بقلم فضيلة الشيخ أحمد إسماعيل الفشني
الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي شَرَّفَ الوُجُودَ بِمَوْلِدِ نَبِيٍّ غَمَرَ العَالَمِينَ بِضِيَائِهِ، وَجَعَلَ مَحَبَّتَهُ بَاباً لِلتَّوْفِيقِ وَنَيْلِ رِضَاهُ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ سَيِّدَنَا وَمَوْلَانَا مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، صَفِيُّهُ مِنْ خَلْقِهِ وَحَبِيبُهُ. وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ الأَتَمَّانِ الأَكْمَلَانِ عَلَى سَيِّدِ المَحْبُوبِينَ، وَإِمَامِ المُرْسَلِينَ، سَيِّدِنَا وَمَوْلَانَا مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِهِ الطَّيِّبِينَ الطَّاهِرِينَ، وَصَحَابَتِهِ الغُرِّ المَيَامِينَ، وَالتَّابِعِينَ لَهُمْ بِإِحْسَانٍ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ، وَبَعْدُ:
أَيُّهَا السَّادَةُ الكِرَامُ، وَأَهْلُ المَحَبَّةِ وَالوِفَاءِ..
هَلْ تَأَمَّلْتُمْ يَوْمًا نَفَحَاتِ ذَلِكَ الشَّهْرِ الأَغَرِّ، أو طوّفْتُمْ في بساتين السيرة العطرة لتعلموا كم هي عظيمة تلك المنحة الإلهية في ميلاد الحبيب المصطفى ﷺ؟ إن ميلاد أحمد ﷺ ليس مجرد تاريخ مرّ في كتب السير، بل هو ميلادٌ لأمة، وانبعاثٌ لروح الإنسانية، ونورٌ شق استار الظلمات ليغمر الأكوان رحمةً وهدايةً. وكيف لا تُحصى مزاياه وهو الذي ما هبَّت نسائم ذكره العطر إلا وانشرحت الصدور، وارتوت الأرواح من حوض محبته الصافي.
إن العبد في رحلته القصيرة إلى الله عز وجل يفتقر أشد الافتقر إلى بوابات القبول، وأعظم هذه البوابات وأشرفها على الإطلاق هي: مَحَبَّةُ سَيِّدِنَا وَمَوْلَانَا مُحَمَّدٍ ﷺ.
مَحَبَّةُ الحَبِيبِ ﷺ: مَسْلَكٌ وَحَالٌ
إِنَّ مَحَبَّةَ سَيِّدِنَا وَمَوْلَانَا رَسُولِ اللهِ ﷺ لَيْسَتْ دَعْوَى تُدَّعَى بِاللِّسَانِ فَحَسْبُ، وَلَا أَمَانِيَّ تَنَالُ بِالتَّمَنِّي، بَلْ هِيَ مَسْلَكٌ رُوحيٌّ، وَحَالٌ قَلْبِيٌّ يَتجلَّى في الامتثال والاتباع. يقول الحق تبارك وتعالى في محكم التنزيل: {قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ} [سورة آل عمران: 31]. فالاتباع الصادق هو الميزان الدقيق لصدق المحبة.
وكيف لا نحبه ﷺ وقد أشرق الكون بنوره، وخطّ لنا بدموع الشوق ومواقف الرحمة أروع دروس العشق الإلهي؟ لقد أوتي الحبيب المصطفى ﷺ جوامع الكلم وخواتيم الحكم، وكان بالمؤمنين رؤوفاً رحيماً. وفي وصف مقامه العالي وبديع خصاله، تكسرت قوافي الشعراء عجزاً، فما أبدع ما قال الإمام البوصيري رحمه الله في همزيته وبردته الخالدة يصور جمال خلقه ومبلغ تعظيمه:
فَاقَ النَّبِييِنَ فِي خَلْقٍ وَفِي خُلُقٍ وَلَمْ يُدَانُوهُ فِي عِلْمٍ وَلَا كَرَمِ
وَكُلُّهُمْ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ مُلْتَمِسٌ غَرْفًا مِنَ الْبَحْرِ أَوْ رَشْفًا مِنَ الدِّيَمِ
فَهُوَ الَّذِي تَمَّ مَعْنَاهُ وَصُورَتُهُ ثُمَّ اصْطَفَاهُ حَبِيبًا بَارِئُ النَّسَمِ
كيف يكون الاحتفاء بسَيِّدِنَا ومولانا محمد ﷺ؟
إن الاحتفاء بمولد النور ﷺ ليس شعارات تُرفع فحسب، بل هو تجديد للعهد مع سيرته العطرة، وترجمة عملية لتعاليمه السمحة التي قامت على الرفق واللين والرحمة، بعيداً عن جفاء الغلظة وتشدد المتشددين. وحين نحتفي به ﷺ، فإننا نترجم هذا الحب عبر محطات راسخة:
* إحياء السنة : أن يجعل المسلم من أخلاق النبي ﷺ بوصلة لتعاملاته كلها، فينشر الخير، ويعفو عن الإساءة، ويصل ما انقطع.
* كثرة الصلاة والسلام عليه ﷺ: امتثالاً لأمر المولى عز وجل: {إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا} [سورة الأحزاب: 56]. فنشتاق إليه بالصلاة عليه، ونتجه إلى الجناب المحمدي بقلوب خاشعة لجيش الشوق والحنين.
* التخلق بخلقه القويم: ولا سيما خلق "الرفق" الذي جعله النبي ﷺ زينة لكل أمر؛ فما كان في شيء إلا زانه، وما نزع من شيء إلا شانه.
ومن أصدق وأعذب ما رددناه في صيغتنا الفشنية المحمدية تبركاً واشياقاً:
"اللهم صلِّ وسلِّم وبارك على سيدنا ومولانا محمد، حبًّا فيه، واتباعًا له، شوقًا إليه ﷺ"
ومضات من نور المحبة وقصص الشوق الخالدة
حين نتأمل في مواقف الصحابة والسلف الصالح في محبتهم لسَيِّدِنَا وَمَوْلَانَا رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، نرى العجب العجاب من صدق التعلق وشفافية الروح:
* موقف سيدنا ثوبان رضي الله عنه: روي أن سيدنا ثوبان رضي الله عنه مولى رسول الله ﷺ أتاه ذات يوم وقد تغير لونه ونحول جسمه من شدة الشوق، فسأله النبي ﷺ عن حاله، فقال: يا رسول الله، ما لي استقرار ولا وحشة إلا إذا ذكرتك واشتقت إليك حتى ألقاك، ثم ذكر الآخرة فخاف ألا يراك لأنك في درجات النبيين العليين وأنا إن دخلت الجنة ففي منزل دون منزلك، فأنزل الله عز وجل قوله: {وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا} [سورة النساء: 69].
* شوق العشاق في البردة الشريفة: ولسيدنا الإمام البوصيري وقفات تذوب فيها القلوب شوقاً وحنيناً إلى روضته الشريفة، حيث يقول معبراً عن لوعة العاشقين:
موْلاَيَ صَلِّ وَسَلِّمْ دَائِمًا أَبَدًا عَلَى حَبِيبِكَ خَيْرِ الْخَلْقِ كُلُّهُمِ
مُحَمَّدٌ سَيِّدُ الْكَوْنَيْنِ وَالثَّقَلَيْنِ وَالْفَرِيقَيْنِ مِنْ عَرَبٍ وَمِنْ عَجَمِ
هُوَ الْحَبِيبُ الَّذِي تُرْجَى شَفَاعَتُهُ لِكُلِّ هَوْلٍ مِنَ الْأَهْوَالِ مُقْتَحِمِ
فهو الحبيب الذي إن ذكر اسمه في مجالس الذكر والصفاء، اطمأنت القلوب، وسكنت الأرواح، واستنارت البصائر بمدد من حضرته الشريفة ﷺ.
ختاماً : يا مريد الوصول إلى مرضاة الله عز وجل، اجعل قلبك معلقاً بحب سَيِّدِنَا وَمَوْلَانَا مُحَمَّدٍ ﷺ، واجعل لسانك رطباً بذكره والصلاة عليه، وتلمس أخلاقه في أقوالك وأفعالك، لتفوز بالقَبُول في الأرض والسماء، وينادي منادي الحق في الملأ الأعلى معلناً ودّه واصطفاءه.
كتبه فضيلة الشيخ أحمد إسماعيل الفشني في القاهره ١٢ ربيع الأول ١٤٤٨هجريه