بُيُوتٌ مَسْتُورَةٌ وَقُلُوبٌ مَكْسُورَةٌ: فِقْهُ "الْخَفَاءِ" فِي زَمَنِ الْغَلَاءِ
الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي جَعَلَ السِّتْرَ لِلْعِبَادِ جُنَّةً، وَأَفَاضَ عَلَى أَهْلِ التَّعَفُّفِ مِنْ لَدُنْهُ مِنَّةً، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى مَنْ كَانَ لِلْمَسَاكِينِ أَبًا رَحِيمًا، وَلِلْكِرَامِ مَنْهَجًا قَوِيمًا، سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ.
أَيُّهَا السَّادَةُ الْكِرَامُ.. إِنَّ رَمَضَانَ هُوَ شَهْرُ "الْمُوَاسَاةِ"، وَلَيْسَتِ الْمُوَاسَاةُ أَنْ تُعْطِيَ الْفَقِيرَ مَا يَسُدُّ جَوْعَهُ فَحَسْبُ، بَلِ الْمُوَاسَاةُ الْحَقِيقِيَّةُ هِيَ أَنْ تَحْفَظَ لَهُ "مَاءَ وَجْهِهِ" وَتَصُونَ لَهُ "عِزَّةَ نَفْسِهِ". وَفِي ظِلِّ مَا نُعَانِيهِ الْيَوْمَ مِنْ شِدَّةِ الْغَلَاء، تَرَبَّعَتْ خَلْفَ الْأَبْوابِ الْمُوصَدَةِ بُيُوتٌ "مَسْتُورَةٌ" يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ، لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا، فَهَؤُلَاءِ هُمْ أَهْلُ اللَّهِ الَّذِينَ يَجِبُ أَنْ نَتَرَصَّدَ حَاجَاتِهِمْ بِكَرَمِ "الْخَفَاءِ".
(الْمِيزَانُ النَّبَوِيُّ لِأَدَبِ الْعَطَاءِ):
لَقَدْ عَلَّمَنَا الْمُصْطَفَى ﷺ أَنَّ الصَّدَقَةَ تَقَعُ فِي يَدِ اللَّهِ قَبْلَ أَنْ تَقَعَ فِي يَدِ الْفَقِيرِ، وَقَالَ ﷺ: «سَبْعَةٌ يُظِلُّهُمُ اللَّهُ فِي ظِلِّهِ... وَرَجُلٌ تَصَدَّقَ بِصَدَقَةٍ فَأَخْفَاهَا حَتَّى لَا تَعْلَمَ شِمَالُهُ مَا تُنْفِقُ يَمِينُهُ» (رَوَاهُ الْبُخَارِي). فَالْإِرَادَةُ هُنَا هِيَ قَمْعُ نَفْسِكَ عَنْ حُبِّ الظُّهُورِ، وَالْكَرَمُ هُوَ أَنْ تَهَبَ السِّتْرَ لِلْمُحْتَاجِ كَمَا تَهَبُهُ الْمَالَ.
قِصَّةُ "الْعِزَّةِ الشَّامِخَةِ" وَالْمُحْسِنِ اللَّبِيبِ: يُرْوَى أَنَّ رَجُلًا مِنْ أَهْلِ الْفَضْلِ كَانَ يَتَفَقَّدُ أَرْمَلَةً فِي حَيِّهِ، كَانَتْ تَمْلِكُ مَنْزِلًا قَدِيمًا لَكِنَّهَا لَا تَمْلِكُ ثَمَنَ الطَّعَامِ، وَكَانَتْ تَرْفُضُ أَنْ تَأْخُذَ صَدَقَةً مِنْ أَحَدٍ بَتَاتًا. فَاحْتَالَ هَذَا الْمُحْسِنُ بِفِرَاسَتِهِ، وَطَرَقَ بَابَهَا وَقَالَ: "يَا سَيِّدَتِي، لَقَدْ مَرَّ بِي رَجُلٌ كَانَ مَدْيُونًا لِزَوْجِكِ الرَّاحِلِ بِمَبْلَغٍ كَبِيرٍ، وَقَدْ تَابَ وَأَنَابَ وَأَعْطَانِي الْمَالَ لِأُوصِلَهُ لَكِ". فَبَكَتِ الْمَرْأَةُ وَقَبِلَتِ الْمَالَ، وَهِيَ لَا تَعْلَمُ أَنَّ هَذَا الرَّجُلَ كَذَبَ كِذْبَةً "بَيْضَاءَ" لِيَحْمِيَ كِبْرِيَاءَهَا مِنْ ذُلِّ السُّؤَالِ. هَذَا هُوَ "الْكَرَمُ" الَّذِي يُحِبُّهُ اللَّهُ؛ أَنْ تَتَعَبَّدَ بِالسِّتْرِ كَمَا تَتَعَبَّدُ بِالْبَذْلِ.
(كَيْفَ نُطَبِّقُ فِقْهَ "الْخَفَاءِ"؟):
إِنَّ الْمُرِيدَ الصَّادِقَ هُوَ مَنْ يَبْحَثُ عَنْ "مَوَاطِنِ الِانْكِسَارِ" لِيَجْبُرَهَا بِصَمْتٍ:
جُودُ "التَّغَافُلِ": إِذَا رَأَيْتَ جَارَكَ يُقَلِّلُ مِنْ طَعَامِهِ، فَلَا تَسْأَلْهُ عَنْ حَاجَتِهِ، بَلْ أَهْدِهِ مِمَّا عِنْدَكَ كَأَنَّكَ طَالِبٌ لِوُدِّهِ، لَا رَاحِمٌ لِفَقْرِهِ.
إِرَادَةُ "السَّتْرِ": فَلَا تَجْعَلِ الصَّدَقَةَ مَشْهَدًا لِلتَّصْوِيرِ، فَإِنَّ "الْفِلَاشَ" الَّذِي يُضِيءُ وَجْهَ الْمُعْطِي قَدْ يُطْفِئُ نُورَ الْقَلْبِ فِي الْمُعْطَى.
الْبَحْثُ عَنِ "الْمُتَعَفِّفِينَ": وَهُمْ أُولَئِكَ الَّذِينَ لَا تَرَاهُمْ فِي مَوَائِدِ الرَّحْمَنِ، بَلْ يَخْتَبِئُونَ خَلْفَ حَيَائِهِمْ، فَهَؤُلَاءِ هُمْ "أَوْلِيَاءُ السِّتْرِ".
مَوْقِفُ "سَيِّدِ السَّاجِدِينَ" وَجِرَابِ الدَّقِيقِ: يُرْوَى عَنْ سَيِّدِنَا عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ (زَيْنِ الْعَابِدِينَ) أَنَّهُ كَانَ يَحْمِلُ جِرَابَ الْخُبْزِ عَلَى ظَهْرِهِ بِاللَّيْلِ فَيَتَصَدَّقُ بِهِ، وَيَقُولُ: "إِنَّ صَدَقَةَ السِّرِّ تُطْفِئُ غَضَبَ الرَّبِّ". فَلَمَّا مَاتَ وَغَسَّلُوهُ، جَعَلُوا يَنْظُرُونَ إِلَى آثَارٍ سَوْدَاءَ بِظَهْرِهِ، فَقَالُوا: مَا هَذَا؟ قِيلَ: كَانَ يَحْمِلُ أَحْمَالَ الدَّقِيقِ عَلَى ظَهْرِهِ لَيْلًا إِلَى فُقَرَاءِ الْمَدِينَةِ. لَقَدْ عَاشُوا لِلَّهِ بِالْخَفَاءِ، فَأَظْهَرَهُمُ اللَّهُ بِالنُّورِ وَالْبَهَاءِ.
نَصَائِحُ لِلْمُرِيدِينَ:
كُنْ "كَرِيمَ النَّفْسِ" مَعَ الْغَارِمِينَ: إِذَا كَانَ لَكَ دَيْنٌ عَلَى أَحَدٍ وَرَأَيْتَ ضِيقَهُ، فَاجْعَلْ قَضَاءَهُ عَنْهُ "هَدِيَّةً" لِلَّهِ فِي رَمَضَانَ، وَلَا تُحْرِجْهُ بِالْمُطَالَبَةِ.
اجْعَلْ صَدَقَتَكَ "خَبِيئَةً": فَمَا تَعَلَّقَ بِهِ الْخَلْقُ نَقَصَ، وَمَا خَلَصَ لِلْحَقِّ زَكَا وَخَلَصَ.
ارْحَمْ "قُلُوبَ" الصِّغَارِ: حِينَ تُعْطِي أُسْرَةً فَقِيرَةً، لَا تَنْظُرْ إِلَى أَبْنَائِهِمْ نَظْرَةَ شَفَقَةٍ تَجْرَحُهُمْ، بَلْ نَظْرَةَ حُبٍّ تَجْبُرُهُمْ.
خِتَامًا: رَمَضَانُ لَيْسَ شَهْرَ الشِّبَعِ، بَلْ هُوَ شَهْرُ الشُّعُورِ بِالْجِيَاعِ.
فَاللَّهُمَّ اجْعَلْنَا مِمَّنْ يَجْبُرُونَ الْخَوَاطِرَ، وَيَسْتُرُونَ السَّرَائِرَ، وَارْزُقْنَا إِرَادَةً تَكُفُّنَا عَنِ الْمَنِّ وَالْأَذَى، وَكَرَماً يَبْلُغُ بِنَا رِضَاكَ الْأَسْمَى.
وَبِاللَّه تَعَالَى التَّوْفِيقُ.