(الزُّهْدُ.. أَنْ تَمْلِكَ الدُّنْيَا لَا أَنْ تَمْلِكَكَ: قِرَاءَةٌ فِي جَوْهَرِ التَّزْكِيَةِ)
بقلم فضيلة الشيخ/ أحمد إسماعيل الفشني
الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي جَعَلَ الدُّنْيَا مَزْرَعَةً لِلْآخِرَةِ، وَجَعَلَ الْقُلُوبَ مَحَلَّاً لِمَعْرِفَتِهِ، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى إِمَامِ الزَّاهِدِينَ، وَسَيِّدِ الْعَارِفِينَ، سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ ﷺ، الَّذِي كَانَتِ الدُّنْيَا تَحْتَ قَدَمَيْهِ فَلَمْ يَلْتَفِتْ إِلَيْهَا، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَهْلِ الصِّدْقِ وَالْوَفَاءِ.
أَمَّا بَعْدُ..
فَإِنَّ مِنْ أَكْثَرِ الْمَفَاهِيمِ الَّتِي طَالَهَا الْغَبَشُ فِي عَصْرِنَا هُوَ مَفْهُومُ "الزُّهْدِ"؛ حَيْثُ حَصَرَهُ الْبَعْضُ فِي مَظَاهِرَ بَائِسَةٍ، مِنْ لُبْسِ الْمُرَقَّعِ، وَتَقَشُّفِ الْعَيْشِ الْمُصْطَنَعِ، وَإِهْمَالِ الْهِنْدَامِ، وَالِانْزِوَاءِ عَنِ الْحَيَاةِ. وَهَذَا لَيْسَ مِنَ الزُّهْدِ فِي شَيْءٍ، بَلْ هُوَ ضَعْفٌ فِي الْفَهْمِ وَقُصُورٌ فِي إِدْرَاكِ جَوْهَرِ الدِّينِ.
الزُّهْدُ: حَالٌ قَلْبِيٌّ لَا مَظْهَرٌ بَدَنِيٌّ
الزُّهْدُ فِي مَنْهَجِنَا هُوَ "فَرَاغُ الْقَلْبِ مِنَ الدُّنْيَا لَا فَرَاغُ الْيَدِ مِنْهَا". أَنْ تَمْلِكَ الْمَالَ وَالْجَاهَ وَالْمَنْصِبَ، وَلَكِنَّهَا جَمِيعاً تَكُونُ خَادِمَةً لَكَ فِي طَرِيقِ اللَّهِ، لَا سَيِّدَةً عَلَيْكَ تَسْتَعْبِدُ هَوَاكَ.
قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ -رَحِمَهُ اللَّهُ- حِينَ سُئِلَ: أَيَكُونُ الرَّجُلُ زَاهِدًا وَمَعَهُ أَلْفُ دِينَارٍ؟ قَالَ: "نَعَمْ، بِشَرْطِ أَلَّا يَفْرَحَ إِذَا زَادَتْ، وَلَا يَحْزَنَ إِذَا نَقَصَتْ". هَذَا هُوَ التَّعْرِيفُ الْأَدَقُّ؛ أَنْ تَسْتَوِيَ عِنْدَكَ النِّعْمَةُ وَفَقْدُهَا فِي الرِّضَا بِقَضَاءِ اللَّهِ.
مَوَاقِفُ وَقَصَصٌ فِي حَقِيقَةِ الزُّهْدِ
1. قِصَّةُ الْإِمَامِ أَبِي حَنِيفَةَ وَالسَّفِينَةِ:
يُحْكَى أَنَّ سَيِّدَنَا الْإِمَامَ أَبَا حَنِيفَةَ -وَكَانَ تَاجِرًا ثَرِيًّا- كَانَ يَلْقِي دَرْسَهُ، فَجَاءَهُ رَجُلٌ يَهْمِسُ فِي أُذُنِهِ: "يَا إِمَامُ، لَقَدْ غَرِقَتْ سَفِينَتُكَ الَّتِي كَانَتْ تَحْمِلُ بِضَاعَتَكَ فِي الْبَحْرِ!". فَسَكَتَ الْإِمَامُ لَحْظَةً وَقَالَ: "الْحَمْدُ لِلَّهِ". بَعْدَ سَاعَةٍ، عَادَ الرَّجُلُ يَقُولُ: "اعْذُرْنِي يَا إِمَامُ، لَقَدْ أَخْطَأْتُ، السَّفِينَةُ الَّتِي غَرِقَتْ لَيْسَتْ لَكَ، بَلْ هِيَ سَفِينَةٌ أُخْرَى، وَسَفِينَتُكَ نَجَتْ!". فَسَكَتَ الْإِمَامُ لَحْظَةً أُخْرَى وَقَالَ: "الْحَمْدُ لِلَّهِ".
فَسَأَلَهُ تَلَامِيذُهُ: "حَمِدْتَ اللَّهَ حِينَ غَرِقَتْ، وَحَمِدْتَهُ حِينَ نَجَتْ، فَمَا السِّرُّ؟". فَقَالَ: "حِينَ قُلْتَ لِي غَرِقَتْ، فَتَّشْتُ فِي قَلْبِي فَلَمْ أَجِدْ أَلَماً عَلَى فَقْدِهَا، فَقُلْتُ الْحَمْدُ لِلَّهِ أَنَّ الدُّنْيَا لَمْ تَدْخُلْ قَلْبِي. وَحِينَ قُلْتَ لِي نَجَتْ، فَتَّشْتُ فِي قَلْبِي فَلَمْ أَجِدْ فَرَحًا لِبَقَائِهَا، فَقُلْتُ الْحَمْدُ لِلَّهِ أَنِّي لَمْ أَغْتَرَّ بِهَا". هَذَا هُوَ الزُّهْدُ الْحَقِيقِيُّ.
2. مَوْقِفُ الْإِمَامِ مَالِكٍ وَزِينَةِ الْعِلْمِ:
كَانَ الْإِمَامُ مَالِكٌ -رَحِمَهُ اللَّهُ- يَلْبَسُ أَفْخَرَ الثِّيَابِ (الْقُبَاطِيَّ الْمِصْرِيَّ)، وَيَتَطَيَّبُ بِأَغْلَى الْعُطُورِ، وَيَرْكَبُ مَرَاكِبَ حَسَنَةً. فَعَاتَبَهُ بَعْضُ مَنْ حَصَرُوا الزُّهْدَ فِي "الْمَظْهَرِ"، فَقَالَ لَهُمْ: "إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ أَنْ يَرَى أَثَرَ نِعْمَتِهِ عَلَى عَبْدِهِ، وَخَاصَّةً حَمَلَةَ الْعِلْمِ، لِيَكُونَ لِلْعِلْمِ هَيْبَةٌ فِي نُفُوسِ النَّاسِ". فَالزُّهْدُ عِنْدَ مَالِكٍ كَانَ "إِجْلَالاً لِلدِّينِ" وَلَيْسَ تَعَلُّقاً بِالطِّينِ.
3. قِصَّةُ الشَّيْخِ الشَّاذِلِيِّ وَصَاحِبِ الْخِرَقِ:
يُحْكَى أَنَّ رَجُلًا يَلْبَسُ ثِيَابًا مُمَزَّقَةً لَقِيَ الْإِمَامَ أَبَا الْحَسَنِ الشَّاذِلِيَّ وَهُوَ فِي أُبَّهَةٍ وَجَمَالٍ، فَقَالَ لَهُ: "يَا إِمَامُ، أَيْنَ الزُّهْدُ فِي هَذِهِ الثِّيَابِ؟". فَأَمْسَكَ الْإِمَامُ بِثِيَابِ الرَّجُلِ الرَّثَّةِ وَقَالَ لَهُ: "يَا بُنَيَّ، لِبَاسِي هَذَا يَقُولُ لِلنَّاسِ: (الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَغْنَانِي)، فَأَنَا أَشْكُرُ الْمُنْعِمَ. أَمَّا لِبَاسُكَ هَذَا فَيَقُولُ لِلنَّاسِ: (أَعْطُونِي مِنْ مَالِ اللَّهِ)، فَأَنْتَ تَشْكُو اللَّهَ لِخَلْقِهِ!".
وَفِي هَذَا الْمَعْنَى يَقُولُ الشَّاعِرُ:
لَيْسَ التَّزَهُّدُ فِي الدُّنْيَا لِبَاسَ جَفَا ... بَلِ التَّزَهُّدُ طُهْرُ الْقَلْبِ وَالصَّفَا
تَمْلِكُ الدُّنْيَا وَتُعْطِي مِنْ فِضَالِكَ ذَا ... وَالْقَلْبُ بِاللَّهِ مَشْغُولٌ وَمَا انْحَرَفَا
فَكُنْ مَلِيًّا وَلَكِنْ عَنْ هَوَىً نَزِهًا ... فَأَزْهَدُ النَّاسِ مَنْ فِي حُبِّهِ عَرَفَا
كَيْفَ نُحَقِّقُ الزُّهْدَ فِي حَيَاتِنَا الْمُعَاصِرَةِ؟
إِنَّ الزُّهْدَ الْآنَ لَيْسَ بِتَرْكِ التِّكْنُولُوجْيَا أَوِ السَّيَّارَاتِ، بَلْ بِـ:
* الِاسْتِغْنَاءِ بِاللَّهِ: أَنْ يَكُونَ يَقِينُكَ بِمَا فِي يَدِ اللَّهِ أَقْوَى مِنْ يَقِينِكَ بِمَا فِي جَيْبِكَ.
* الْجُودِ بِالْمَوْجُودِ: الزَّاهِدُ الْحَقِيقِيُّ هُوَ أَكْرَمُ النَّاسِ يَدًا، لِأَنَّ الْمَالَ عِنْدَهُ "خَادِمٌ" لَا "مَخْدُومٌ".
* التَّوَاضُعِ عِنْدَ الرِّفْعَةِ: إِذَا نِلْتَ مَنْصِباً، لَمْ تَتَكَبَّرْ بِهِ، لِأَنَّكَ تَعْلَمُ أَنَّكَ سَتُغَادِرُهُ كَمَا غَادَرَهُ مَنْ قَبْلَكَ.
خِتَاماً:
الزُّهْدُ هُوَ رُوحُ الْحُرِّيَّةِ؛ فَإِذَا زَهِدْتَ فِي الدُّنْيَا، تَحَرَّرْتَ مِنْ عُبُودِيَّةِ الْمَادَّةِ، وَصِرْتَ عَبْدًا خَالِصًا لِلَّهِ. فَاجْعَلِ الدُّنْيَا تَحْتَ قَدَمِكَ تَكُنْ خَادِمَةً لَكَ، وَلَا تَجْعَلْهَا فَوْقَ رَأْسِكَ فَتَكُونَ سَيِّدَةً عَلَيْكَ.
نَسْأَلُ اللَّهَ أَنْ يَرْزُقَنَا زُهْدَ الْعَارِفِينَ، وَغِنَى الْمُوقِنِينَ.
وَبِاللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ.