الحمد لله الذي خلق من النفس الواحدة زوجها، وجعل بين الزوجين مودة ورحمة لتسكن القلوب وتهدأ الأرواح. والصلاة والسلام على سيدنا محمد، الذي كان خير الناس لأهله، وعلى آله وصحبه أجمعين.
وبعد؛ أيها السادة الكرام، إن البيت المسلم هو حصن المجتمع، والزواج في شرعنا ليس مجرد عقد مدني، بل هو "ميثاق غليظ" كما سماه ربنا تبارك وتعالى. ولكن، مما يُدمي القلب في زماننا هذا، أن نرى هذا الميثاق يُنقض لأتفه الأسباب، ونرى كلمة "الطلاق" قد أصبحت أسهل على الألسنة من شرب الماء!
ليس سلاحاً للتهديد: رسالة إلى كل زوج كريم: إن الله لم يجعل العِصمة في يدك لتُشهرها سيفاً مسلطاً على رقبة امرأتك في كل شاردة وواردة. الطلاق ليس عصا للتأديب، ولا سلاحاً للتهديد.
إن الرجل الحكيم لا يلفظ بهذه الكلمة إلا إذا استحالت الحياة تماماً، وانقطعت كل سبل الإصلاح. أما أن يحلف الرجل بالطلاق على الطعام والشراب، فهذا استخفاف بحدود الله.
ولنا في سيدنا رسول الله ﷺ الأسوة الحسنة؛ فقد غضب من نسائه ذات مرة، وآلى (حلف ألا يدخل عليهن) شهراً، ليؤدب ويعالج المشكلة، ولم يسارع بالطلاق كما يفعل البعض اليوم عند أول غضبة، ليعلمنا أن الحفاظ على البيت يحتاج إلى صبر وأناة.
وإياكِ والاسْتِفزاز: ورسالة إلى كل زوجة كريمة: إياكِ أن تكون كلمة "طلّقني" هي الرد الجاهز في كل خلاف.
وتأملي قصة امرأة ثابت بن قيس حين أرادت الفراق، لم تطلبه تعنتاً أو استفزازاً، بل جاءت إلى النبي ﷺ بصدق وقالت: "يا رسول الله، ثابت بن قيس ما أَعتبُ عليه في خلق ولا دين، ولكني أكره الكفر في الإسلام" (تعني أنها لا تطيقه خوفاً من التقصير في حقه). هنا، لأن السبب حقيقي والاستحالة واقعة، حكم النبي ﷺ بالخُلع لإنهاء الأمر بمعروف، دون صراخ أو تجريح، فقال لها: «أَتَرُدِّينَ عَلَيْهِ حَدِيقَتَهُ؟» قالت: نعم. ففرق بينهما.
أما طلب الطلاق لغير بأس، فقد قال فيه ﷺ: «أَيُّمَا امْرَأَةٍ سَأَلَتْ زَوْجَهَا طَلَاقًا فِي غَيْرِ مَا بَأْسٍ فَحَرَامٌ عَلَيْهَا رَائِحَةُ الْجَنَّةِ».
علاج المشاكل بالحكمة: أيها السادة، ليس هناك بيت يخلو من المشاكل، ولكن العبرة في "كيفية الإدارة".
- لا تخرجوا مشاكلكم خارج غرفة نومكم.
- تذكروا أن الشيطان لا يفرح بشيء فرحه بهدم البيت المسلم. يقول النبي ﷺ إن إبليس يُدني منه الشيطان الذي فرق بين المرء وزوجه ويقول له: «نِعْمَ أَنْتَ».
المنهج القرآني عند استحالة العِشرة: وإذا استحالت الحياة تماماً، وأصبح الضرر واقعاً لا محالة، هنا يأتي الطلاق كـ "علاج" أخير، وليس كـ "انتقام".
لقد رسم الله لنا طريق الفراق فقال: ﴿فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾.
و"التسريح بإحسان" يعني ألا يفضح أحدهما الآخر، وأن يحفظ الأسرار.
ويُروى عن أحد السلف الصالح أنه أراد طلاق زوجته، فقيل له: ما يسوؤك منها؟ (أي ما عيبها؟)، فقال: "العاقل لا يهتك ستر زوجته". فلما طلقها قيل له: لِمَ طلقتها؟ فقال: "ما لي وللكلام عن امرأة صارت أجنبية عني!".
هذا هو الرقي في الفراق، وهذا هو معنى قوله تعالى: ﴿وَلَا تَنسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ﴾.
ختاماً: اتقوا الله في بيوتكم، تروّوا قبل اتخاذ القرار، واستخيروا الله، وحكّموا العقل قبل العاطفة، وحافظوا على أولادكم من شتات لا يُرحم.
فاللهم ألّف بين قلوب الزوجين، وأصلح ذات بينهم، واجعل بيوت المسلمين سكناً ورحمة ، وبالله تعالى التوفيق.