بينَ فرحةِ اليمينِ وحسرةِ الشِّمالِ
بقلم فضيلة الشيخ أحمد إسماعيل الفشني
الحمدُ للهِ الذي جعلَ الدنيا دارَ عملٍ والآخرةَ دارَ جزاءٍ، والصلاةُ والسلامُ على سيِّدِنا رسولِ اللهِ ﷺ، وعلى آلهِ وصحبِهِ ومَنْ والاهُ.
أيُّها السادةُ الكرامُ، تأمَّلوا معي مشهدًا لا يُنسى، يقفُ فيهِ الخلائقُ جميعًا بينَ يدَيِ اللهِ، لا مَلِكٌ ولا مملوكٌ، ولا غنيٌّ ولا فقيرٌ، وقد سَكَتَتِ الأصواتُ وانقطعتِ الأسبابُ. يقولُ اللهُ تعالى: «يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لَا تَخْفَىٰ مِنكُمْ خَافِيَةٌ». ثم تتطايرُ الصحائفُ، فمِنْ آخذٍ بيمينِهِ ومِنْ آخذٍ بشمالِهِ، وهنا ينقسمُ الناسُ إلى فريقَيْنِ لا ثالثَ لهما: فريقِ الفرحةِ الكبرى، وفريقِ الحسرةِ التي لا تنتهي.
صرخةُ الفرحِ: هاؤمُ اقرءوا كتابيه
يقولُ ربُّنا سبحانَهُ: «فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَيَقُولُ هَاؤُمُ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ». كلمةُ «هاؤمُ» معناها: خُذوا وتعالَوا. انظروا إلى هذا العبدِ، لقد غلبتْهُ الفرحةُ حتى لم يَعُدْ يحتملُ أنْ يكتمَها، فصارَ يَجُوبُ المَحْشَرَ يعرضُ صحيفتَهُ على الناسِ ويقولُ: اقرءوا! وما ذاكَ إلا لأنَّ ما فيها يَسُرُّهُ أنْ يراهُ الخلقُ جميعًا.
ثم يُبيِّنُ اللهُ سرَّ هذا الفوزِ على لسانِهِ: «إِنِّي ظَنَنتُ أَنِّي مُلَاقٍ حِسَابِيَهْ». والظنُّ هنا بمعنى اليقينِ، فهو لم يَنْسَ يومَ الحسابِ لحظةً، فعاشَ في الدنيا وكأنَّ الميزانَ منصوبٌ أمامَهُ. وهذا هو سرُّ الطريقِ كلِّهِ: أنْ يَستقرَّ في القلبِ أنَّكَ مُلاقٍ ربَّكَ، فتستقيمَ الجوارحُ.
وجزاؤُهُ: «فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَّاضِيَةٍ * فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ * قُطُوفُهَا دَانِيَةٌ». عيشةٌ راضيةٌ، أيْ ذاتُ رضًا، فلا ضجرَ فيها ولا مَلَلَ. وجنةٌ عاليةٌ في المكانِ والمقامِ، وثمارُها قريبةٌ يَنالُها القائمُ والقاعدُ والمُضطجعُ. ثم يأتيهِ النداءُ الرحيمُ: «كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الْأَيَّامِ الْخَالِيَةِ». لاحظوا أيُّها الكرامُ: «أَسْلَفْتُمْ»، أيْ قدَّمتُمْ سَلَفًا، فكأنَّ الأعمالَ الصالحةَ ودائعُ تُردُّ إلى أصحابِها مُضاعَفةً.
وما أجملَ ما رواهُ البخاريُّ ومسلمٌ عن سيِّدِنا عبدِ اللهِ بنِ عمرَ رضيَ اللهُ عنهما، أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ ذكرَ أنَّ اللهَ يُدني المؤمنَ يومَ القيامةِ فيَضَعُ عليهِ كَنَفَهُ وَيَسْتُرُهُ، فيقرِّرُهُ بذنوبِهِ، فإذا ظنَّ أنَّهُ هالكٌ قالَ اللهُ لهُ: «سَتَرْتُها عليكَ في الدنيا، وأنا أَغفرُها لكَ اليومَ»، ثم يُعطى كتابَ حسناتِهِ. فيا لَكرمِ الكريمِ! فالجنةُ لا تُنالُ بالعملِ وحدَهُ، بل بالعملِ وفضلِ اللهِ وسِتْرِهِ.
نَحيبُ الحسرةِ: يا ليتني لم أُوتَ كتابيه
وعلى الجانبِ الآخرِ يقولُ اللهُ تعالى: «وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِشِمَالِهِ فَيَقُولُ يَا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَابِيَهْ * وَلَمْ أَدْرِ مَا حِسَابِيَهْ». الأولُ يُنادي الناسَ ليقرءوا، وهذا يتمنى أنَّهُ ما رأى صحيفتَهُ قطُّ. وفي سورةِ الانشقاقِ أنَّهُ يأخذُها «وَرَاءَ ظَهْرِهِ»، كأنَّهُ يُخفيها عن عيونِ الخلقِ حياءً وخزيًا.
ثم يتمنى الموتَ: «يَا لَيْتَهَا كَانَتِ الْقَاضِيَةَ»، أيْ ليتَ الموتةَ الأولى كانتْ نهايةً لكلِّ شيءٍ. وهو يَظنُّ أنَّ العدمَ أهونُ مما هو فيهِ. ثم يَنهارُ ما كانَ يعتمدُ عليهِ في الدنيا: «مَا أَغْنَىٰ عَنِّي مَالِيَهْ * هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيَهْ». فلا المالُ نفعَهُ، ولا الجاهُ ولا المنصبُ ولا الحاشيةُ. وبهذا أيُّها السادةُ ندركُ أنَّ القيمةَ الحقيقيةَ ليستْ فيما نَجمعُ، بل فيما نُقدِّمُ.
وبعدَ ذلكَ يأتي الأمرُ الإلهيُّ: «خُذُوهُ فَغُلُّوهُ * ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ * ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعًا فَاسْلُكُوهُ». ثم يَكشفُ القرآنُ سببَ هذا المصيرِ بجُرمَيْنِ: «إِنَّهُ كَانَ لَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ الْعَظِيمِ * وَلَا يَحُضُّ عَلَىٰ طَعَامِ الْمِسْكِينِ». كفرٌ بحقِّ اللهِ، وتقصيرٌ في حقِّ الخلقِ. وتأمَّلوا أنَّهُ لم يَقُلْ «لا يُطعمُ» فقط، بل «لا يَحُضُّ»، أيْ لا يُحرِّضُ غيرَهُ على الخيرِ، فكيفَ بمنْ يَمنعُهُ ويَسخرُ مِنْ أهلِهِ؟
ميزانُ اليمينِ والشمالِ في حياتِنا
أيُّها السادةُ الكرامُ، إنَّ القرآنَ لم يَذكرْ هذينِ المَشهدَيْنِ لنقرأَهما للتسليةِ، بل لنُراجعَ أنفسَنا. فأهلُ اليمينِ جَمعوا بينَ الإيمانِ والرحمةِ، وأهلُ الشمالِ فرَّطوا فيهما. وقد جاءَ في السُّنةِ ما يُجسِّدُ هذا المعنى، فقد روى البخاريُّ ومسلمٌ عن سيِّدِنا عَدِيِّ بنِ حاتمٍ رضيَ اللهُ عنهُ أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ قالَ: «اتَّقوا النارَ ولو بِشِقِّ تمرةٍ». فشِقُّ التمرةِ، على صِغَرِهِ، قد يكونُ سببَ نجاةٍ.
وانظروا إلى الصحابةِ الكرامِ كيفَ فَقِهوا ذلكَ. فلمَّا نزلَ قولُهُ تعالى: «لَن تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّىٰ تُنفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ»، جاءَ سيِّدُنا أبو طلحةَ الأنصاريُّ رضيَ اللهُ عنهُ إلى رسولِ اللهِ ﷺ وقالَ: إنَّ أحبَّ أموالي إليَّ «بَيْرُحَاءُ»، وإنَّها صدقةٌ للهِ. وهي حديقةٌ طيبةٌ كان النبيُّ ﷺ يدخلُها ويشربُ من مائِها، رواهُ البخاريُّ ومسلمٌ. هكذا يَصنعُ أصحابُ اليمينِ: يُقدِّمونَ أحبَّ ما عندَهم قبلَ أنْ يقولوا يومًا: «ما أغنى عني ماليه».
وأُثِرَ عنْ أهلِ البصائرِ من السلفِ الصالحِ، ومنهم ميمونُ بنُ مهرانَ رحمهُ اللهُ، أنَّهُ قالَ: لا يكونُ العبدُ تقيًّا حتى يُحاسِبَ نفسَهُ أشدَّ من محاسبةِ الشريكِ شريكَهُ. وقد رُوِيَ عن سيِّدِنا عمرَ بنِ الخطابِ رضيَ اللهُ عنهُ قولُهُ: «حاسِبوا أنفسَكم قبلَ أنْ تُحاسَبوا، وزِنوها قبلَ أنْ تُوزَنوا». فمَنْ حاسبَ نفسَهُ اليومَ خَفَّ حسابُهُ غدًا، ومَنْ أهملَها اليومَ ثَقُلَ عليهِ ذلكَ اليومُ.
وما أصدقَ قولَ القائلِ:
وما مِنْ كاتبٍ إلا سيَفنى ... ويُبقي الدهرُ ما كتبتْ يداهُ
فلا تكتبْ بكفِّكَ غيرَ شيءٍ ... يَسُرُّكَ في القيامةِ أنْ تَراهُ
فكلُّ يومٍ يمرُّ عليكَ صفحةٌ تُكتبُ، فانظرْ ماذا تُسطِّرُ فيها. وكلُّ لحظةٍ لكَ فيها قرارٌ بينَ يمينٍ وشمالٍ. وقالَ الآخرُ:
تَزوَّدْ مِنَ التقوى فإنَّكَ لا تَدري ... إذا جَنَّ ليلٌ هلْ تَعيشُ إلى الفجرِ
نصائحُ عمليةٌ لِمَنْ أرادَ كتابًا باليمينِ
أولًا: اجعلْ يومَ اللقاءِ حاضرًا في قلبِكَ، فاليقينُ بالحسابِ هو أولُ طريقِ أصحابِ اليمينِ، كما قالَ قائلُهم: «إني ظننتُ أني ملاقٍ حسابيه».
ثانيًا: حاسبْ نفسَكَ كلَّ ليلةٍ دقائقَ معدودةً، فاشكرِ اللهَ على ما كانَ من خيرٍ، واستغفرْهُ مما كانَ من تقصيرٍ.
ثالثًا: لا تُهملْ حقَّ المسكينِ، فأطعِمْ ما استطعتَ، وإنْ عجزتَ فاحضُضْ على الخيرِ وادلُلْ عليهِ، فقد جعلَ القرآنُ تركَ الحضِّ جريمةً.
رابعًا: لا تَغتَرَّ بمالٍ ولا جاهٍ ولا منصبٍ، فإنَّها كلَّها تَزولُ ولا يبقى إلا العملُ الصالحُ.
خامسًا: أحسنْ إلى خلقِ اللهِ ولو بكلمةٍ طيبةٍ، واسترْ على الناسِ يَسترْكَ اللهُ يومَ القيامةِ.
فاللهمَّ اجعلْنا ممَّنْ يُعطَوْنَ كتبَهم بأيمانِهم، وحاسِبْنا حسابًا يسيرًا، وأدخِلْنا جنتَكَ بفضلِكَ ورحمتِكَ، وصلِّ اللهمَّ وسلِّمْ على سيِّدِنا محمدٍ وعلى آلهِ وصحبِهِ أجمعينَ.
كتبه فضيلة الشيخ أحمد إسماعيل الفشني في القاهرة الثلاثاء ١٣ أكتوبر ٢٠٢٦م، الموافق ٢ جمادى الأولى ١٤٤٨هـ
وباللهِ تعالى التوفيقُ