الوَسَطِيَّةُ النَّيِّرَةُ.. وحِمَى الدِّينِ من غُلُوِّ الغَالينَ

بقلم: فضيلة الشيخ أحمد إسماعيل الفشني
عودة إلى المقالات

بقلم فضيلة الشيخ أحمد إسماعيل الفشني

الحمدُ للهِ الذي جَعَلَ هذا الدِّينَ يُسْراً، وبَعَثَ رَسولَهُ ﷺ رَحمةً لِلعالمينَ وبُشْرى، والصلاةُ والسلامُ على سيِّدِنا رسولِ اللهِ ﷺ، الذي نَهى عنِ التَّنَطُّعِ والتشديدِ، وجَعَلَ القَصْدَ والاعتدالَ مَنهجاً لِكُلِّ مَريدٍ، وعلى آلِ بيتِهِ الأطهارِ، وصحابتِهِ الأبرارِ، ومَنْ تَبِعَ نُورَهم في سَكينةٍ ووقارٍ.

أيُّها السادةُ الكرامُ.. إنَّ كمالَ هذا الدِّينِ يَكمنُ في "وَسَطِيَّتِهِ"؛ فهي الرُّوحُ التي تَسري في عُروقِ الشريعةِ، والضمانةُ التي تَحفظُ على الناسِ استقرارَهم الروحيَّ والاجتماعيَّ. وإنَّ خَيْرَ الأمورِ أوساطُها، فلا جَفَاءَ يُضَيِّعُ الدِّينَ، ولا غُلُوَّ يُحَوِّلُ الرَّحمةَ إلى قَسوةٍ. يقولُ اللهُ عزَّ وجلَّ في مَحكمِ التنزيلِ مُثنياً على أمةِ الإسلامِ: {وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِّتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ} (البقرة: 143).

إنَّ الأفكارَ المتشددةَ -أعزَّكم اللهُ- لَيستْ من الدِّينِ في شيءٍ، وإنْ تَدَثَّرَتْ بعباءتِهِ؛ لأنَّ الدِّينَ قَصْدٌ وتيسيرٌ، والمتشددَ يَرومُ مَغالَبَةَ هذا الدِّينِ، ومَنْ غَالَبَ الدِّينَ غَلَبَهُ.

أيُّها السادةُ الكرامُ.. تأملوا في هذا الموقفِ النبويِّ الشريفِ الذي يضعُ النقاطَ على الحروفِ في بَابِ الغُلُوِّ؛ فقد رَوَى الإمامُ البخاريُّ ومسلمٌ عَنْ سيِّدِنا أنسِ بنِ مالكٍ رضيَ اللهُ عنهُ، أنَّ نَفَراً مِنْ أصحابِ سيِّدِنا النبيِّ ﷺ سألوا أزواجَ النبيِّ ﷺ عَنْ عَمَلِهِ في السِّرِّ، فقالَ بَعْضُهُمْ: لا أتزوجُ النساءَ، وقالَ بَعْضُهُمْ: لا آكُلُ اللَّحْمَ، وقالَ بَعْضُهُمْ: لا أنامُ على فِرَاشٍ. فَبَلَغَ ذلكَ سيِّدَنا النبيَّ ﷺ فَحَمِدَ اللَّهَ وأثنى عليهِ، ثمَّ قالَ: "ما بالُ أقوامٍ قالوا كذا وكذا؟ لَكِنِّي أُصَلِّي وأنامُ، وأصومُ وأُفْطِرُ، وأتزوجُ النساءَ، فَمَنْ رَغِبَ عَنْ سُنَّتِي فليسَ مِنِّي".

انظروا كَيْفَ جَعَلَ ﷺ الرغبةَ عَنِ التيسيرِ والاعتدالِ خروجاً عَنْ سُنَّتِهِ! لأنَّ التَّشَدُّدَ يَقومُ على نَظرةٍ ضيقةٍ تَحصرُ الطاعةَ في مَظاهرِ المشقةِ، وتَنْسى أنَّ رِضا اللهِ عزَّ وجلَّ مَرهونٌ بالإخلاصِ والاتِّباعِ، لا بالإعناتِ والابتداعِ.

ولقد كانَ ساداتُنا من أهلِ البصائرِ يَعرفونَ أنَّ الغُلُوَّ يُورِثُ الكِبْرَ في النفسِ والقسوةَ على الخَلْقِ؛ فرُوِيَ عَنْ سيِّدِنا عُمَرَ بنِ الخطابِ رضيَ اللهُ عنهُ أنَّهُ رَأى رجلاً قد طَأطَأَ رَقبتَهُ (يُظهِرُ التخشُّعَ الزائدَ)، فضربَهُ بِمِخْفَقَتِهِ وقالَ لَهُ: "يا هذا، ارْفَعْ رأسَكَ، فإنَّ الخُشوعَ في القلبِ وليسَ في الرِّقابِ".

وهذا هو فَهْمُ السَّلَفِ الصالحِ؛ فالدِّينُ نُورٌ يَنشرحُ لهُ الصدرُ، لا قُيودٌ تَخْنُقُ الروحَ وتَجعلُ المسلمَ يَنْظرُ لغيرِهِ بعينِ الازدراءِ أو التكفيرِ.

وقد جادتْ قريحةُ الحُكماءِ بوصفِ خطرِ التَّطَرُّفِ، فقالَ أحدُهم:

تَعَمَّدْ لِلتَّوَسُّطِ في الأمورِ ** فإنَّ لِكُلِّ غَالِيَةٍ نُفُورَا

ولا تَكُ غَالِياً في كُلِّ شَيْءٍ ** فَتُهْلِكَ بَعْدَ غُلْوِكَ لَوْ تَصِيرَا

أيُّها السادةُ الكرامُ.. حتى نَحميَ عقولَنا وشبابَنا من مَزالقِ التَّشَدُّدِ، لا بُدَّ من اتباعِ هذهِ "النصائحِ العمليةِ":

* فَهْمُ فِقْهِ الأولوياتِ: تَعَلَّمْ أنَّ جوهرَ الدِّينِ هو الأخلاقُ والرَّحمةُ، وأنَّ النوافلَ لا تُقَدَّمُ على الفرائضِ، ولا الشكلَ على المَخْبَرِ.

* سَعَةُ الأُفُقِ: اعلمْ أنَّ الاختلافَ في الفروعِ سَعَةٌ، فلا تُشَدِّدْ فيما يَسَّرَهُ اللهُ عزَّ وجلَّ، ولا تَحْجُرْ واسعاً.

* مُصاحبةُ أهلِ الاعتدالِ: كُنْ مع العلماءِ الذينَ يَجمعونَ الناسَ على المَحبةِ، ويُبَشرونَ ولا يُنَفِّرونَ، ويُيَسِّرونَ ولا يُعَسِّرونَ.

* تزكيةُ النفسِ: التَّشدُّدُ غالباً ما يَنبعُ من فَرَاغٍ رُوحيٍّ؛ فاملأْ قلبَكَ بمحبةِ اللهِ عزَّ وجلَّ ومحبةِ خَلْقِهِ، يَتلاشَ مِنْكَ كلُّ ميلٍ للعنفِ أو الغُلُوِّ.

إنَّ الغُلُوَّ يَحرقُ صاحِبَهُ قَبْلَ أنْ يُؤذيَ غيرَهُ، والاعتدالَ نجاةٌ في الدنيا وفوزٌ في الآخرةِ.