَأَفْتَوْا بِغَيْرِ عِلْمٍ، فَضَلُّوا وَأَضَلُّوا».

ثَانِيًا: تَهَافُتُ فِرْيَةِ "خُرَافَةِ التُّراثِ"

لَقَدْ بَرَزَ تَيَّارٌ مَفْتُونٌ يَصِمُ التُّراثَ الإِسْلَامِيَّ بِـ "الخُرَافَةِ"، وَيَرْمِي الـمُعْجِزَاتِ النَّبَوِيَّةَ بِـ "الأَسَاطِيرِ".

ثَالِثًا: تَفْنِيدُ شُبَهَاتِ الـمُتَشَدِّقِينَ بَيْنَ "النَّقْدِ" وَ"النَّقْضِ"

يَسْعَى هَؤُلَاءِ لِنَشْرِ سُمُومٍ تَمَسُّ الصَّحِيحَيْنِ (البُخَارِيِّ وَمُسْلِمٍ)، فَيَزْعُمُونَ أَنَّ مَرْوِيَّاتِهِمَا "تُصَادِمُ العَقْلَ"، وَهَذَا لَيْسَ نَقْدًا بَلْ هُوَ "نَقْضٌ" لِعُرَى الإِسْلَامِ.

رَابِعًا: ذُرْوَةُ الضَّلَالِ.. مُسَيْلِمَةُ فِي ثِيَابٍ حَدَاثِيَّةٍ

وَلَمْ يَقِفِ الْأَمْر عِنْدَ ذَلِكَ، بَلْ تَجَاوَزَهُ إِلَى أَخْطَرِ الثَّوَابِتِ؛ حِينَ خَرَجَ مَنْ يَنْفُثُ سُمُومَهُ بِادِّعَاءٍ هَزْلِيٍّ لِـ "النُّبُوَّةِ" بَعْدَ خَاتَمِ الـمُرْسَلِينَ ﷺ، أَوْ بِزَعْمِ أَنَّ "الـوَحْيَ" مَا زَالَ مَفْتُوحًا لِلبَشَرِ.

قِصَّةٌ تَنْطِقُ بِـحَالِ الـمَدْعِيِّينَ: يُحْكَى أَنَّ رَجُلًا ادَّعَى النُّبُوَّةَ فِي زَمَانِ "الـمَأْمُونِ"، فَقَالَ لَهُ: "مَا آيَتُكَ؟"، قَالَ: "أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ"، قَالَ: "وَمَا فِي نَفْسِي؟"، قَالَ: "فِي نَفْسِكَ أَنَّنِي كَذَّابٌ!".

وَنَحْنُ نَقُولُ لِهَؤُلَاءِ الـمُتَنَطِّعِينَ: "نَعْلَمُ مَا فِي نُفُوسِكُمْ؛ فَفِيهَا شَهْوَةُ الشُّهْرَةِ، وَرَغْبَةُ التَّصَدُّرِ، وَإِرْضَاءُ مَنْ يُرِيدُونَ هَدْمَ حِصْنِ الإِسْلَامِ بِأَيْدِي أَبْنَائِهِ".

الـخَاتِمَةُ

إِنَّ الأُمَّةَ اليَوْمَ مُطَالَبَةٌ بِالالتِفَافِ حَوْلَ عُلَمَائِهَا الأَزْهَرِيِّينَ الأَصِيلِينَ، الَّذِينَ يَعْرِفُونَ قَدْرَ العَقْلِ وَقَدَاسَةَ النَّقْلِ. فَلَا يَغُرَّنَّكُمُ "الـهَذَيَانِ" الَّذِي يَلْبَسُ ثَوْبَ "البَيَانِ"، وَاعْلَمُوا أَنَّ هَذَا العِلْمَ دِينٌ فَانْظُرُوا عَمَّنْ تَأْخُذُونَ دِينَكُمْ. نَسْأَلُ اللَّهَ أَنْ يَحْفَظَ مِصْرَ وَأَزْهَرَهَا، وَأَنْ يَرُدَّ كَيْدَ الـمُتَطَاوِلِينَ فِي نُحُورِهِمْ.